كورونا: هل هي بداية الانهيار الإيديولوجي للغرب؟

قاسم شرف – فرنسا
أظهرت ردود الفعل السياسية لجائحة كورونا كوﭬيد 19 نقاط ضعف مدهشة في الديمقراطيات الغربية، تمثلت في الارتباك والتردد، عكس الصين التي بدت أكثر قدرة على مواجهة المستقبل. كما أبان فيروس كورونا عن أزمة ضعف المجتمعات الغربية التي ظلت تؤمن بالليبرالية السياسية. في الواقع، استطاعت هذه الجائحة أن تلقي بظلالها على أرض الواقع الغربي، وأخذت على محمل الجد الآن التكهنات حول الانهيار المحتمل لأنظمتها السياسية. كما لن يكون من المعقول اتباع نظرية آدم سميث القائلة بــ”دعه يعمل، دعه يسير” بعد إغلاق جميع أنواع الشركات، من المطاعم إلى ملاعب كرة القدم. كما علمتنا مكافحة الوباء أيضا بأن المصلحة العامة يمكن أن تساءل أي نشاط إنساني. وقد بشرت الأزمة الصحية بأزمة اقتصادية يمكن أن تؤدي إلى ما هو أسوأ بكثير. ومن المرجح أن تشهد المجتمعات المتأثرة بالفعل بالتوترات الشديدة زيادة خطر العنف خارج المناطق التي تم احتواؤها بشكل نسبي.
وإذا ما تفاقمت الأزمة سُوءًا، فإن تنوع العادات التي تتعايش في بلد ما بصورة مؤلمة، قد تتحول إلى نزاع علني. وإذا ما تغيرت الأزمة، فإن التفكك الرمزي للمجتمعات الغربية الذي لوحظ لعدة عقود سيتجسد بوحشية في ذلك التعفن المرضي حيث ستسيطر ردود الفعل التلقائية عن الاستمرار على السلوكات الاجتماعية. وقد تجعل الفردانيةُ الإنسانَ مثل القبلية يفقد شعوره بالعالم المشترك. لقد فوجئ السياسيون في زمن السلم بفعل عاصفة الوباء، فحولتهم إلى أطفال مفجعين.
علمنا هذا الوباء بأن الدول موجودة لحماية مواطنيها. في عالم ما بعد جائحة كورونا، ستختفي “المنظمات غير الحكومية بلا حدود” تدريجيًا وينبغي على أنصار الليبرالية السياسية أن يتذكروا أنه بدون دولة، فإن “الإنسان ليس سوى ذئب للإنسان”، وفقًا لصيغة توماس هوبز.
ولهذا يمكن القول إنه يمكن أن تنشأ في أي وقتٍ ما لا يمكن التنبؤ به وما لا يمكن السيطرة عليه. كان غباء الحداثيين والسياسيين كذلك يتمثل في الاعتقاد بأن المأساة والأوبئة كانتا تنتميان إلى عصور ما قبل التاريخ الإنساني، كما لو أن قوة العلم منحتهم السيطرة الكاملة على الوجود. كانوا يقومون بدورِ خالق العالم. فالإنسان الذي اعتقد أنه احتل المرتبة الأولى في الخلق والتأسيس، بل وأقر بوهم الخلود الممولة بالعلم التكنولوجي اكتشف أنه منزوع السلاح وعاجزًا أمام شكل الوباء الذي أنعش المخاوف القديمة للإنسانية.
لا يمكن إلقاء اللوم على القادة الغربيين لعدم توقعهم لهذه الأزمة بالذات، والتي فاجأت الجميع تقريبًا. ومع ذلك، لا يمكن الصفح عن رد فعلهم البطيء تجاه الأزمة بمجرد أن أصبح واضحًا أن ذلك يتطلب زيادة في المبادرة والحزم. كانت النخب السياسية العالمية الحاكمة بطيئة في اتخاذ أول إجراء طارئ وضروري، يتمثل في إغلاق الحدود. وبسبب الخوف من النزعة القومية، استمروا في رواية هراء العولمة وعدم الإيمان بعودة الإطار السياسي الذي أعلنوا تراجعه منذ مدة وهو الدولة القومية. وسوف يظهر على وجه هذا الكوكب أناس سيروجون أنهم منقذو هذا العالم ومتأسفون على تخلف وتأخر هذه الشعوب وسيتم جرهم إلى التعصب وذلك بإعطائهم وعود تخلصهم من هذا الوضع.
وفي ظل هذه الأزمة الصحية، ستصبح النزعة ما بعد القومية هي مستقبل الإنسان. كما سنتابع، في أحسن الأحوال، انتشار الكسل الفكري لدى العديد من النخب المثقفة مع عواقب هذه الكارثة التي حلت بالعالم كله. وسيعمل النظام الليبرالي العالمي، في أسوأ الأحوال، جهده بلا هوادة لإنقاذ نظامه الأيديولوجي الذي استنفد منذ مدة، وذلك باللجوء إلى اختلاق حرب إن اقتضى الأمر ذلك للحفاظ على نظامه. ولن يتسامح معهم التاريخ الذي سينظر إليهم على أنهم ساهموا في تفشي الوباء وفي إهمالهم الجسيم.
سينهار هذا النظام ويأخذ معه المجتمعات التي استعبدها، كما ستفلس النخبة التي تحكمه. ومع ذلك، فإن أولئك الذين اشتغلوا لتفكيك الأمة أو إفراغها من ماهيتها، يتكلمون اليوم بغرور عن عودتها. ولا يؤمنون بالنقد الذاتي. كما أنهم واصلوا توبيخ أولئك الذين لم يتوقفوا أبدًا عن الدفاع عنه والذين اتهموا بهذا الانجراف الرجعي أو الشعبوي. لقد استفادت الأنتلجينسيا التقدمية حقًا بشكل من أشكال الإفلات من العقاب الإيديولوجي الذي يسير من خطأ إلى آخر عبر العصور دون دفع ثمن ذلك .
ومع ذلك، عندما يتجاوز العالم هذه الأزمة ويخرج منها، يتعين عليه إعادة التفكير في أسس الحضارة التي أصبحت غير مضيافة للكائن الإنساني وتطلعاته الأساسية. وسيكون لزاما عليه الإصغاء لأولئك الذين لعنوا بالأمس، وأن يتساءل عما إذا كان بعض المنبوذين الذين لم يتولوا في الواقع الوظيفة النبوية بالصراخ في الصحراء بأن العالم الذي جاء، قد بتر الإنسانية من خلال حرمانها من مثلها الأساسية. ولذلك، فإن الإنسان في حاجة إلى منزل وطعام، فلا يمكن أن يعامل مثل موضوع تجارب، ولا يمكن تحويل المجتمع إلى مختبر في الهواء الطلق للتجارب الخطرة. هذه الحقائق المنسية سوف تجد مكانها في العالم بعد الخروج من هذه الأزمة.
في هذه الظروف العصيبة التي يمر منها العالم، فإن وباء كورونا المستجد يحجب الأخبار السياسية. عندما تنتهي الأزمة ويستعيد الشعوب تفكيرهم وعقولهم، قد يكون العالم مختلفًا تمامًا.

.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...