مسطرة التقاضي أمام المحاكم التجارية
نشر الجمعة 26 يوليو 2013 - 2:03 صباحًا

 

 

 للباحث: رشيد جمالي

متصرف وزارة الداخلية

حاصل على ماستر في الاستشارة القانونية

 

 

 

 

 

 

مقدمة:

 

جاء إحداث المحاكم التجارية في سياق مواصلة سياسة المحاكم المتخصصة التي أملتها الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية والخارجية، بهدف تخليق وتفعيل المعاملات التجارية، وحماية المقاولات بجميع أصنافها، وتشجيع الاستثمارات الوطنية والأجنبية القادرة على استيعاب أكبر عدد ممكن من مخزون البطالة التي ظلت تنخر كيان الاقتصاد الوطني، فكان لا مناص من خلق قضاء رصين، مستقل، متخصص و سريع، يزرع الثقة بين المتعاملين، ويتحرى الدقة والفعالية في إجراءاته، والمصداقية في تنفيذ أحكامه.

 لذلك بات من الضروري، أمام هذه الإكراهات، من الإسراع في إنشاء محاكم تجارية متخصصة[1]، وقد تم ذلك بمقتضى قانون 95-53 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف عدد 95-97-1 المؤرخ في 12 فبراير 1997 ، القاضي بإحداث محاكم تجارية ، الذي حاول المشرع من خلاله تبسيط الإجراءات، والابتعاد ما أمكن عن التعقيدات والعراقيل المسطرية، الأمر الذي يحيل على التعرف أكثر على الخصوصيات التي منحها المشرع لهذه المساطر، ثم استجلاء كافة هذه القواعد المسطرية طيلة مراحل الدعوى  التجارية سواء في المرحلة الابتدائية أو في مرحة الاستئناف، ومن ثم سنقسم بحثنا هذا إلى محورين أساسيين، المبحث الأول، ونتناول فيه السمات البارزة للمساطر أمام المحاكم التجارية، ثم المبحث الثاني، حيث سنعرض فيه مختلف القواعد المسطرية أمام هذه المحاكم.

 

المبحث الأول: خصائص المسطرة أمام المحاكم التجارية

المطلب الأول:اعتماد المسطرة الكتابية

لم تسمح المادة 13 من قانون إحداث المحاكم التجارية برفع الدعوى أمام هذه المحاكم إلا بمقال مكتوب دون التصريح الشخصي للمدعي خلافا للقاعدة العامة التي أرساها الفصل 31 من ق.م.م.

كما لا تقبل أمام هذه المحاكم الطلبات أو الإدعاءات أو الدفوع التي لم تأت في شكل مذكرات أو مستنتجات كتابية على خلاف ما هو جاري به العمل حين تكون المسطرة شفوية، ولعل المشرع ابتغى من وراء ذلك الدقة والضبط والفعالية لاسيما وأن الطلبات تصل إلى مبالغ ذات بال، بالمقارنة مع القضايا العادية المعروضة أمام محاكم الولاية العامة.

المطلب الثاني: اعتماد المسطرة التنقيبية

كما هو الحال بالنسبة للمسطرة المدنية عموما، تتسم المسطرة أمام المحاكم التجارية بطابعها التنقييبي بهدف تلافي التسويف وتمطيط النزاع ، ذلك أن القاضي يهيمن على التحقيق من بدايته إلى نهايته، فله مثلا البحث عن الأدلة من تلقاء نفسه كطلب إجراء خبرة أو بحث أو يمين، كما له أن يحدد آجال الردود و له أن ينهي التحقيق إذا رأى أن القضية جاهزة للحكم فيها، سعيا منه إلى إحقاق الحق ورد الأمور إلى نصابها في أقرب الآجال و أقرب السبل، مما يزيد من هيبة وسلطة القضاء التجاري.

