مقالة بحثية للطالب سكور عثمان حول إشكالية الوجود الإسرائيلي
نشر الجمعة 17 مايو 2013 - 7:31 مساءً

بسم الله الرحمن الرحيم

02/03/2013

الدكتور:د. سعيد خالد الحسن

  كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية                                         الطالب: سكورعثمان

                      ســـــلا                                                  EMAIL :OTHMAN.SACOUR@gmail.com

         ماستر: علوم سياسية

       مادة النظرية السياسية س 1فوج 4                                              

 

 

 

 

مقالة بحثية حول :

إشكالية أزمة الوجود الإسرائيلي


 

مقدمة

ليس من السهل اليسير التعرض لظاهرة حديثة، كالظاهرة الإسرائيلية، بالدرس والتحليل، أولا بسبب أنها ظاهرة لم تستقر بعد، ولم تأخذ المدى الكافي تاريخيا للحكم لها أو عليها في منظور المآل المستقبلي، وثانيا بسبب تمايز الكيان الإسرائيلي عن غيره من الكيانات السياسية في العديد من نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وطبيعة التفاعلات الداخلية والتحالفات والعلاقات مع الخارج، وهذا التمايز ناتج عن فارق أساسي يتعلق بالطريقة التي تم خلق الكيان الإسرائيلي بها، حيث لم يتشكل  من خلال عملية تاريخية طبيعية بقدر ما تم خلقه بشكل مخالف لحركة التاريخ[1]، ولقوانين الاجتماع السياسي، فالكيان الإسرائيلي لا يتماثل عن غيره من الكيانات السياسية في أن الفكرة سبقت قيام الدولة، فإسرائيل بهذا المعنى، دولة وليدة الفكرة الصهيونية، كما أن الدولة سبقت وجود المجتمع السياسي، لا بل إنه كان من مهام الدولة الإسرائيلية عند قيامها، خلق المجتمع السياسي أو اصطناعه، من عناصر متنافرة من المهاجرين اليهود القادمين من مجتمعات سياسية شديدة التباين في نظمها وقيمها وثقافاتها ومستوى تطورها الاقتصادي والحضاري.

كذلك يفترق الكيان الإسرائيلي عن غيره في أي من مهامه التي أوكلت إليه، العمل على استكمال إنجاز المشروع الصهيوني بعنصريه الأساسيين، استكمال فرض السيادة الإسرائيلية على كامل “أرض إسرائيل” على غموض هذا التعبير، واستكمال مهمة “جمع المنفيين” اليهود المنتشرين على مساحة العالم، على اعتبار أنهم أفراد “الشعب اليهودي” وأنهم مواطنو الدولة التي وجدت من أجلهم.

وأيضا، فإن إسرائيل تعيش نوعا من الفصام الداخلي حول هويتها الحضارية، بين أقلية من الأشكناز الغربيين الذين قادوا المشروع الصهيوني، وأنشأوا الدولة، واحتكروا مؤسساتها ومواقع صنع القرار فيها، وأغلبية من اليهود الشرقيين المنتمين إلى الحضارة العربية الإسلامية، كما تعيش نوعا من الفصام بين امتداداتها وتحالفاتها وعلاقتها بالعالم الغربي وقيمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبين واقع تواجدها الجغرافي في المنطقة العربية، المنطقة التي تتفاعل فيها، فكان من طبيعة الأمور أن يصطدم أولا بشكل مباشر وحاد، مع شعب ذلك الجزء من الوطن العربي الذي اختاره الصهيونيون ليقيموا عليه مشروعهم الاستيطاني، حيث كان الاقتلاع هو المقابل الطبيعي.

إلا أن إسرائيل التي أظهرها صانعوها على أنها ظاهرة خارقة مثالية، وقدوة تحتذى، لم تخل من مشاكل استعصت على الحل، فهي مثل أي ظاهرة سياسية تفتقر إلى المثالية والكمال، لا بل إن إسرائيل التي تمايزت عن غيرها من الكيانات السياسية قد اختلفت في طبيعة مشاكلها التي كانت أكثر تعقيدا، وذلك بالنظر إلى السمات الخالصة التي أشرنا إليها أعلاه … بحيث يمكن القول إن هذه المشاكل قد بلغت مبلغ الأزمة، وأن هذه الأزمة ذات سمات خاصة لا نكاد نجد لها شبيها في أي ظاهرة سياسية أخرى.

وفي ضوء العناصر الإشكالية والأفكار الأساسية للبحث التي تم الإعلان عنها، يمكن صياغة الإشكالية الرئيسية التالية:

“هل إن الكيان الإسرائيلي يعيش أزمة حقيقية على مستوى وجوده المادي، بمعنى قدرته على الاستمرار ضمن منطق وقيم الإيديولوجية الصهيونية، وضمن آليات تطوره الداخلي، وآليات تفاعله مع المحيط العربي؟”

وللإجابة على الإشكالية سنتطرق لها من خلال ثلاث محاور رئيسية:

  1. المحور الأول: الأزمة الإيديولوجية للوجود الإسرائيلي.
  2. المحور الثاني: الطبيعة البنيوية للتكوين الإسرائيلي.
  3. المحور الثالث: طبيعة المشروع الصهيوني وتفاعلاته مع المحيط العربي.

 

 

المحور الأول: الأزمة الإيديولوجية للوجود الإسرائيلي

من الثابت أن الصهيونية قد انتظمت حركيا منذ المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897، كما أن من الثابت أن الأفكار الصهيونية كانت قد بدأت بالظهور والتبلور قبل هذا التاريخ جنبا إلى جنب مع سقوط فكر حركة التنوير اليهودية “الهسكالا”*، حيث اعتبرت الصهيونية البديل للهسكالا، واستجابة طبيعة لفشل الاندماج وتفاقم المشكلة اليهودية، ونحن هنا بصدد الحديث عن مبادئ ومفاهيم دينية يهودية ثلاثة، شكلت فيما بينها علاقة خاصة ومميزة لن نجد مثيلا لها في أي من الديانات السماوية أو العقائد الأرضية، أعني بها ثلاثية “الشعب المختار” و”الأرض الموعودة” و”الوعد، أو الميثاق الإلهي”، الثلاثية التي شكلت أرضية إيديولوجية للصهيونية، وعنصرا معاديا تبريريا، اعتمدت عليها في تعبئة وحفز اليهود في إطارها، وعلى طريق إنجاز هدفها الصهيوني، تستند فكرة “شعب إسرائيل” أو “الشعب المختار” الدينية إلى عنصرين، عنصر إثني سلالي، يذهب إلى أن اليهود بني إسرائيل أبناء ونسل الأنبياء ابراهيم ويعقوب وإسحاق، ومن هذا الأخير أخذوا اسم “بني إسرائيل”، فإسحاق سمي إسرائيل، بعد أن صارع الرب[2]، كما تروي تلك الأساطير الدينية اليهودية، وتعني إسرائيل هنا “بطل الله”، والعنصر الثاني هو عنصر الاختيار أو “الشعب المختار”، إذ مادام اليهود هم نسل وأبناء “بطل الله”، فإن بني إسرائيل أصبحوا المدافعين عن الله، وأصبح الشعب امتدادا لله في الأرض، فجل المقولات استقت من الترات الديني اليهودي، جرى توظيفها لخدمة إيديولوجية علمانية الطابع تعتمد فكرة “الشعب المختار – شعب إسرائيل والأرض الموعودة، أرض إسرائيل، وأن العلاقة بين الشعب والأرض هي علاقة أزلية تستند إلى العهد الذي قطعه الرب على نفسه لأنبياء إسرائيل، الذي ينحدر اليهود من أصلابهم، ومن الواضح هنا أن الصهيونية العلمانية التي عجزت عن إعطاء مشروعية علمية لادعاء “الشعب اليهودي الواحد” بالمعنى الأنتروبولوجي الاجتماعي السياسي، بحثت عن هذه المشروعية في مقولات دينية ذات مضمون لا علمي،لأن أي ظاهرة جديدة في المجتمع الدولي تقوم دراستها على ثلاث مراحل أساسية ورئيسية، أي كيفية النشأة، والدافع من هذه النشأة، والغاية المتوخاة منها، وهذا ما يعرف بتطور الفكرة السياسية، ومن المعلوم أن أي تطور فهو مبني على الانتقال من موقف إلى آخر، والواضح أن يهود أوربا الشرقية بالخصوص انتقلوا من موقف البحث عن الاستقرار إلى موقف تشكيل التنظيم الصهيوني إلى موقف التحكم، وهذا ما لمس جليا أيضا في أمريكا، أي منذ الحرب العالمية الثانية، بحيث تكونت اللبنة الأولى للهجرة اليهودية نحو الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب ما تعرضوا له من تعذيب وإقصاء وعنصرية (طغيان الجنس الآري)*، خاصة يهود أوربا الشرقية أو الأشكناز، كلها أسباب خولت لهم البحث عن الاستقرار والأمن، أي التوجه نحو الدولة الحاضنة، حتى أصبحوا لوبي صهيوني قوي (AIPAC)، هذا دليل قاطع على مخرجات الموقف الصهيوني في البحث عن الاستقرار ولو على حساب الآخر.

وبالتالي فالإيديولوجية الصهيونية الأساس العقيدي الفكري للكيان الإسرائيلي، تبدو على قدر من الإشكال، سواء في ظروف وملابسات نشأتها، أو في مدى تعبيرها عن حقيقة أهداف ومصالح الطوائف اليهودية.

المحور الثاني: الطبيعة البنيوية للتكوين الإسرائيلي

“… الكروب تجمعنا معا ومن ثم توحدنا … وفجأة نكتشف قوتنا … نعم، إننا من القوة بحيث نستطيع أن نقيم دولة وفي الحقيقة دولة نموذجية”[3].

من خلال هذه الرؤية نجد الدوافع الأساسية التي سرعت بإنشاء الحركة الصهيونية على يد هرتزل، وذلك بجمع شتات يهود العالم الذين يعانون في نظرهم التهميش والإقصاء، وأنهم لا يحتلون المكانة التي تليق بهم، باعتبارهم جسم غريب في مجتمعات مضيفة، مما كرس له العداء والنبذ والعنف ضدهم، وبالتالي فالصهيونية تطرح على أنها الحل الوحيد للمسألة اليهودية، وأنها أساسا، عملية لإنقاذ اليهودية[4].

فالمجتمع الإسرائيلي كمجتمع هجرة حديثة النشأة لم يكتسب صفته التاريخية بعد، وأظهر العديد من الإشكاليات على أكثر من صعيد يتعلق بالبنى الاجتماعية والاقتصادية والإطار السياسي القيمي، وذلك كنتيجة لاستقدام البشر مواطنو الدولة من مجتمعات ذات خصوصيات ثقافية حضارية قيمية مختلفة، واستقدام الأموال والخبرات التقنية والقوانين، والنظم وكل المقومات المادية من الخارج.

وهذا ما يؤكده الدكتور عبد الوهاب المسيري الذي يعتبر أن الخطاب الصهيوني يتميز بالمراوغة، نتيجة تعدد الجهات التي يتوجه لها هذا الخطاب من أهمها:

  1. أن الصهيونية حركة تابعة للاستعمار الغربي، فبالتالي هناك خطاب موجه إلى الدول الاستعمارية الراعية.
  2. أن الصهيونية تتوجه خصوصا للرأي العام داخل الدول لأنه غير متجانس.
  3. أنه كذلك يحاول توجيه خطاب جمع الشتات إلى مختلف الجماعات اليهودية في العالم.
  4. عدم اتفاق الصهاينة أنفسهم على تحديد هوية للصهيونية، وكذلك عدم تحديد توجه اجتماعي أو اقتصادي للعقيدة الصهيونية.

وهنا نجد هرتزل يقول: “لقد حققت شيئا يكاد يكون مستحيلا: الاتحاد الوطيد بين العناصر اليهودية الحديثة المتطرفة، والعناصر اليهودية المحافظة، دون تنازل أي طرف أو تضحية”[5].

إذن الطبيعة البنيوية للتكوين الإسرائيلي مبني على جمع الشتات من مجتمعات متنافرة على مر العصور، وبناء الحجة الواهية على أن إسرائيل العظمى التي حكمها داوود في فلسطين حوالي 1200 ق.م، ما هي إلا لحظة عابرة، حسب كيت وايتلام، في مسيرة التاريخ الفلسطيني القديم، وبالتالي ليس هناك أجيال متعاقبة على أرض بمدركات جماعية واحدة، بل هي مجرد لحظة تاريخية، سرعان ما انتهت[6].

وهنا يلتقي كيت وايتلام مع أستاذنا الدكتور سعيد خالد الحسن الذي يعتبر تلك الجماعة أو ما أطلقت عليهم من تسمية العبرانيين لم تستوطن فلسطين إلا لوقت معين، أي أنهم لم يصلوا إلى مرحلة من الاستقرار الحضاري، الذي يمكنهم أن يختصوا بأرض فلسطين أو بجزء منها[7].

فالاستقرار هو الأساس البنيوي لأي مجتمع ومرتكزاته تنبني على الماضي المديد المشترك، والأرض المشتركة المنتمية إلى مجتمع يحتوي على مدركات جماعية، على نقيض ما تدعيه الصهيونية، أن الشعب اليهودي منفي من أرضه، وله إحساس عميق بالبعد الحضاري بينه وبين المجتمع المنفي فيه، وهذا الادعاء تبلور عند رئيس الحكومة الذي يعتبر القائد الأول للحركة الصهيونية في العالم، وهو بنغريون، بحيث أنه أدلى بتصريح سنة 1949، عندما كان يخطب في حفل حضره فريق من اليهود الأمريكيين كان يزور إسرائيل، وهذا ما جاء في خطابه:

“… ومع أننا حققنا حلمنا الأول في إقامة دولة يهودية، فنحن مازلنا في أول الطريق، ففي إسرائيل الآن حوالي مليون يهودي فقط، بينما تقع أغلبية الشعب اليهودي خارج دولتنا، وهدفنا الآن ينحصر في جث جميع يهود العالم على العود إلى إسرائيل …”[8].

لكن الأساس المنهجي لهذا الطرح هو التجزئة والتفرقة للشعب الفلسطيني والعربي، بالرغم من انعدام المكون الحضاري الموحد للمدركات الجماعية للشتات، فالكل في مجتمع حضاري مختلف على الهدف المنشود لبنغريون، أي تجسيد هوية حضارية واحدة لليهود، لكنه لم يستطع، وفشل في ذلك بحيث أنه لم يستطع جلب سوى أقل من ثلث الشعب اليهودي إلى الدولة العتيدة.

وبالتالي، فالمشكلة البنيوية مطروحة بشدة في إسرائيل، فالتكوين المجتمعي من أقطار الشتات اليهودي، لا يصل إلى درجة الاستقرار الحضاري، بما يحمله من تناقضات، وثقافات جلبها المهاجرون معهم من مجتمعاتهم، إذن فالمشكلة اليهودية قد نشأت في إسرائيل، حيث يعيش اليهود داخلها في جو من القلق وعدم اليقين من اختياراتهم، وعدم الشعور بالأمن، والحروب التي تتلو بعضها منذ حرب 1948، هذا عدا حالة الانعزال والحصار الذي جعل من إسرائيل في واقع الأمر نقطة سوداء، داخل المنظومة العربية المحيطة بها.

المحور الثالث: طبيعة المشروع الصهيوني

وتفاعلاته مع المحيط العربي

يمكن القول إن المنطلق الأساس الذي حدد مسار المواقف الصهيونية والإسرائيلية اتجاه فلسطين والشعب الفلسطيني، يتمثل في مجموعة المقولات الصهيونية حول الأرض والشعب، بالأخص مقولة “شعب بلا أرض لأرض بلا شعب”، هذه هي الأكذوبة الصهيونية الكبرى التي استخدمها الصهاينة عشرات السنين لخداع الرأي العام الغربي[9]. والفكرة المستخلصة من هذه العبارة أن الصهيونيين قد نظروا في حينه إلى أرض فلسطين كأرض خلاء خالية من السكان، وأنها تنتظر الشعب الذي لا أرض له لإشغالها، وهكذا ففيما عدا الحق الديني والتاريخي الذي ساقه الصهيونيون كأساس قانوني شرعي لليهود في فلسطين، فإنهم أضافوا إلى ذلك بعدا اجتماعيا بالقول بأن جهودهم لاستيطان وإقامة الدولة اليهودية لن تكون على حساب شعب آخر حيث لا وجود لهذا الشعب.

لا شك أن الصراع العربي الإسرائيلي هم من أكثر الصراعات المعاصرة تعقيدا، فمن جهة هو صراع ممتد زمنيا، ابتدأ عمليا مع قدوم أو هجرة يهودية غازية إلى فلسطين عام 1882، ومازالت فصوله يتبع بعضها بعضا حتى اليوم، وإن اختلفت أشكال ومظاهر هذا الصراع من مرحلة إلى أخرى.

ومن جهة أخرى، حيث تعرض جوهر هذا الصراع وأسبابه إلى أكبر عملية طمس وتزييف كنتيجة مباشرة لحرب 1948 التي أدت إلى تقطيع أوصال فلسطين وتدمير البنية الاجتماعية لشعبها ونخبته السياسية والفكرية، وأيضا بالنظر إلى دينامية الصراع التي فرضها تداخل العامل الإيديولوجي الصهيوني بالطبيعة الاستيطانية الإحلالية للكيان الإسرائيلي ونزعه إلى العدوان والتوسع. وهذا ما أكده رئيس وزراء إسرائيل الأسبق ديفيد بن غريون في إحدى الجلسات الخاصة بحيث أنه قال:

“لماذا يجب على العرب قبول السلام؟ لو كنت زعيما عربيا فلن أتفق أبدا مع إسرائيل، هذا طبيعي، لقد أخذنا أرضهم، طبعا لقد وعدنا بها الرب، لكن ما قيمة ذاك بالنسبة لهم؟ … نحن جئنا من إسرائيل، هذا صحيح، لكن منذ ألفي عام مضت، وما أهمية ذلك بالنسبة لهم؟ … إنهم لا يرون شيئا واحدا، لقد جئنا هنا وسرقنا بلادهم، لماذا يجب عليهم القبول بذلك”[10].

ولعل هذه المقولة من شخص يعتبر من الآباء الذين أسسوا الكيان الصهيوني في 1948، اعتراف من الإسرائيليين أنفسهم الذين يقرون بأن إسرائيل ما هي إلا اغتصاب لأرض فلسطين التي كان يسكنها مجموعة من الأجيال المتعاقبة خلال فترة زمنية ممتدة بمدركات جماعية، نافيا بذلك المقولة التي رددها العديد من المؤرخين أن فلسطين كانت “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”.

