حياة الحجر الصحي من السكن

بقلم : محمد حسيكي

الحياة بالنسبة للإنسان أغلى ما في الوجود عنده، بل إنها أغلى ما يعيش منه كل كائن حي .

وفي النظام الاجتماعي من الحياة البشرية، كل إنسان بلغ سن الرشد والاقبال على الحياة الاجتماعية، يستوجب عليه التوفر على بيت يأويه ويستقر منه، لبناء الاسرة التي هي خلية المجتمع .

والبيت من السكن كما يجري على اللسان المغربي، قبر الحياة من عالم متحرك، يأوي اليه الانسان من غدوه ورواحه، بعد الكد المتعب من يومه .

وفي الاصطلاح البيت، حجر صحي من الوباء المتفشي بالمجتمع .

بيت السكن :

هو عنوان الاستقرار ومأوى الانسان وعمران المكان الذي يقطنه الفرد من وسط الاسرة، يحكمه بالوسط الحضري قانون السكن من تملك، أو تأجير قصد العيش في اجواء اجتماعية لائقة، نابضة بالحياة والتساكن مع الجوار، في بناء يحكمه قانون المعمار والنظام الاجتماعي بالبلد .

وبيت السكن له حرمة شرعية وقانونية، خاصة عند الانسان والمجتمع، يتربى منه الانسان التربية الاجتماعية الأليفة، ويستقل به من حياته ومعيشه، عند القدرة على أعباء الحياة، والاعتماد على الذات، يتم اللجوء اليه من وقت الراحة والسكينة من الحياة اليومية، والاحتماء به من وقت عوارض الامراض والأوبئة كالجائحة من كرونة.

السكن والاحتماء من العدوى :

قبل ظهور السكن القار، مرت الحياة البشرية من السكن المتنقل، زمن الحياة والانتشار من الطبيعة، على اليابسة الى حدود المتجمدة، حيث كان الانسان يصاب بالعدوى من أمراض موسمية متنقلة ناتجة عن الدورة المناخية من نقص الغذاء، وتقلبات الطقس التي تضر بالإنسان والحيوان والنبات، من أمطار جارفة، أو جفاف باليابسة، حيث كان المصاب بالأوبئة وقتها، يتخلى عنه من أهله في الخلاء، لعدم القدرة على معالجته، او حمله، أو دفنه .

وعهد بناء الحواضر والاستقرار من السكن، كان الساكنة يواجهون الأوبئة بالعزل من الحارات المبتعدة عن الوسط السكاني، للحد من انتشار الوباء المعد، كالجذام، والطاعون، والجدري، والكرونة، من أمراض الجائحة عهد المنظومة الصحية، التي ألزمت الساكنة بالمجتمعات، الاحتماء بالسكن خشية العدوى من المخالطة العامة .

الأوبئة من فوارق زمنية :

تنسب الأوبئة الى الفكر البشري من اسم الجوائح التي تجتاح الحياة البشرية من غير معرفة مصدر ظهورها Ị هل من الجسم ذاته، أم من المحيط الذي ينتشر منه، كما يصعب على الانسان استحضار طرق علاجه، إذ كان يترك جائحته للطبيعة التي أتت به، الى أن تفنيه، بعد أن يضرب الى أن تنهار قواه، ويغيب الى مثواه .

وغالبا ما كانت تصيب تلك الأوبئة الجنود الأولين من تنقلاتهم الحربية الشاقة، وسط تقلبات الأجواء وتغير المناخات، وضربات الطقس، بل وعزلتهم عن الحياة المدنية، حيث يعانون من قساوة الظروف الطبيعة والتنقل المثقل بالمصابين، وبعدهم عن حياة الاستقرار ووسائل العناية اليومية بالصحة الفردية .

ومن تم كانت تنشأ الحارات البعيدة عن الحياة المدنية للعزل ومحاصرة الوباء من ساحة معينة، تحت اشراف الطب الاسعافي من فرق الصليب الاحمر أو الهلال الاحمر، أو الشمس والأسد الحمراوين، الذين يشكلون فرق إغاثة وإسعاف يواجهون حالة الأوبئة، من عهود الديانات السماوية، بما يشتغلون عليه من اجراءات وقائية في مقدمتها الحجر الوقائي، وبدل الجهود العملية للبحث عن العلاج . وإنهاء حالة الوباء الذي كان يجتاح الانسان من تقلبات مناخية، أو عدوى بشرية أو حيوانية .

بيت العزل من رواية تاريخية :

عهد الصراع بين المرابطين والموحدين من مدينة مراكش أدت المواجهات بينهما الى ظهور وباء الجذام، ووقتها أقيمت حارة عزل من وسط المدينة نسبت الى الوياء من عرب الساورة الذين حلوا بالجهة دفاعا عن المدينة، وتم انزالهم ومقامهم بالحارة .

ومن رواية المتصوفة بالمدينة، أن سيدي يوسف بن علي أقمي،- اقامتي بيتي داري -، وعند الامام البصيري – تقم، تجم – ومن الدار قطني: تقطن، وقتها فرضت على سيدي يوسف الاقامة بالعزل حين الاصابة بالجذام، الى أن تماثل الى الشفاء وصار صريح القول تشافين، والتي حملها اللسان التاريخي من اسم تاشفين .

وهذا يعني أن أول العلاج من الوباء العزل، وهو ما بقي عليه الحال والحرص منه على المتابعة المناعية كسبيل للوقاية الى عصر الفضاء من كرونة .

الصحة العمومية :

عهد تميز علم الكيمياء من العلوم واتساع دائرة العمل الصحي من فوائده في تحسين نوعية الغذاء، وممانعة الامراض عند الانسان، انعكس ذلك على الصحة البشرية والحيوانية والنباتية بالفائدة العامة، والمحافظة على منتجات التغذية وتطور منه انتاج الأدوية والأبحاث المخبرية قصد التخلص من الأوبئة الفتاكة، مما ادى الى ظهور وانتشار المستشفيات العمومية، ومختبرات الأبحاث الجرثومية والفيروسات المعدية، ونشر وسائل النظافة والوقائية للصحة .

وفي الوقت الذي تطورت فيه العلوم والأبحاث الميدانية، لخدمة الحياة البشرية، تكتلت المجتمعات الدولية في وحدة انسانية، وانتهت من الساحة الدولية عدة أوبئة، لم يبق منها الا الاسم والظرفية التاريخية التي كانت تظهر فيها من اماكن سجلها الانسان بالاسم، ونطقها باللسان، وتابعها بالعلاج، والعمل على تطوير طرق محاربته الى أن انقرض ظهوره من الساحة البشرية، كما هو محفوظ من سجل منظمة الصحة العالمية

ويبقى وباء كورونة، من أحدث الأوبئة وأخطر ظهورا على الحياة من الساحة الدولية، والذي خلق اجواء فزاعة بالهلع والخوف، داخل المجتمعات، والتي تعيش تحت الضغط مختبئة من الوباء ، تذكر أجواؤها ساكنة الحاضر بشبح الماضي المتجدد من دورة الوباء .


شارك بتعليقك

شاهد أيضا