المطلب الثالث: تكريس القضاء الجماعي

تعقد المحاكم التجارية ومحاكم الاستئناف التجارية جلساتها وتصدر أحكامها وهي متركبة من ثلاث قضاة من بينهم رئيس، يساعدهم كاتب ضبط ما لم ينص على خلاف ذلك.[2]

ويتضح هنا كذلك مدى الدقة والضبط الذي ارتضاه المشرع لهذا النوع من القضايا التي تتسم بحساسية بالغة لمسها النظام الاقتصادي في الصميم، وكذلك نظرا لضخامة المبالغ المحكوم بها أيضا، كل ذلك أدى إلى استبعاد القضاء الفردي الذي يتسم بكثرة الأخطاء والهفوات كضمانة أخرى للمتقاضين أمام هذا القضاء المتميز.

وقد تمسك المشرع بهذا المبدأ أمام المحاكم التجارية رغم إعلانه العودة إلى التمسك بالقضاء الفردي أمام المحاكم الإبتدائية من خلال التعديلات الأخيرة للتنظيم القضائي والمسطرة المدنية.[3]

وتماشيا مع مبدأ وحدة القضاء الذي يأخذ به المشرع المغربي، فإن قضاة المحاكم التجارية يخضعون جميعا للنظام الأساسي لرجال القضاء بصفة عامة، وذلك على خلاف بعض الدول التي تأخذ بنظام القضاة المهنيين كفرنسا مثلا، حيث ينتخب التجار زملاءهم في المهنة للفصل في كل المنازعات التي قد تنشب بينهم.

المطلب الرابع: إجبارية الاستعانة بمحام طيلة مراحل الدعوى

طبقا للمادة 13 من قانون إحداث المحاكم التجارية، يتعين رفع الدعوى أمام المحكمة التجارية بمقال مكتوب، يوقعه محام مسجل في هيئة من هيئات المحامين بالمغرب تحت طائلة عدم القبول، ومعلوم أن هذا المبدأ نص عليه مبدئيا قانون المحاماة في المادة 31،[4] حيث أكد على ضرورة المؤازرة بواسطة محام، ما عدا إذا تعلق الأمر بالدولة أو الإدارات العمومية حيث تكون نيابة المحامي أمرا اختياريا.

ويمتد هذا الإلزام إلى جميع مراحل الدعوى، ويتوجب أن يكون المحامي منتميا لهيئة المحامين بالمغرب أو يزاول المهنة خارج المغرب بحيث ينتمي لدولة تربطها بالمغرب اتفاقية تسمح له بالترافع بعد حصوله على إذن خاص من وزير العدل، شرط أن يعين محل المخابرة معه بمكتب أحد المحامين المقيدين بإحدى هيئات المحامين بالمملكة[5].

المبحث الثاني: قواعد مسطرة التقاضي أمام المحاكم التجارية

تتميز المسطرة أمام المحكمة التجارية باعتمادها لقانون المسطرة المدنية كقانون عام، إذ جاء في  الفقرة الثانية من المادة 19 من القانون المحدث لها ما يلي: ” كما تطبق أمام المحاكم التجارية ومحاكم الاستئناف التجارية القواعد المقررة في قانون المسطرة المدنية ما لم ينص على خلاف ذلك”، وبذلك فإن تقديم المقال الافتتاحي للدعوة، وكذا المقال الاستئنافي، وإجراءات الاستدعاء، تخضع لقواعد المسطرة المدنية وكذا الشأن بالنسبة لاختصاصات رئيس المحكمة، لكن القانون السالف الذكر أحاط القواعد المسطرية ببعض الخصوصيات، والهادفة أساسا إلى تسريع المسطرة القضائية وجعلها أكثر دقة وفعالية، إن على مستوى المحكمة التجارية الابتدائية (المطلب الأول)،أو على مستوى محكمة الاستئناف التجارية (المطلب الثاني).

المطلب الأول: مسطرة التقاضي أمام المحاكم التجارية”الابتدائية”

بالرجوع إلى القانون المحدث للمحاكم التجارية، نلاحظ بأن المشرع اقتصر على ذكر “المحاكم التجارية” دون لفظ “الابتدائية”، قاصدا بذلك المحاكم الابتدائية التجارية، آخذا نفس المنحى الذي نهجه بالنسبة للمحاكم الإدارية،  فقد نصت المادة الأولى على أنه: ” تحدث بمقتضى هذا القانون محاكم تجارية ومحاكم استئناف تجارية”.

إن الحديث عن إجراءات التقاضي أمام هذه المحاكم يقتضي بالضرورة استحضار مواد المسطرة المدنية كقانون عام كما رأينا سابقا، والمواد من 13 إلى 17 من قانون 95-53 القاضي بإحداث محاكم تجارية،

أولا: تقديم المقال

ترفع الدعوى أمام هذه المحاكم بمقال مكتوب وموقع من طرف محام مسجل في هيئة من هيئات المحامين بالمغرب، ويقيد في سجل معد لهذا الغرض لدى كتابة الضبط، مقابل وصل يثبت فيه إسم المدعي وتاريخ إيداع المقال، ورقمه بالسجل وعدد المستندات المرفقة ونوعها، ويودع كاتب الضبط نسخة من هذا الوصل في الملف[6].

ثانيا: تعيين القاضي المقرر وتكليفه بالقضية

 بمجرد تقييد المقال، يعين رئيس المحكمة التجارية حالا ودون تأخير، قاضيا مقررا يحال عليه الملف خلال 24 ساعة، ويتعين على هذا الأخير أن يحدد تاريخ أقرب جلسة تعرض فيها القضية ويستدعي الأطراف، كما يشعرهم بإكمال البيانات غير التامة أو التي وقع إغفالها، وينذر الأطراف بالإدلاء بالنسخ المساوية لعدد الخصوم تحت طائلة عدم القبول[7].

غير أن تجهيز القضية يمكن أن يقوم بها القاضي المقرر أو المحكمة التجارية حسب الأحوال[8]، وطبقا للمادة 16، فإن القضية إذا لم تكن جاهزة للبت فيها، أمكن للمحكمة التجارية أن تؤجلها إلى أقرب جلسة، أو أن ترجعها إلى القاضي المقرر الذي يتعين عليه في جميع الأحوال أن يحيلها من جديد إلى الجلسة داخل أجل لا يتعدى ثلاثة أشهر.

ويتم استدعاء الأطراف بواسطة مفوض قضائي ما لم تقرر المحكمة توجيه الاستدعاء بالطرق المنصوص عليها في الفصول 37، 38 و39 ق.م.م كما تم تعديلها بموجب القانون 11-33 المنفذ بظهير 17 غشت 2011[9]، وأهم ما جاء في هذا التعديل أنه في حالة تعذر العثور على الشخص في موطنه، يتعين على العون المكلف بالتبليغ أن يلصق إشعارا بذلك في موقع ظاهر بمكان التبليغ، وعليه أن يشير إلى ذلك في شهادة التسليم التي ترجع إلى كتابة الضبط (المادة 39 ق.م.م).

وأثناء جريان المسطرة، قد تجد المحكمة نفسها أمام طلب الضم، ففي هذه الحالة تعمل على تأخير الملف إلى جلسة لاحقة للنظر فيه، وذلك من أجل التثبت من مدى وحدة الأطراف والموضوع والسبب أو الارتباط، وفي حالة الحكم بإجراء خبرة أو بحث أو يمين أو غير ذلك من إجراءات التحقيق التي تأمر بها المحكمة تمهيديا وقبل البت في الجوهر على ضوء الفصل 55 وما بعده من قانون المسطرة المدنية، فإن القاضي المقرر يعمل على تفعيل الإجراء وتتبعه إلى حين استنفاذه فيدرج الملف بجلسة الموضوع.

ثالثا: المداولة

 يقصد بالمداولة ” المشاورة بين أعضاء المحكمة في منطوق الحكم وأسبابه بعد انتهاء المرافعة وقبل النطق به[10]“، ويجوز لهيئة الحكم بعد الاختلاء في مكان مغلق فترة من الزمن أن تصدر في نفس اليوم حكمها، أما إذا اعتبرت أن الفصل في القضية والتشاور بشأنها يتطلب تفرغا ووقتا لايستهان به نظرا لتعقيد القضية أو كثرة أشغال القضاة، فإنها تقرر إصدار حكمها في يوم لاحق، إلا أنه في بعض المحاكم تتجاوز مداولاتها الأجل المعقول، خصوصا أن المشرع لم يحدد حدا أقصى للوقت الذي تستغرقها المداولة، الأمر الذي يؤثر على مصداقية الأحكام ويجعلها خارجة أحكام و ضوابط المادة التجارية. وتبعا لذلك حاولت وزارة العدل التصدي لهذا المشكل، بإصدارها عدة مناشير حثت القضاة على عدم تمديد المداولة إلا لأسباب وجيهة ومعقولة، وألا تتعدى أسبوعين على أبعد تقدير، إلا أن الحل ينبغي أن يكون تشريعا تحت طائلة الجزاء وبصيغة الوجوب.

بقيت الإشارة إلى أن المشرع أجاز للأطراف طلب إخراج القضية من المداولة، إذا ظهرت وقائع جديدة أو وثائق جديدة لم تطلع عليها المحكمة من قبل.

رابعا: النطق بالأحكام

 لقد استحدث قانون إحداث المحاكم التجارية مقتضيات جديدة خاصة بالنطق بالأحكام نصت عليها المادة 17، وتتعلق بوجوب تحديد تاريخ النطق بالحكم عند وضع القضية في المداولة، كما يفرض تحرير الحكم تحريرا كاملا قبل النطق به، وغاية المشرع من هذا الإلزام واضحة، إذ يهدف إلى تلافي التأخير الحاصل في تحرير الأحكام من قبل القضاة، مما يعرقل الطعن فيها وتنفيذها، ذلك أن الملاحظ لدى المحاكم أن كثيرا من القضاة يكتفون بتدوين منطوق الحكم وتلاوته في الجلسة مؤجلين مسودته الكاملة لوقت لاحق.

خامسا: تنفيذ الأحكام

تنص الفقرة الثالثة من المادة 23 من قانون 95-53، على أنه ” تطبق لدى المحاكم التجارية المقتضيات المتعلقة بالتنفيذ الجبري للأحكام الواردة في الباب الثالث من القسم التاسع من قانون المسطرة المدنية ما لم يوجد نص مخالف”، وبذلك تكون المحاكم التجارية بالمغرب على خلاف نظيرتها بفرنسا، قد أوكلت لها مهمة تنفيذ أحكامها وأوامره، مع ما يتبع ذلك من صلاحيتها للبت في صعوبات التنفيذ.

وجدير بالذكر أن إجراءات التنفيذ المطبقة أمام المحاكم الابتدائية العادية، هي عينها المتبعة أمام المحاكم التجارية، مع مراعاة ما جاء به القانون المحدث لها من إحداث مؤسسة القاضي المكلف بمتابعة إجراءات التنفيذ، وسن قواعد جديدة فيما يخص إجراءات التنفيذ

أ‌-       قاضي متابعة إجراءات التنفيذ:

من مستجدات القانون المحدث للمحاكم التجارية، إحداث مؤسسة قاضي متابعة إجراءات التنفيذ، وذلك بمقتضى الفقرة الأخيرة من المادة 2 التي خولت لرئيس المحكمة التجارية تعيين قاض مكلف بمتابعة إجراءات التنفيذ باقتراح من الجمعية العمومية لهذه المحكمة، ومن شأن خلق هذه المؤسسة تتبع القاضي لجميع إجراءات التنفيذ وتشديد المراقبة على جميع العمليات التي يجريها أعوان التنفيذ، سواء كانوا أعوان كتابة الضبط أو مفوضين قضائيين، وذلك لتفادي كل تأخير أو تماطل.

ب‌-   إجراءات التنفيذ:

نصت المادة 23 من قانون إحداث المحاكم التجارية على أنه: “يبلغ عون التنفيذ الطرف المحكوم عليه المكلف بتنفيذه، ويعذره بأن يفي بما قضى به الحكم أو تعريفه بنواياه وذلك في خلال أجل لا يتعدى عشرة أيام من تاريخ تقديم طلب التنفيذ[11].

يتعين على عون التنفيذ تحرير محضر بالحجز التنفيذي أو بيان الأسباب التي حالت دون إنجازه، وذلك خلال 20 يوما تبتدئ من تاريخ انتهاء أجل الإعذار.

تطبق لدى المحاكم التجارية المقتضيات المتعلقة بالقواعد العامة للتنفيذ الجبري للأحكام الواردة في الباب الثالث من القسم الرابع من المسطرة المدنية ما لم يوجد نص مخالف”.

وهذه المقتضيات الخاصة بتنفيذ أحكام المحاكم التجارية، تتلاءم ومبدأ تسريع المسطرة أمام المحاكم، غير أنها تصطدم بمشاكل تؤثر على سرعة مسطرة التنفيذ عندما تباشر عن طريق الإنابات القضائية، سواء أمام المحاكم المدنية أو المحاكم التجارية الأخرى خاصة عندما تثار صعوبات في تنفيذ الأحكام موضوع هذه الإنابات.

المطلب الثاني: مسطرة التقاضي أمام محاكم الاستئناف التجارية

لم يتناول المشرع الإجراءات المسطرية أمام محاكم الاستئناف التجارية في قانون إحداث المحاكم التجارية إلا في مادتين اثنتين هما المادتان 18 و 19 ، حيث حددت الأولى أجل استئناف الأحكام وكيفية رفع المقال أمام محاكم الاستئناف، في حين تناولت الثانية إحالتين، الإحالة الأولى على المسطرة المتبعة أمام المحكمة التجارية الابتدائية أي الفصول من 13 إلى 17 (الفقرة الأولى من المادة 19)، والإحالة الثانية على القواعد المقررة في قانون المسطرة المدنية ما لم ينص على خلاف ذلك (الفقرة الثانية من المادة 19).

وعليه فإن مقال الاستئناف يقدم إلى كتابة ضبط المحكمة التجارية مصدرة الحكم بواسطة محام طبعا داخل أجل الاستئناف، الذي قصره المشرع أمام هذه المحاكم حيث أصبح 15 يوما يبتدئ من تاريخ تبليغ الحكم، بدل 30 يوما كما هو مقرر بالنسبة للمحاكم العادية، ويرفق هذا المقال بالمستندات المرفقة الأصلية والنسخ المصادق عليها، ويوجه إلى محكمة الاستئناف داخل أجل لا يتعدى 15 يوما من تاريخ تقديم المقال الاستئنافي، وفقا للإجراءات المنصوص عليها في الفصل 134 وما يليه إلى الفصل 141 من ق.م.م، ثم يعين الرئيس الأول المستشار المقرر داخل أجل 24 ساعة، وبعدها تطبق سائر القواعد المشار إليها سابقا أمام المحاكم التجارية.

وبالرجوع إلى المادة 18، نجد أن المشرع حين حديثه عن أجل الاستئناف، أورد استثناء يتعلق بالدفع بعدم الاختصاص النوعي طبقا للمادة 8 من قانون 95-53 ، حيث أوجب على المحكمة التجارية[12] أن تبت فيه بحكم مستقل داخل أجل 8 أيام من يوم الدفع بعد إحالة الملف على النيابة العامة للإدلاء بمستنتجاتها، ويستأنف هذا الحكم داخل أجل 10 أيام من تاريخ التبليغ، حيث يتعين على كتابة الضبط أن توجه الملف إلى محكمة الاستئناف التجارية في اليوم الموالي لتقديم مقال الاستئناف، وهي ملزمة بالبت فيه داخل أجل 10 أيام تبتدئ من تاريخ التوصل بالملف، وبعد أن تبت محكمة الاستئناف، تحيل الملف تلقائيا على المحكمة المختصة داخل أجل 10 أيام من تاريخ الصدور، ولا يقبل هذا القرار أي شكل من أشكال الطعن.

ولم يتعرض قانون 95-53 لطرق أخرى للطعن سواء العادية أو غير العادية، وبالتالي فهي تبقى خاضعة للقواعد العامة الواردة في قانون المسطرة المدنية عملا بمقتضيات الفقرة الثانية للمادة 19 التي جاء فيها ” تطبق أمام المحاكم التجارية ومحاكم الاستئناف التجارية القواعد المقررة في قانون المسطرة المدنية ما لم ينص على خلاف ذلك”.

وهكذا يخضع التعرض للمواد من 131 إلى 133، حيث يسوغ التعرض على الأحكام الغيابية الصادرة عن المحكمة التجارية إذا لم تكن قابلة للاستئناف داخل أجل 10 أيام من تاريخ التبليغ (م130) وكذا ضد الأحكام الغيابية الصادرة عن محاكم الاستئناف (م352)، في حين تخضع أحكام تعرض الغير الخارج عن الخصومة لمقتضيات الفصول من 303 إلى 305 من ق.م.م.

وتخضع مسطرة إعادة النظر للمواد 379 و402 إلى 410 متى كانت الأحكام لا تقبل الطعن بالتعرض والاستئناف (م402 من ق.م.م.) ويقدم الطلب داخل أجل 30 يوما تبدأ من تاريخ تبليغ الحكم المطعون فيه (م403 ف2 من ق.م.م.).

ويطعن بالنقض في سائر الأحكام الانتهائية الصادرة عن محاكم الاستئناف التجارية شأنها في ذلك شأن سائر أحكام محاكم المملكة، ما لم يرد نص صريح بخلاف ذلك، كالقرارات الاستئنافية الصادرة في الاختصاص النوعي حيث لا تقبل أي طعن عاديا كان أم غير عاد بصريح المادة 8 من القانون المحدث للمحاكم التجارية.

ويخضع هذا الطعن للمواد 353 إلى 385 من ق.م.م، فيقع داخل أجل 30 يوما من يوم تبليغ الحكم الصادر عن محاكم الاستئناف التجارية (م 358 من ق.م.م.)، ويقدم أمام الغرفة التجارية بالمجلس الأعلى التي أحدثت بموجب المادة 24 من قانون 95-53.

والملاحظ أن المشرع أورد في المادة التجارية ( أي في القانون المحدث للمحاكم التجارية ومدونة التجارة) آجالا كثيرة ومختلفة، كما هو الحال بالنسبة لقانون المسطرة المدنية، تقتضيها طبيعة الإجراءات الشكلية التي تعتمد على التفصيل والدقة والضبط، بحيث أن المتقاضي أو الباحث عموما يتيه داخل هذا الصخب من الآجال، لذلك ارتأيت أن أجمع مختلف هذه الآجال في جدول يوضح أنواع الطعون ومددها وتاريخ الابتداء مع سندها القانوني كما يوضح ذلك الجدول التالي:

المادة

نوع الطعن

أجله

تاريخ الابتداء

السند القانوني

الأحكام التجارية الابتدائية

الاستئناف

15 يوما

تبليغ الحكم

المادة 18 ق.م.ت

الدفع بعدم الاختصاص النوعي

الاستئناف

10 أيام

تبليغ الحكم

المادة 8 ق.م.ت

أوامر الأداء

الاستئناف

8 أيام

تبليغ الحكم

ق.م.م

مقررات القاضي المنتدب

الاستئناف

15 يوما

تبليغ الحكم بالنسبة للدائن والمدين ومن تاريخ الصدور بالنسبة للسنديك

المادة 697 مدونة التجارة

المقررات الصادرة بشأن التسوية والتصفية القضائية وسقوط الأهلية التجارية

التعرض

10 أيام

تاريخ النطق بالمقرر أو نشره بالجريدة الرسمية

المادة 729 مدونة التجارة

المقررات الصادرة بشأن التسوية والتصفية القضائية وسقوط الأهلية التجارية

تعرض الغير الخارج عن الخصومة

10 أيام

تاريخ النطق بالمقرر أو نشره بالجريدة الرسمية

المادة 729 مدونة التجارة

المقررات الصادرة بشأن التسوية والتصفية القضائية وسقوط الأهلية التجارية

الاستئناف

10 أيام

تاريخ التبليغ

المادة 730 مدونة التجارة

المقررات الصادرة بشأن التسوية والتصفية القضائية وسقوط الأهلية التجارية

النقض

10 أيام

تاريخ التبليغ

المادة 731 مدونة التجارة

خاتمة:

يتضح مما سبق، بأن المساطر المتبعة أمام المحاكم التجارية على بساطتها فإنها تبقى مهمة، وإن جاءت مقتضياتها مقتضبة في قانون 95-53 فلأن المشرع ترك المجال مشرعا للاجتهاد القضائي، مادامت الأنشطة والمعاملات التجارية تتميز بالدينامية والحركية الدائبة ، بحيث يعجز عن ضبطها التشريع كيفما كانت دقته، ويظل القاضي وحده صاحب الكلمة الفصل في كل ما استجد وطرأ.

إلا أنه بالرغم مما سجله هذا القانون من فضائل، فما زالت تعترضه مجموعة من الثغرات التي لم يعط لها المشرع اهتماما بالغا رغم أهميتها في الحياة العملية، وأصبحت محط انشغال القاضي في كيفية التعامل مع المساطر القانونية المتداخلة فيما بينها في بعض الأحيان، ناهيك عن كثرة الإحالات بشكل يتيه معه القاضي الذي تتعدد لديه مصادر التشريع، كما أن سكوت المشرع عن بعض الإشكالات لا يفسر دائما على محمل الإيجاب بدعوى ترك المجال للفقه والعمل القضائي، بل يفهم في أحيان كثيرة أنه سهو أو إغفال منه للإحاطة بالواقعة.



[1] كان يوجد تيارا قويا داخل المجتمع المغربي يتكون من محامون وقضاة وباحثون وفاعلون جمعويون، يطالب بإحداث “محاكم الأعمال” يكون اختصاصها موسعا ليشمل القضايا الاجتماعية والجرائم الاقتصادية بالإضافة إلى القضايا التجارية، أنظر في هذا الصدد عبد الله درميش، الإشكاليات التي يطرحها قانون المحاكم التجارية، مجلة المحاكم المغربية،عدد 81 ص 92 وما بعدها.

 المادة 4 من قانون إحداث المحاكم التجارية 95.53[2]

[3] الفصل 4 من قانون 34.10 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.148 في 17 غشت 2011 الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5975 بتاريخ 5 شتنبر 2011

                    قانون رقم 28.08  بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة و الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.08.101 في 20 أكتوبر 2008[4]

 الفقرة الثانية من المادة 31 من القانون المنظم للمحاماة                                                                                                    [5]

 المادة 13 من القانون المحدث للمحاكم التجارية                                                                                                            [6]

 المادة 32 من قانون المسطرة المدنية المغيرة و المتممة بظهير 10 شتنبر 1993 و ظهير 3 فبراير 2004                                          [7]

 [8] لقد جرى العمل في المحاكم التجارية على أن رئيس الجلسة هو من يعمل على تجهيز القضية، فهو يقوم بتسيير الجلسة وتأخير القضية إلى حين جاهزيتها بعد استنفاذ جميع حقوق الدفاع بتبادل المذكرات و الردود

 منشوربالجريدة الرسمية عدد 5975 بتاريخ 5 شتنبر 2011                                                                                              [9]

 محمد السماحي و موسى عبود، المختصر في المسطرة المدنية والتنظيم القضائي،طبعة 1994 ص 163                                            [10]

1 نادرا ما يتم احترم هذا الأجل من طرف عون التنفيذ بحجة وجود صعوبات موضوعية مختلفة سيما وأن المشرع لم يرتب جزاء عند مخالفة هذه الآجال

 استثناء من المادة 17 من قانون المسطرة المدنية                                                                                                           [12]