ومما لا شك فيه أن العام 1948 يعتبر علامة فارقة بين مرحلتين من مراحل العمل الصهيوني التأسيسي لإقامة الكيان السياسي اليهودي، ومرحلة الدولة حين أقيم هذا الكيان بالفعل على جزء من أرض فلسطين،وذلك نتاج للمد الصهيوني باعتبارها حركة عدوانية باغية لا مثيل لها بين الحركات العدوانية التي سبقتها، فهي تعتمد الاستعمارية أساسا لها، والاستيطانية وسيلة لتحقيقها، والعنصرية سلاحا لدعايتها الداخلية، والتضليل ذريعة لدعايتها الخارجية، والعدوان طريقة من طرق تثبت دعائمها، والتوسع هدفا لها وغاية[11]فالخوض في الحروب عند معظم الدول يتخذ أشكالا وأهدافا متعددة، فهناك حروب مبنية على الوازع التوسعي، وأخرى بغرض الدفاع عن الأرض، لكن الكيان الصهيوني، جل حروبه مرتبطة بتثبيت أسسه التي قام عليها سنة 1948، بحيث خاضت العديد من الحروب كالحرب على غزة في 2008 أو ما سميت “حرب الانتخابات” وكذلك قصف المفاعل العراقي سنة 1981، وأيضا سنة 1996 شنت عمليات عناقيد الغضب على لبنان وذلك في خضم المعركة الانتخابية.

إضافة إلى العامل الداخلي، هناك عوامل خارجية، بحيث إن إسرائيل خاضت حروبا استباقية لإثبات قوة الردع، لكن العكس هو الذي حصل، وذلك ما جاء في تقرير فينوغراد، بعد التحقيق في نتائج الحرب على لبنان في 2006، ولهذا دمرت القوة العسكرية خلال ثلاث وثلاثين يوما، ومن بين النقاط التي خرجت بها لجنة فينوغراد هو أن الحرب على لبنان وضحت جليا أنه لا يمكن لإسرائيل العيش بسلام في المنطقة دون أن تثبت أنها تملك قوة قيادية عسكرية وحتى سياسة قوية وأيضا مهارات عسكرية تمكنها من الردع.

والفقرة 43 من التقرير خير دليل على ما قيل سلفا بحيث تقول “إن صورة الحرب كانت نتيجة متشابكة من الإرادة المشوبة بعيوب على المستوى السياسي والعسكري”[12].

ونستنتج من التقرير أن الحرب على لبنان كانت فاشلة بكل المعايير العسكرية، وذلك بالتشتت الواضح بين القيادات وعدم التنسيق الجيد في التنظيم …

كلها عوامل أعطت صورة مبهمة لقوة الجيش الإسرائيلي، وما حرب لبنان إلا استمرار لنسق الهزائم، وذلك في حرب 1973 التي شنتها مصر وسوريا على إسرائيل والتي عرفت بمعركة “بدر”، وقد وصف الرئيس حافظ الأسد نتائج الحرب بقوله “إننا حققنا خلال هذه الحرب انتصارات رائعة ومفخرة من مفاخر تاريخنا تستحق منا كل تقدير وإعجاب، ماذا تعني هذه الانتصارات، هل إننا حررنا الأرض المغتصبة؟ لا، لم نحرر الأرض لكننا حررنا ما هو أساس وما لابد من تحريره، حررنا إرادتنا من كل قيد، حررنا إرادتنا في القتال من أجل حياة شريفة كريمة، حررنا أنفسنا من الخوف والتردد واللامبالاة …”.

فهذه الحروب شكلت منعطفا ما بالنسبة لتطور القضية الفلسطينية على صعيد الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأيضا اجتذاب اهتمام الرأي العام الغربي بسبب النضال الوطني الفلسطيني، بحيث طرح نفسه بقوة على النخب العربية الحاكمة أو الشريكة وحكم بلادها مع الاستعمار[13].

إذن كل هاته العوامل السلبية جعلت الإسرائيليين في المخاض بسبب الفشل في فرض قوتها العسكرية، حيث يقول منير شفيق: “إنه لو جمعنا كتابات مؤرخين ومنظرين عسكريين إسرائيليين مثل (آفي كوبر، أنطوان كرودزمان، مارتن فريفيلد …) وما تسرب من تقرير فينوغراد لوجدنا حالة الجيش كانت في الحضيض[14].

وبالتالي، يمكن القول إن الكيان الصهيوني فشل وبالرغم من قوته العسكرية الطاغية في إنجاز كامل المشروع الصهيوني، كما حدد معالمه الدعاة الحركيون الصهيونيون، إذ بعد نصف قرن من قيام الدولة الصهيونية، لم يستطع فرض السيطرة على أرض “إسرائيل الكبرى”.

 

 

 

خــــاتمة

في ختام هذه المقالة، يمكن القول إن المشروع الصهيوني فشل في صميمه، بحيث لم يستطع الانسجام مع الأسس التي قام عليها الفكر الصهيوني، ويعتبر ذلك أحد أبرز ملامح الوجود الإسرائيلي، لا بل جوهرها الأساسي، فإن الأزمة العامة للوجود الإسرائيلي ومظاهرها المختلفة، يبدو أنه من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، الخروج منها، لكونها أزمة مركبة في سلسلة متصلة الحلقات، كل حلقة فيها تؤدي إلى الحلقات الأخرى من جهة، ولكونها ترتبط في العمق بالبنى الإيديولوجية والاجتماعية والسياسية للكيان الإسرائيلي، وهكذا فإن كل محاولة للخروج منها سوف تستتبع خروجا على البديهيات والمسلمات الصهيونية، وطبيعة البنى الاجتماعية السياسية للكيان الإسرائيلي، وفيما يبدو فإن هذا التغيير غير ممكن لسبب بسيط هو لأنه سيخرج بالكيان الإسرائيلي عن أساسه ومبرر وجوده الإيديولوجي وعن طبيعته كمجتمع هجرة لم يستقر بعد مع كامل التناقضات والثقافات التي حملها المهاجرون معهم من مجتمعاتهم، وهكذا فقد وجدنا العديد من محاولات التغلب على الأزمة بمظاهرها المختلفة لم تنجح من ذلك فشل عملية الاستيعاب والدمج لعناصر المجتمع المختلفة، وفشل محاولات إصلاح النظام السياسي، وفشل محاولة الانفتاح على الجوار العربي، ممثلا بعملية الانتهاك والاغتصاب التي يكون بها الكيان، وإلى الطبيعة العدوانية والنزعة العسكرية له، هذا مع فشل هذا الخيار، ممثلا بعدم قدرة الكيان على مواصلة دوره ومهمته الصهيونية.

وخلاصة القول، إن إشكالية أزمة الوجود الإسرائيلي، تبقى إشكالية قائمة ومفتوحة، حيث تتصل الأزمة بجوهر الوجود الإسرائيلي ككيان صهيوني، ومجتمع هجرة حديث التكوين لم يأخذ بعد المدى التاريخي لتستقر بنياته الاجتماعية ومؤسساته السياسية، وفيما يبدو فإن أي محاولة جادة لتجاوز أزمته على الصعيد الاجتماعي يعني التصادم مع هذه البنيات، وعلى الصعيد السياسي، فيما يتعلق بطبيعة علاقته مع المحيط، فإن أي محاولة لتجاوز الأزمة يعني تخطي الأسس الإيديولوجية، والقفز من فوق الثوابت والمسلمات الصهيونية التي هي مبرر وجود الكيان الإسرائيلي.

 

لائحة المراجع

  1. 1.              الكتب
  2. د. سعيد خالد الحسن، مقدمة تجاوزية.
  3. د. عبد الوهاب المسيري، في الخطاب وللمصطلح الصهيوني.
  4. تيودور هرتزل، الدولة اليهودية.
  5. د. عبد الوهاب المسيري، الإيديولوجية اليهودية (القسم الثاني).
  6. كيت وايتلام، اختلاف إسرائيل القديمة.
  7. ألفريد ليلينتال، ثمن إسرائيل.
  8. أناتول ليفني، أمريكا بين الحق والباطل.
  9. منير شفيق، فن علم الحرب.

