المقومات الجديدة للمشروع التحديثي المغربي

الحسين بوخرطة
إن ما أثاره رئيس الحكومة السابق السيد عبد الإله ابن كيران من ملاحظات ومواقف في شأن المصادقة على القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين، والتي تم تجميعها في كتيب من طرف الأستاذ بلال التليدي تحت عنوان “موقف عبد الإله ابن كيران من فرنسة التعليم” لا يمكن تصنيفه إلا في إطار التفاعل السياسي في التعاطي مع إشكالية الحداثة والتقليد في بلادنا. لقد اعتبر ابن كيران تصويت الأمانة العامة لحزبه وبرلمانييه بالموافقة على هذا المشروع والامتناع على المادتين 2 و31 منه، بمثابة خطإ جسيم يمس في العمق الأسس التي اعتمدها حزبه في نشأته وتشكيله، مركزا في مناقشته موضوع “فرنسة التعليم” على خمس مواقف وحجج اعتبرها حقائق ثابتة، دفعته إلى إعلان كون تمرير هذا القانون لم يحترم مؤسسات الدولة، موجها عبارتين ثقيلتين لأعضاء حزبه، مقرا من خلال الأولى أن السياسية كانت دائما مقرونة بالضغوطات، والثانية أنه حين يتعلق الأمر بالأمور الكبيرة، كالشرف والمبادئ والرجولة، فهذه الحالات لا يقبل فيها التنازل ولو كان الثمن القتل”.
مهما كان لهذا التصعيد من أسباب ودوافع، يبقى الاعتراف أن الأهم بالنسبة للشعب المغربي هو خلق الظروف المواتية للتقدم في بناء مشروع الدولة الوطنية التي تجعل من المصلحة أو المنفعة العامة الشعار المؤطر لكينونتها وأنشطتها. فالدولة، كما يقول المفكر الهرم عبد الله العروي، هي المسؤولة على عقلنة المجتمع، مبرزا في هذا الصدد أن التأمل في الوضعية الخاصة بالمغرب أبانت أن الدولة في سياساتها العامة، خصوصا في العقود الأخيرة، كانت أكثر تقدما من المجتمع، ناهيك عن لعبها في التاريخ دورا تأسيسيا مكونا للنويات (جمع نواة) الاجتماعية الأساسية كالأسرة والمدرسة والإدارة…. فهي بذلك، يقول العروي، الأقدر على إحداث التغيير. إن بلادنا، يصيف نفس المفكر، تعيش بنظام تعليمي تابع للدولة، وعلى هذه الأخيرة أن تراعي موضوعيا مصلحة الأمة المغربية، لكونها القوة المؤثرة وصاحبة القرار في ذلك. وباستحضار هذا المعطى، لا يمكن اعتبار مرور القانون الإطار الخاص بالتربية والتكوين بالمجلس الوزاري إلا تعبيرا عن سلطة تقديرية لهذا المجلس، الذي يرأسه جلالة الملك، تم استعمالها بدافع الرفع من مستوى النفع والمصلحة للشعب المغربي. بنفس المنطق تم إلغاء الوصاية في الزواج بالنسبة للمرأة وتم تقنين الإقرار بالنبوة لإثبات النسب وأمور أخرى في قانون مدونة الأسرة بعدما كان غير مسموح بذلك لقرون خلت.
إن تتبع طبيعة تدخلات الدولة والتمعن في تجربتها أبرز حقيقة ابتعادها بشكل واضح عن استغلال التقليد سياسيا، وتسعى بلا شك، بصفتها الممثلة للسلطة الجماعية (الحامية لمصلحة المواطنين)، إلى تيسير ترسيخ قيم الحداثة الرافضة للولاء في المجال العام، وإلى غربلة التقاليد وتحويلها إلى رافد لإبراز الخصوصية الهوياتية المغربية (المجال الخاص). وهنا لا يمكن أن لا نذكر باعتراف عبد الله العروي في هذا الباب كون استثماره الشخصي في الآداب الفرنسي وسبر أغوار كتابات المفكرين والفلاسفة والعلماء باللغة الفرنسية كان بمثابة الرافعة القوية التي جعلته أكثر نباهة ونباغة في التعاطي مع الفكر العربي وثقافته ومشاريعه النهضوية التنويرية. لقد تخوف المناضلان المرحومان علال الفاسي وعبد الله كنون من سفره إلى السربون (الخوف من اللاعودة)، لكنه أقر لهم منذ البادية أنه سيعود لوطنه أكثر نفعا ومصلحة وعلما وفكرا.
إن التطورات التي عرفها المغرب تفرض اليوم بكل موضوعية القطع مع إرث معارضة النظام القائم الذي ورثناه من الثقافة الفرنسية، وتجميع القوى لتحويل المجالين السياسي والثقافي إلى فضاء عام للنقاش المفتوح لترسيخ ثقافة التجديد والابتكار والإبداع والمراهنة والتجريب في المجالات العامة التي تهم الحياة المادية للمواطنين. إن الحداثة ليست قيمة يجب أن نتشبث بها، بل هي تجربة في التاريخ توجت بنتائج مبهرة في عدد من المجتمعات يجب أن ننفتح عليها والاستفادة بقوة من مزاياها. علينا أن نستنبط الدروس من دول الصين واليابان والهند، كنماذج، الذين حافظوا على تقاليد مجالات مجتمعاتهم الخاصة (داخل البيت)، وانفتحوا على الحداثة بأبعادها المعرفية والمادية (خارج البيت)، وتوجوا اليوم من أكبر المستفيدين منها كونيا.
خلاصة
إذا كان تيار كارل شميث وهيدجر وليو شتراوس يرى أن المصالحة بين الدين والحداثة غربيا (خصوصا في زمن ما بعد الحداثة) مرتبطة “فقط بالتوجيه الديني نحو نقطة مرجعية متعالية يمكن إخراج الحداثة المعطوبة من طريقها المسدود”، فإن العروي يرى أن شفاء الإسلام من الأمراض التي يعاني منها لا يمكن أن يتحقق إلا بالعودة إلى الأصول النقية الأولى، أي الانطلاق من راموز النبي إبراهيم عليه السلام. لقد أشار هذا المفكر أن الإسلام هو مولد الثقافة الهللنستية، شأنه في ذلك شأن المسيحية واليهودية وحضارات منطقة البحر الأبيض المتوسط. فهذا الينبوع الروحي الصافي، أي الإسلام الإبراهيمي، اعتبره العروي الأساس الذي مكن الغرب من الإصلاح بنشأة مسيحية جديدة في الغرب الجرماني. وهو الأساس الذي كان وراء عدم اعتناق العرب المسيحية واليهودية إلى أن بعث فيهم نبي منهم وهو محمد (ص). كما يرى العروي أن هاجس وحدة البحر الأبيض المتوسط جد ممكنة نظرا لكون بلدان الضفتين يشتركون في السجلين الإبراهيمي والهللينستي.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا