هيبة الدولة من هيبة مواطنيها !

أثار موضوع قيادة أحد البرلمانيين سيارة “فارهة” بلوحات w مخصصة “حصرية” لوزارة الداخلية موجة من ردود فعل منتقدة واسعة النطاق، الشيء الذي أعاد النقاش من نقطة الصفر حول ” هيبة الدولة”.
وقد رأى متتبعون أنها فرصة لمحاولة الجميع تقديم شيء جديد على طاولة النقاش بخصوص بناء الدولة باعتبارها عملية مستمرة ومعقدة، قد تتداخل ضمنها مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية في ظل ما يوصف بـ (سطوة) العولمة وعمق تأثيرها.
كما يعتقدون، أن صعوبة الانتقال الحقيقي نحو الديمقراطية المنشودة في البلاد، هو أحد مظاهر فشل المشاريع التحديثية التي يتغنى بها كثير من السياسويين، الشيء الذي يجعل استمرار الأخير مؤشر دال على هيمنة أسس تقليدية لبعض الهيئات والتنظيمات السياسية والنقابية والحقوقية.
وقد يبدو ظاهريا للبعض الآخر، أن هناك اهتمام من طرف بعض المؤسسات الحكومية بمسألة مكافحة الفساد وتحديد أثاره السلبية على “هيبة الدولة”، وكما أضحى هذا الموضوع يلقى اهتماما كبيرا من قبل جمعيات حقوقية و حماة المال العام، وشكلت هذه المسألة أحد أبرز البلاغات والبيانات والشكاوي المرفوعة للجهات المعنية.
إن عدم التطبيق الفعلي للقوانين، من لدن الموكل لهم بإنفاذه بدون تقصير أو تمييز بين فلان وعلان، رئيس حكومة كان أو وزيرا أو مديرا أو واليا/عاملا أو برلمانيا أو طبيبا أو أستاذا أو مساعدا تقنيا أو تاجرا أو فلاحا أو صانعا أو عاطلا عن العمل، قد يؤدي إلى انتشار الجريمة بكل أشكالها وزيادة معدلاتها وظهور أعمال العنف الشيء الذي سيهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد، ويفقد للدولة هيبتها وتعظيمها وتقديرها واحترامها.
وعدم مساءلة ومحاسبة الفاسدين والمفسدين من موظفين عموميين ومنتخبين، الذين أسهموا في نهب المال العام وضيعوا مقدرات البلاد، وتسببوا في تعثر تنميتها رغم الموارد والميزانيات العامة الضخمة التي ترصد سنويا، ولكن دون تأثير إيجابي مشهود على المواطنين الذين يعانون الفقر المدقع والحرمان من الخدمات الأساسية (صحة، تعليم، سكن، ….)، حيث لم يعد من المفاجأة أن الريع السياسي والنقابي أصبح صبغة غالبة على سلوك البعض الذين يحتلون مناصب عليا في الحكومة والمؤسسات المنتخبة ويتنافسون للاستحواذ على المال العام وتحقيق الثراء غير المشروع.
والرجوع إلى موضوع سيارات حاملة للوحة w، وركوبها لا يزيد أو ينقص من المهابة أو الهيبة، فالوالي/ العامل هو مواطن قبل كل شيء وموظف عمومي، يمارس سلطة تنفيذية تتميز بالبساطة والوضوح وهي ملازمة للوظيفة لا للفرد ناتجة عن مركزه الوظيفي، وتستمد شرعيتها من النظام والقانون، ولا يمكنه تجاوزه في أي حال من الأحوال، والسلطة التنفيذية مسؤولية لا يحق استخدامها في الحياة العملية على نطاق واسع من غير مكانها السليم، بل تستخدم بمعنى الواجبات والمهام.
وهيبة الدولة مرتبطة بمواطنيها ومسؤوليها ومنتخبيها، وإذا أردنا دولة مهابة فهذا يعني دولة تحترم فيها القوانين وتحفظ فيها الحقوق وتراعى فيها المصالح العامة والخاصة، وتكون العدالة عمودها الفقري في كافة مجالات الحياة المجتمعية، فلا تفرد ولا استفراد لسلطة تنفيذية أو منتخبة والكل سواسية أمام القانون الواجب احترامه والالتزام بتشريعه، ولا تتوقف هبة الدولة عند فرض القوانين على المواطنين حتى يهاب مسؤوليها، للدولة هبتها وللسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية هبتهم وللمواطنين هبتهم، دون أن تختل موازين المواطنة بين كافة مكونات المجتمع والدولة، والكل مطالب بتقوية ركائز الدولة كي تحافظ على الأمن والأمان التي يسعى إليها الجميع دون استثناء.
إن الدولة التي تحترم الدستور، الدولة التي تحترم حقوق مواطنيها، الدولة التي يتجسد فيها المفهوم الجديد للسلطة، هي دولة ذات هيبة، لأن هيبة الدولة من هيبة مواطنيها !
ألا إن غاب هذا، غابت هيبة الدولة، وغاب مفهوم الدولة أصلا ؟
>>كل سلطة مفسدة والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة<<، هذه المقولة الشهيرة سواء كان قالها المؤرخ الإنجليزى المشهور لورد أكتون أو المفكر العربى السورى عبد الرحمن الكواكبى أحد رواد الحركة الإصلاحية العربية. محمد جمال بن عياد


شارك بتعليقك

شاهد أيضا