الثورة العلمية الكونية وسؤال عالمية الثقافة

الحسين بوخرطة
ما عاشه العالم منذ بداية التسعينات من تطور علمي مبهر لا يمكن أن يترك متتبعا في حالة اللامبالاة. إن العقول المتفاعلة مع هذه الثورة المعرفية، خاصة عقول شعوب دول الجنوب الاستهلاكية، تارة تحت ضغط الحاجة للاستعمال النافع، وتارة بفعل الميولات التي ترسخها وسائل الإعلام بمختلف ألوانها، أصبحت في مواجهة دائمة مع الأمواج العاتية التي يحدثها مستوى الدفق الهائج للمعلومات النافعة منها والتافهة. إن هذه الأمواج العالية تحدث، عند سقوطها المتكرر والمنتظم على رؤوس شعوبنا، دورانا ودوخة وتيها، تكاد الرؤوس، بوقع قوتها، لا تطفو على سطح الماء إلا بصعوبة، لتجد نفسها مجددا على موعد صفعة مائية جديدة.
في هذا السياق الذي لا يتيح الفرص الزمنية الطويلة للتكيف مع المستجدات، أصبح الاستمرار في الخضوع لترسانة من الإكراهات والحتميات والتعودات المكبلة لحرية التفكير، التي لا تخدم إلا الأقليات، بمثابة زج بالأفراد والجماعات المستهدفة في عالم محاصر باشتراطات سيكولوجية وسوسيوثقافية. لقد تتبع الرأي العام العالمي كيف تم تسخير الروبوتات (الآلات الإلكترونية والميكانيكية) في بناء المستشفيات، ومحاصرة اندلاع وباء فيروس كورونا، بحيث تكلفت هذه الآلات الذكية بخدمة الإنسان لتفادي الاحتكاك إلى حدود شفاء آخر حالة مصابة (الصين كنموذج).
فعلا، الفرق شاسع جدا بين إنسان دولة متطورة وأخرى في طرق النمو أو متخلفة، ونسبة الاطمئنان في الدولة المشرفة على مواطنيها متباينة، ولا يمكن، ولو من باب الكذب على الذات، الدخول في سجال في موضوع المقارنة، ليبقى السؤال المحير، زمن الأوبئة والإلكترونيات، “ما العمل؟”. إنه سؤال ذا راهنية قصوى، ويتطلب الحسم الآني في بروتوكولات التماهي مع التقليدانية بكل أشكالها. لم يعد نافعا أن نتعمد إخضاع الأفراد لقالب جاهز، ونفرض عليهم ضرورة التوافق معه، بل أصبحت النجاة من الهلاك والفوضى في الحاضر والمستقبل مرتبطة أشد الارتباط بهاجس واحد، يتجلى في الإجابة على السؤال التالي: كيف نعمم تمتيع المواطنين بالحرية، والنزوع إلى التحرر، والانعتاق من المكبلات الواهية، والغوص بدراية ووعي تام في فضاء خلق التراكمات العلمية والمعاني البناءة والدلالات النافعة.؟
إن حدث الخوف والهلع من انتشار وباء كورونا ما هو إلا ناقوس خطر، بدقاته التي تصم الآذان، ناقوس يجب أن يوقظ الجميع من سباته، ويدفعه باستعجال للبحث عن اختراع وإبداع الآليات التي ستجعل وجود المواطنين يتنفس معرفة كافية، ويتوسع سعادة وازدهارا، بالأفكار المبتكرة للجديد والتحقق منه، والمناوئة للجاهز، وتكرار الوقائع القاتلة للتحفيز. لقد حان الوقت للتركيز على الفرد، لدفعه إلى تحويل حياته إلى مشروع، يتم التفكير فيه في الحاضر برؤية المستقبل، وبمسؤولية وطنية دائمة تهدف بدون انقطاع إلى تجويد منتوج العقل المجتمعي، ليقول كلمته في لحظات التسابق لإبراز فاعلية الروح الجماعية. لم يعد مقبولا، من باب احترام الكينونة الذاتية للأفراد والجماعات، الاستمرار أو التمادي في الخطابات، غير المبررة علميا، لخلق الاصطدام الهادر للوقت في المجتمع، والذي يطمع رواده في فرض الطابع القسري والإلزامي المكبل للطاقات الإبداعية. فتملك الوجود المجتمعي من طرف أفراده، بمنطق العصر وتحدياته، لا يمكن أن يتم إلا من خلال ربطه بنسق ديناميكي، يجعل التغيرات العقلانية تجديدا للهوية، وليس مرادفا لضياعها، وييسر، في نفس الوقت، التقدم بالسرعة المطلوبة في اتجاه تحويل الذاكرة إلى نتاج تراكمي متجدد وزاخر بالأحداث والقيم والابتكارات، نتاج يجعل من قيمة شخص جيل معين مكونا داعما لقوة بنية شخصية الجيل اللاحق.
والعالم يعيش ثورات علمية وأزمات عنيفة في مختلف المجالات، لم يعد مستساغا التركيز على التمظهرات الذاتية لخلق نمط عدائي في التعامل مع الغير. فاختلاف الذات ظاهريا مع الآخر لا يمكن أن يستغل لخلق ثقافة رجعية يسهل تحريضها من باب كونها مختلفة ومتباينة ومتمايزة. وحتى في حالة التسليم بوجود اختلاف مظهري ذاتي وجوهري، لا يمكن أن يكون مرتكزا لرفض الاحتكاك الفكري والعلمي مع الغير. إن المستجدات الكونية تفرض علينا أن لا ندخر جهدا في تحويل الغيرية إلى إيمان كوني لا ينظر إلى الغير ك”أنا آخر” بل ك”نحن”، وبالتالي إنضاج رؤية جديدة لا تؤيد إلا اعتبار الإنسان كائنا كونيا عاقلا، يفكر في تطور حياة المجتمعات انطلاقا من مجتمعه، إنسان يدرك ذاته وموجود مع الآخرين بمنطق التنافس والتعاون والتضامن والاحتكاك، وليس بمنطق الصراع، والتحجر وادعاء “علو” الأنا عن الآخر. فكلما انبهر شعب بمساعدة شعب آخر بعلومه وتقنياته بعدما كان مهددا بالمخاطر، كلما برزت الحاجة إلى تحالفات جديدة مدافعة على قيم كونية متطورة. فمعايير الاعتراف بقيمة الذات في تغير مستمر، بحيث سترتبط، مع مرور الوقت، بجودة خدمة الذات (الوطن)، وبما تقدمه هذه الأخيرة من مزايا للمجتمع الدولي، مزايا مرتبطة بالحرية، والمتعة في المعيشة، والإرادة المستقلة المتميزة بالوعي والفاعلية والقصدية، والحرص الدائم في ارتقاء قيم كونية تجعل الإنسان في صلب الاهتمام الفلسفي، القادر على تحقيق تميز العلاقة داخل “النحن” بالود والإخاء والتسامح، اهتمام يسرع عملية إقبار نزعات النبذ والإقصاء والغرابة والعنصرية.
بالطبع، المرور إلى مرحلة ثقافة “النحن” ليست باليسير، بل يتطلب إرادة وجهدا متلازمين ودائمين، جهد يقرب العقليات المتأخرة، أو التي لازالت في مرحلة “الماقبل” منطقية، من العقليات المنطقية والعلمية. إن تحقيق هذا الهدف، السامي إنسانيا، يتطلب بناء جسور ثقافية، تنبني على أسس قوية وثابتة، ولا تترك مجالا لانتعاش الخطابات المروجة للغرابة التي تشل الفاعلية، وتحد من الحرية الإبداعية، وتقضي على التلقائية، وتكرس النظرة الجافة الميالة للتشييء. وعند الحديث عن تلازم الإرادة والجهد الدوليين، تبرز أهمية تربية الأجيال على الملاحظة، وطرح الفرضيات الثقيلة والوازنة، والرفع من مستوى التمكن في المناهج في مجال التجريب، وبالتالي التمكن من تذويب وعصر المعطيات الثقافية القديمة، وإفراغ ما انبثق عنها في قوالب فكرية جديدة، والانفتاح على العمل المخبري الذي يعتبر العقل طاقة وفاعلية في نفس الآن، وتعميمه على كل فضاءات التنشئة، لتعويد الأجيال على التأمل والتخيل في خبايا الواقع، وإبعادهم على تعودات وصف الظواهر والمظاهر كما هي. فبقدر ما تبرز الحاجة الملحة لتحقيق هدف تسريع إنجاز مشاريع مجتمعية بأفراد مؤهلين للبحث الفكري الكاشف للقوانين العلمية، بقدر ما تبرز الحاجة كذلك إلى التحلي بالحزم في مواجهة عوامل البطء ومفعول الفرامل التقليدانية البالية غير المبررة عقليا، والمناوئة لغريزتي التفوق والتجديد، والطامحة في الحفاظ على قوة التعصب للثبات القبائلي والعشائري المتعالي عن العقلانية العلمية.
وعليه، إن إحساسنا الوطني، الذي يهمس لعقولنا في كل لحظة بوجود قلق دائم في شأن المستقبل والمخاطر التي تعاكسه، لا يمكن أن لا تبرز حاجة بلادنا إلى حوار وطني هادئ للدخول في مسار مراجعة دائمة للمبادئ والمفاهيم والقواعد، في أفق تحقيق علاقة جدلية بين الوقائع التجريبية بمقومات لا تترك أي هامش لإضفاء قيمة الثبات على الحقائق الواهية التي تجترها الأفواه خارج البراهين العقلانية البناءة.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا