العولمة المتعطلة في زمن الكوفيد 19

بقلم: عبد الله أطويل

لا أحد بوسعه إنكار أو تكذيب الرعب المبين والتيه الحالك الذي بات عليه العالم من شرقه الى غربه، فالحياة البشرية صارت مكبلة، موسومة بالحجر الصحي، بهذا التصفيد يكون العالم بعولمته، قد قَبِل طوعاً وبكامل إرادته التخلي عن طقوسه الطبيعية وكبح مجامح حياته الاعتيادية. تفرملت عجلات الإقتصاد العالمي، وتوقفت الملاحة من بقاع عدة وإلى أصقاع متعددة، ما يقارب 80٪ من الدول أحكمت إغلاق معابرها الحدودية برا وبحرا وجوا، تنحَّت أخبار الرياضة جانبا وتوارت عن الأنظار أحاديث الثقافة، شُمِّعت المساجد والكنائس وأُخلِيت الكاتدرائيات والأديرات، توقفت عقارب البورصات وتهاوت أسهم الاقتصادات، صار برميل النفط مضرب النكت ومحط سخرية بأسعاره المتهاوية. زد على ذلك ما يفوق مليارين من البشر عبر العالم جاثمين خاضعين للحجر الصحي.

إلى الأمس القريب كان العالم، وكأنه قرية صغيرة، هكذا أبلغوا ذلك إلينا، متحدثين عن الحداثة والعولمة. هذه الأخيرة بشكل أو بآخر تكون قد أزالت مفهوم الدولة القومية وما إلى ذلك، خصوصا بعد الحرب الباردة والريادة الرأسمالية، وما تلاها من تشابك وتناسل للعلاقات الدولية التي قربت شرق الكون من غربه.

الجائحة الكورونية اختبرت عُلُوَّ كعب، ما وصل إليه الجنس البشري من رقي وتطور، بل هذا الكوفيد كشف عورة بلدان ظَلَّت مضرب المثل في الإزدهار العلمي حتى نُسِج عنهم الأساطير وسُبِك حولهم الحكايات الخرافية في ما وصلو إليه من تدليل وترويض للصعاب، ورغادة عيش، كما أن دول أخرى رَكَعَت صاغرة دليلة وهي تُحصي موتاها صرعى بالآلاف، بعد أن كانت بالأمس القريب تدَّعي أنها حامي حمى دول العالم من أشرار لا تبقي ولا تذر، بل أكثر من ذلك ملكت المفاتيح والأزرار ماسكة بِمِقْود دفة قيادة العالم.

اختلفت الخُطط، وتعددت التكتيكات المجابهة لكورونا من بلد لآخر، كل الأنظمة عبر العالم بديمقراطيتها وديكتاتوريتها مسها ضُرُّ الفيروس. إذا ما أردنا القيام بمقارنة بين استراتيجيات الدول والأمم، فقد أظهرت لنا الصين ما في جعبتها في مواجهة مثل هذه الأزمات ولعل أبرز مثال حي على ذلك هو تشييدها لمشفى بكل تجهيزاته الحديثة في ظرف أيام معدودات، في وقت أدار العالم ظهره عنها، حينها اعتقد الكل أن الفيروس صيني الطِباع، معتقدين أنهم في مأمنة من شره، ثم أظهر الزمن القليل أن سارس2 لا يعرف الجغرافيا ولايؤمن بسياسة الحدود والتأشيرة، ليس في قواميسه اختصاصٌ في الملل والنِّحل ولا يراعي في ذلك إلاًّ ولا ذمة، حل بأوربا وأعلنته منظمة الصحة العالمية وباء Épidémie، اعتماد هذه التسمية رجع لانتشاره في قارتين على الأقل، ثم ما فتئ أن تفشى في أوربا وألمَّ بأمريكا ودخل حدود افريقيا دون استئدان، فأقرته المنظمة الدولية للصحة جائحة كونية Pandémie، وتأكد أنها تسمية مكتملة الأركان نظرا لاجتياحه كل القارات، حتى أصبح المهتمون بشأنه يُحْصُون فقط البلدان التي لم يحل بها بعد، عِوض عدِّ البلدان الموبوءة، ساهمت العولمة في تَجْيِيح -(تحول من وباء إلى جائحة)- الفيروس مختصرة الزمن اللازم في أقل المدد الممكنة. ونحن نستحضر عودة الصين بنسبة مئوية كبيرة إلى حياتها الطبيعية، يمكن الجزم في مسألة انتصار هذا البلد عن الفيروس وتخطيه إياه.

غابت الاستراتيجيات الموحدة على المستوى الدولي في مواجهة هذه الجائحة، وتَبيَّن أن كل دولة تغني على هواها، إيطاليا وإسبانيا استخفتا بالأمر في أوله فتبين أن الفيروس اعتبره أمرا فيه استصغار له، فقام بتصفية حسابه مع هذين البلدين، فإيطاليا بالرغم من توفرها على واحد من أجود الأنظمة الصحية في العالم رفقة إسبانيا ومع ذلك فعل بهما الوباء ما فعل، فيكفيك أن تسمع عن أرقام الوفيات لتسنتج حجم الدمار، أما باقي بلدان أوروبا فلا يحسدهما حاسد وهو يتأمل حالهم، صحيح أنهم اجتمعو في الإتحاد لكنهم تفرقوا في تصورات مواجهة البلاء الكوروني. بهذا يكون الكوفيد التاسع عشر بمتابة القش الذي من شأنه أن يكسر ظهر بعير الاتحاد الأوروبي، فأمكن للمحللين وأصحاب التخصص التكهن متنبئين بأفول هذا الأخير، وهو على شفا جرف هار، تفككه على مرمى حجر. أما الولايات المتحدة الأمريكية، فلم يدخل عليها الفيروس كزائر أَلمَّ ليلا ليدبر نهارا، بل ضرب البلاد طولا وعرضا، وأردى بلد العم سام صريعة طريحة، وهي واحدة من أقوى قوى العالم، بل أكثر من ذلك أصبحت مخندقة في أزمة لم يشهد تاريخ أمريكا بمثيل لها، ليصح فيها قول قيل فيه ارحموا عزيز قومٍ ذَل.

إذا ما أمعنا النظر نحواً وإعراباً في الاستراتيجيات المتبعة والمتبناة من كل دولة في مواجهة تفشي هذا الوباء، سيتبين لنا بالدليل القاطع والبرهان الساطع أن هذه الجائحة وإن كانت لا تميز بين بلد وآخر في التفشي، فمواجهتها لحد الساعة أظهرت لنا من الأنانية ما أظهرت والتعامل مع الأمر ظاهره مواجهة جائحة، وباطنه من قِبَلِهِ همس ودندنات ذات أبعاد سياسية، ولعل قطبي أمريكا والصين وما تأرجح بينهما من الكيل بمكيالين، ورَدِّ للصاع بالصاعين، فكلما حاولت واشنطن التنقيب على حجج دامغة لاتهام بكين، يرد تشو ماو بقرع الحجة بالحجة في تحويل أصابع الاتهام نحو ترامب، وثاني الأمثلة في ذلك هو العقوبات والحصار المفروض على إيران كواحد من أكثر البلدان تضرراً من هذه الجائحة التي كسرت ظهر الفرس شعبا وحكومة، دون أدنى شفقة من كبار العالم، على الأقل حُيَّان ما باتت تفرضه المرحلة من إنسانية مطلوبة.

لو أردنا التأكيد على شيء في هذا المقال، لكان تأكيداً على غياب استراتيجية دولية موحدة، وهنا نتسائل كما يتساءل العام والخاص عن سلطة أي مؤسسة كونية في ذلك، وأين دور منظمة الأمم المتحدة وما محلها من الإعراب في مواجهة مثل هكذا أوبئة وجوائح؟، كما يجدر بنا أن نستقصي في ما إن كانت المنظمة العالمية للصحة تتمتع بسلطة، لوضع إستراتيجيات يتم الالتزام بها دوليا وليس إجراءات حكومية مرة مبتكرة وتارة أخرى مستنسخة حسب مقومات وقوى كل بلد. فحيث ما ظل التعامل مع الأوبئة والجوائح بالنرجسية السياسية، والتقلبات المزاجية التي تفرضها الأجندات الديبلوماسية، فإنه شأن من شأنه كبح وإضعاف الطاقات في مواجهة الأزمات، وهي أفاعيل تأجج انتشار الوباء أكثر من محاصرته. وهذه أبرز أسباب تطوره من وباء إلى جائحة.

قبل أيام قليلة تحدث رئيس منظمة الصحة العالمية تيدروس اندهانوم غيبريسوس وهو يدعو إلى ضرورة توحيد الجهود، واعتماد مقاربة كونية وموحدة كسبيل وحيد للحد من انتشار هذا الوباء اللعين الذي أسقط من أسقط وأباد من أباد. بعد هذا التصريح بأيام قليلة خرجت رئيسة الوزراء الألمانية أنجيلا ميركل تدعو إلى خلق صندوق دولي لمواجهة الجائحة، مبشرة بتعهد بلدها بضخ رساميل مهمة من الاعتمادات المالية اللازمة لذلك. أما الرئيس الأمريكي فيبدو أن كورونا بعترث أوراقه، بل قلبت عليه ظهر المجن، وجعلته يرغد ويزبد من سفاسف القول إلى سوء الصنيعة، وما إقدامه على خطوة سد صنبور الدعم الأمريكي لصالح منظمة الصحة العالمية، وفي عزِّ أزمةٍ أثقل من الكانون كما يقال،. إلا ضرباً من المثل عن ارتباك سقط فيه فخامة الرئيس في وقت يستدعي منه أن يكون حلمه أحلم من الأحنف. أما أن يرمي الكلام على عواهنه، فمرده تيه ومس أصابه في مخمصة، مما أدى به إلى “اختلال” أو بالأحرى اخلاله بمعادلة “جدية الجديات” و”هزلية الهزليات”، وهنا الخطورة بأم عينيها عندما تتذاخل على المرئ المتذاخلات لتجعله يأخد الجديات بالهزليات. ضارباً عرض الحائط مبادىء الرزانة والتريث في اتخاد القرارات المصيرية بتفكير وضرب الألف حساب عوض الحساب الواحد وما لف لفه من رعونة لا محل لها من الإعراب.

لو تم مبكرا التعامل مع الوباء في أوله وبإلتزام تام لكل الدول، وفق تصور دولي موحد، مع نكران تام لتبعات الإقتصاد والتجارة، واستحضار للمبادئ الانسانية السامية، لكانت عشرات الطرق معبدة وبأقل الجهود وأخف الخسائر لمواجهة الأوبئة وحصرها دون أن تستفحل في ظل الأزمات الديبلوماسية والنظرات والرؤى حسب المصالح، فما كان لكل وباء أن يتحول لجائحة من شأنها قلب العالم رأسا على عقب وما لها من تبعات على جميع المستويات والأصعدة. كان الأجدر أن تكون عولمة حتى في مجابهة الأوبئة والجوائح، ليس عولمة فقط في الإقتصاد والمصالح والمطامح. ومن هذا المنطلق كان الوباء الكوروني ممكن أن يُصَاب في مقتل وهو حديث المنشأ بعقر داره الصيني، لو وَجد العالم بعولمته متأهب للانقضاض عليه أقرش من المجَبِّرين، مواجهونه بأدق من خيط باطلِ، في الاستراتيجيات.
مع هذه النرجسية المتبعة، وفي غياب تام للتنسيق والتوحد الدولي بشكل عملي لا بشعارات ومكالمات هاتفية، فهل سيتخلص العالم بعد كورونا من مظلة العولمة، ويعود لمفهوم الدولة القومية والانكماش؟، و ما يعدو الانفتاح ان يكون إلا إقليميا ليس أكثر، أم أن العولمة زي العالم الذي لا يُخْلَع؟.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...