الإضراب الوطني للتعليم: الدواعي والدلالات
نشر الخميس 29 نوفمبر 2012 - 9:40 مساءً

     يعتبر قطاع التعليم من بين القطاعات الاجتماعية الحيوية التي لم تعط لها الأهمية والمرتبة التي تستحقها ضمن الإصلاحات الهيكلية المؤسسة للدينامية التنموية باعتبار التعليم مشتل الرأسمال البشري والقاطرة المحورية للتنمية المستدامة. بعد انتهاء صلاحية البرنامج الاستعجالي الذي كان بمثابة حادثة سير بقطاع التربية والتكوين والإقرار بفشله الذريع. لم تقدم الحكومة الحالية تصورا واضحا وقابلا للأجرأة حول الإصلاح التربوي، بل لم تجرأ على فتح حوار وطني موسع ومسؤول حول المسألة التعليمية على قاعدة الإشراك والتشاور بحيث اقتصرت على اقتراح مخطط استراتيجي 2013-2016 بنفس عناوين وأولويات ومشاريع البرنامج الاستعجالي. إن مقاربة الحكومة الحالية للقضية التربوية لازالت مقاربة محدودة وغير مندمجة يطبعها المنطق الفوقي والانفرادي وعاجزة عن تفعيل التعبئة الاجتماعية حول المدرسة والتعليم، الشيء الذي يؤدي إلى ضعف الانخراط في الإصلاحات المتتالية وتكون مآلها بالتالي الإخفاق والفشل وتدني المستوى التعليمي وتوالي الإحباطات لدى مختلف الفاعلين والمتدخلين والفرقاء ومكونات المجتمع المدني وتوسع دائرة الاحتجاجات.

     إن الوضعية الحالية للمنظومة التربوية تستوجب محاكمة عادلة ومساءلة كل المسؤولين الذين تعاقبوا على تدبير الشأن التربوي من أجل الوقوف بشكل علمي وموضوعي على مكامن الضعف والقوة والقيام بتشخيص حقيقي وافتحاص مالي. إن أية محاكمة للمنظومة التعليمية تفترض الإحاطة الشاملة بالمشاكل التعليمية المستعصية ببلدنا في أبعادها المختلفة سواء تعلق الأمر بالأهداف الكبرى والمرامي الأساسية للتربية والتكوين من أجل مراجعتها وتحيينها وتطويرها، وحل إشكالية مواصفات مواطن الغد ومنظومة التوجيه ونظام الامتحانات والتقييم والإشكالية اللغوية وكذا آفاق التعليم وراهنيته…
    

 الدواعي المشروعة للإضراب الوطني

 

       يبقى قرار خوض معركة نضالية كالإضراب الذي تتبناه الأجهزة النقابية قرارا ليس بالسهل بالنسبة للنقابة التي تستحضر مصلحة التلميذ، لكن في غالب الأحيان يصبح اتخاذ قرار الإضراب موضوعيا ومنطقيا بل ومشروعا في ظل غياب مقاربة تشاركية لتدبير القطاع سواء في شقه المتعلق بالإصلاح التربوي أو في شقه المتعلق بالمطالب العادلة للشغيلة على قاعدة حوار قطاعي جاد ومسؤول.

   إن من بين الدواعي الأساسية للمعركة النضالية يومي 10-11 دجنبر تتمثل في ما يلي:

-         الحقوق والحريات النقابية المهضومة: طفا مؤخرا على الساحة النقابية والاجتماعية جدل غير مسبوق حول مشروعية الحق في الإضراب بالرغم من التنصيص عليه دستوريا وكذا ما يرتبط به من لغط حول الاقتطاع من أجور المضربين عن أيام الإضراب، مما يعد انتكاسا خطيرا وردة غير مسبوقة في مجال الحريات العامة. فالحكومة الحالية التي كانت لحدود السنة الماضية وخصوصا المكونات التي كانت تتواجد إلى حدود الأمس القريب في المعارضة مدعومة بجناحها النقابي والتي كانت ضد ضرب الحقوق والحريات النقابية وضد الإجهازعلى الحق في الإضراب وكانت تدعم وتساند الطبقة العاملة في نضالاتها بل كان النقابة الموالية للحزب الحاكم تشن إضرابات عيدية في عدد من القطاعات بدون أن تعمل الحكومة السابقة بالتهديد بالاقتطاع أو التضييق على الحقوق والحريات النقابية.

-         الإصلاح التربوي المؤجل: بعد إخفاق البرنامج الاستعجالي في الارتقاء بالتعليم العمومي ورد الاعتبار للمدرسة المغربية، وبعد بعض المبادرات التي عملت على تقييم البرنامج والإصلاح التربوي السابق والإجماع على فشل أغلب مشاريع البرنامج، لم تعمل الوزارة الوصية على اتخاذ خطوات جريئة ومسؤولة في اتجاه فتح حوار موسع حول المسألة التعليمية وسبل تطويرها وتجويد مقوماتها وتحسين خدماتها بإشراك مختلف الفعاليات والفاعلين والمتدخلين. لكن، عمدت الحكومة متمثلة في وزارة التربية الوطنية، كعادتها، بإخراج وتنزيل إصلاح تربوي جديد أطلقت عليه “المخطط الاستراتيجي 2013-2016″ بشكل فوقي وانفرادي بدون تفعيل الآليات التشاركية والتشاورية عكس ما روجته في مجموعة من خطاباتها وشعاراتها التي سرعان ما سقط عنها القناع.إن الإصلاح التربوي الذي يتطلع إله الشعب المغربي يقتضي توفر الإرادة السياسية والقرار التربوي الجريء المعتمد على مقاربة تشاركية لوضع قطار التعليم على سكة الإصلاح.

-         المطالب العادلة والمهضومة للشغيلة المتضررة: لا زالت العديد من المطالب الأساسية للشغيلة التعليمية تلاقي سياسة المماطلة وأسلوب صم الآذان بالرغم من مرور سنوات على طرحها وخوض بعض النقابات المناضلة معارك نضالية متعددة من أجل تحقيقها. إن الشغيلة التعليمية مثلها مثل باقي مكونات الطبقة العاملة يعانون من غلاء المعيشة وتجميد الأجور وبطء مسطرة الترقيات وضعف نسب الحصيص وهزالة التعويضات، وانسداد آفاق الترقي وقرصنة سنوات الخدمة.. وغيرها من الإشكالات التي كانت ولازالت محط احتجاج واسع وإضرابات متكررة. كما يعتبر هذا الإضراب الوطني رسالة قوية من أجل فضح مختلف تجليات الفساد والريع النقابي الذي استشريا في القطاع من خلال تفشي مظاهر الزبونية والمحسوبية في الحركات الانتقالية والترقيات والتفرغات النقابية والعمليات المرتبطة بإعادة الانتشار وتغيير الإطار … وغيرها من العمليات المشبوهة التي يغيب فيها منطق الشفافية والنزاهة. كما تعتبر المطالب المرتبطة بإحداث درجة إضافية ومراجعة نظام الترقي وخلق إطار بالنسة لأطر الإدارة التربوية، وتقليص ساعات العمل وحذف الساعات التضامنية مع مراجعة وتطوير الإيقاعات المدرسية بما فيها استعمالات الزمن والمدة الزمنية للحصص والعطل المدرسية، وكذا مسألة تعميم التعويض عن العمل بالعالم القروي دون تمييز أو إقصاء من بين  المطالب الأساسية المتضمنة في الإضراب الوطني للمنظمة.

الحق في الإضراب وعدم مشروعية الاقتطاع

    

  في البداية، وجب التذكير بأن وصول الحكومة الحالية والأحزاب المكونة لها مرتبط بالحراك الاجتماعي الذي استفادت منه بشكل انتهازي بحيث أنها لم تساهم فيه فقط بل كانت ضده وتعارض مطالبه ونضالاته. فبفضل حركة 20 فبراير ومعاركها النضالية التي لازالت مستمرة من أجل الديمقراطية والكرامة والعادلة الاجتماعية تم إقرار احترام الحريات وحقوق الإنسان وتم تضمين مجموعة من الحقوق في دستور 2011 بالرغم من علاته وعدم تلبيته لانتظارات الشعب المغربي. لكن، ومنذ بدايتها، شرعت الحكومة في التراجع عن مجموعة من الالتزامات والاتفاقات (محضر 20 يوليوز 2011 نموذجا) والردة على الحقوق والمكاسب التاريخية للطبقة العاملة ومن بينها الحق في الإضراب من خلال التركيز على الاقتطاع والتضييق على الحريات العامة واستخدام القمع والعنف المفرط ضد الاحتجاجات السلمية (الأساتذة، المعطلون، كتاب الضبط، الممرضون والممرضات، موظفو وعمال الجماعات المحلية…). ترتكز الحكومة الحالية على منطق خاطئ في تبرير الاقتطاع من أجور المضربين باعتبارها الإضراب تغيب غير مبرر، مما يعتبر مغالطة مفضوحة ووسيلة غي قانونية لضرب الحق في الإضراب. وعلى عكس ذلك، يعتبر الإضراب تغيبا مبررا وهو في ذلك مثل باقي التغيبات الأخرى المبررة بدواعي صحية أو نقابية وغيرها التي لا يتم اقتطاع أجور أيامها لأنها تغيبات قانونية. إن الإضراب  هو الوسيلة الوحيدة والسلاح الأوحد في يد الطبقة العاملة من أجل الدفاع عن حقوقها ومكتسباتها وبدونه ستصبح مختلف الفئات من موظفين وعمال ومستخدمين عبيدا  معرضين لمختلف أوجه الاستغلال والاستعباد.  إن الإضراب إلى جانب التفاوض الجماعي هما الوسيلتان الأساسيتان لممارسة المنظمات النقابية لوظيفتها المطلبية المتمثلة في الدفاع عن المصالح الفردية والجماعية للفئات التي تمثلها. إن المتتبع للشأن السياسي بالمغرب ليستغرب من وضع قانون الإضراب في مقدمة انشغالاته بدل الانكباب على معالجة مختلف الملفات الاجتماعية وتجاوز الإشكالات المطروحة وتحصين المكتسبات ومن بينها الحريات العامة.

 

دلالات الإضراب في اليوم العالمي لحقوق الإنسان (10-11 دجنبر)

 

     من بين الاختلالات البنيوية التي أصبحت تلازم نظامنا التعليمي عدم قدرته على تعميم التمدرس وضمان الاحتفاظ بالمتمدرسين وتفاقم ظاهرة الهدر المدرسي، والذي عكسته بشكل جلي جميع التقارير الدولية التي صنفت المغرب من بين الدول المتأخرة في هذا المجال. وتبقى مختلف التدابير والإجراءات الفوقية والانفرادية التي يتم اتخاذها في هذا السياق ذات محدودية ولا تحقق الأهداف المرجوة، بل وتصر الوزارة الوصية على استمرارا نفس الآليات ونفس المقاربات. إن الإضراب الوطني للمنظمة الديمقراطية للتعليم (10-11 دجنبر 2012) الذي يتزامن مع الاحتفال باليوم العالمي لحقوق الإنسان لرسالة قوية وواضحة لكافة المسؤولين ولمختلف الجهات على أن الحق في التعليم أصبح مهددا وأن السياسة الحكومية المتبعة بعيدة كل البعد من ضمان هذا الحق بحيث لازالت أعداد كبيرة خارج أسوار المؤسسات التعليمية بينما تغادر نسبة مهمة من التلاميذ المدرسة لأسباب اجتماعية ومادية وجغرافية. وفي هذا السياق، يسجل سنويا استمرار ظاهرة الهدر المدرسي (حوالي 120 ألف بالابتدائي و 150 ألف في الثانوي الإعدادي) وظاهرة الانقطاع والتسرب الدراسيين، مما نتج عنه احتلال المغرب لمراتب متدنية في التقارير الدولية المتعلقة بالتنمية البشرية. بالإضافة إلى ذلك، وبالنظر إلى تفاقم ظاهرة الاكتظاظ التي وصلت إلى ما بين 50 و 60 تلميذ في العديد من المؤسسات وتفشي ظاهرة الأقسام المشتركة (المتعددة المستويات) بالوسط القروي، يمكن اعتبار التلاميذ الذين يدرسون في الظروف اللاتربوية بأنهم خارج المنظومة التربوية مما يعكس ضعف المردودية الداخلية وضعف المستوى التعليمي لفئات واسعة من المتعلمين.

     إن الإضراب الوطني الذي تخوضه المنظمة الديمقراطية للتعليم تزامنا مع الاحتفال باليوم العالمي لحقوق الإنسان له دلالاته البالغة والمهمة في لفت انتباه المسؤولين عن الشأن التربوي إلى تردي أوضاع المنظومة التربوية وتراجع أداء المدرسة العمومية في ظل تبني إصلاحات تربوية ضيقة ومحدودة بدون مراجعة للسياسة التعليمية في شموليتها وفي ظل الانصياع التام لإملاءات وتوجيهات صندوق النقد الدولي. إن دلالات الإضراب الوطني تتمثل أيضا في رفض كل المبادرات الإصلاحية الفوقية والانفرادية والتي تقصي مختلف مكونات الشعب المغربي وتحاول بالتالي فرض الأمر الواقع، مما سيحصد لا محالة المزيد من اليأس والإحباط وتوسع وثيرة الاحتجاج وانعدام التعبئة الاجتماعية حول الإصلاح المرتقب.

        بغض النظر إلى الشق النقابي الصرف الرامي إلى تحصين المكتسبات والدفاع عن المطالب العادلة والمشروعة للأسرة التعليمية، للإضراب الوطني للمنظمة دلالات سياسية وحقوقية وتربوية. فالشق السياسي للإضراب يتعلق بإرسال رسالة واضحة للحكومة بضرورة مراجعة سياستها التعليمية وتبني القرار الوطني الداخلي المبني على تفعيل الآليات التشاركية والانفتاح على الفعاليات الفكرية والأكاديمية لبلورة تصور متكامل حول الإصلاح، بدل التنفيذ الأعمى للإملاءات الدولية الخارجية. بالإضافة إلى ذلك، يتمثل البعد السياسي في الإضراب الوطني في التصدي النضالي لمختلف أشكال التضييق على الحقوق والحريات النقابية وكافة الإجراءات الرامية إلى ضرب الحق في الإضراب. بينما ترسخ المعركة النضالية ليومي 10—11 دجنبر البعد الحقوقي من خلال المطالبة بإصلاح تربوي شمولي وعميق يضمن الحق في تعليم عمومي مجاني وديمقراطي وجيد للجميع والانكباب على إيجاد مختلف الآليات الإجرائية والعملية من أجل بلوغ هذه الأهداف بعيدا عن الدوغمائية والشعبوية ومنطق الاستعجال والارتجال.

     إن التأجيل الخطير الذي يعرفه الإصلاح التربوي والارتقاء بالمدرسة العمومية كما وكيفا له تداعياته السلبية على مسار التنمية المجتمعية، ناهيك عن  تفشي الإحساس بفقدان الثقة في الحكومات المتعاقبة وفي سياساتها العمومية المنتهجة في عدد من القضايا الحيوية والملفات الاجتماعية وبروز نوع من التذمر والاستياء في أوساط فئات واسعة من الشعب المغربي. لقد أخلف المغرب الموعد مع ترسيخ أسس الانتقال الديمقراطي من خلال فرض دستور معطوب ومنقوص وكذا تكريس المقاربة الأمنية والقمعية في مواجهة الاحتجاجات السلمية والمحاولات المتكررة لضرب الحقوق والحريات النقابية وفي مقدمتها الحق في الإضراب. وفي نفس السياق، أخلفت وزارة التربية الوطنية الموعد مع الإصلاح التربوي تمام كما فعلت سنة 2008 عندما أقرت برنامجا استعجاليا تم تنزيله بشكل انفرادي وفوقي كان مآله الفشل والإخفاق وتفاقم الإشكالات التربوية والاختلالات البنيوية. واليوم، يتكرر نفس السيناريو بارتكاب الوزارة الوصية نفس الخطأ الذي سيترتب عنه حتما استمرار التعليم والمدرسة في التراجع إلى الوراء وتدني المستوى التعليمي وتواصل ظاهرة عطالة حاملي الشهادات، مما سيعطل المسيرة التنموية ببلادنا على المستويات الاجتماعية والاقتصادية باعتبار التعليم قطاع محوريا في تأهيل الرأسمال البشري من أجل التطور والازدهار.

                       خالد جلال

                       فاعل نقابي

                      (وادي زم، في 30 نونبر 2012.)