  1. 9.             المجلات
  2. المستقبل العربي، المخابرات الصهيونية، بداية التجسس على العرب.

  1. 2.              المراجع الإلكترونية
  2. http://www.LZAYTOUNA.NET/Avotine/?c=1298a=8369


[1]  د. سعيد خالد الحسن، “علم الاجتماع: مقدمة تجاوزية”، الرباط، مطبعة طوب بريس، الطبعة الأولى 2009، مركز الدراسات والأبحاث، مؤسسة خالد الحسن، ص 79.

*  الهسكالا: معناها بالعبري “التنوير” أو “التعليم”، حركة تنوير يهودية قامت على يد مفكرين يهود في أوربا في النصف الثاني من القرن 18، على أسس حركة التنوير الأوربية، من أهم روادها كان الفيلسوف اليهودي الألماني موسى منديلسون.

[2]  د.عبد الوهاب المسيري، في الخطاب والمصطلح الصهيوني، القاهرة، دار الشروق، 2003، الطبعة الأولى، الصفحة 44.

*  الجنس الآري: تدل في أوريا من خلال دلالتها التاريخية ومعناه سادة الأرض هم سادة الحرب الآريين وهم من سلالات البارونات، بحيث عادوا السامية لخدمة مآربهم والمضي في تحقيق مخططاتهم الهادفة إلى إخضاع العالم للعرق الجرماني.

[3]  تيودور هيرتزل، الدولة اليهودية،النسخة العربية، ص 17.

[4]  عبد الوهاب المسيري، الإيديولوجية اليهودية (القسم الثاني)، دراسة حالة علم اجتماع المعرفة، طبعة يناير 1998، عالم المعرفة، الكويت، ص 105.

[5]  عبد الوهاب المسيري، في الخطاب والمصطلح الصهيوني، دراسة نظرية وتطبيقية، دار الشروق، مصر، الطبعة الأولى، 2004، ص 40-41.

[6]  كيت وايتلام، ترجمة سحر الهنيدي، اختلاف إسرائيل القديمة، عالم المعرفة الكويت، العدد 249، ط 1، ص 326.

[7]  د. سعيد خالد الحسن، علم الاجتماع، مقدمة تجاوزية، مركز الدراسات والأبحاث، مؤسسة خالد الحسن، الطبعة الأولى، ص 83.

[8]  ألفريد ليلينتال، ثمن إسرائيل، كتاب أسرار المؤتمرات الصهيونية في أروقة الأمم المتحدة، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة I، 2002، ص 142.

[9]  عبد الوهاب المسيري، في الخطاب والمصطلح الصهيوني، القاهرة، دار الشروق، 2003، الطبعة الأولى، ص 68.

[10]  وردت هذه المقولة في كتاب “أمريكا بين الحق والباطل، تشريح القومية الأمريكية، أناتول ليفني، ترجمة ناصر السعدون، المنطقة العربية للترجمة، طبعة I، 2008، ص 490.

[11]  ألفرد ليلينتال، ثمن إسرائيل، كتاب أسرار المؤامرات الصهيونية في أروقة الأمم المتحدة، دار الآفاق الجديدة، الطبعة الأولى، 2002، ص 4.

[12]  انظر مقتطفات من تقرير فينوغراد، موقع مركز الزيتونة http://www.LZAYTOUNA.NET/Avotine/?c=1298a=8369

[13]  المخابرات الصهيونية، بداية التجسس على العرب، المستقبل العربي، تشرين الثاني (نوفمبر) 11/2008، العدد 36، النسخة 31. يصدرها مركز دراسات الوحدة العربية، ص 114.

[14]  منير شفيق، فن علم الحرب، الدار العربية لعلوم الناشرون، بيروت 2008، طبعة 1، ص 243.