بائعة الورد في غمار السياسة

تأليف : صوفيا بوخرطة
تأطير: الحسين بوخرطة

تحكي هذه القصة عن فتاة اسمها زهرة، تبيع الورد الأحمر. هذه الأخيرة فقدت والديها في السادسة من عمرها على إثر حادثة سير مميتة، فتكلفت جدتها الحنونة الفقيرة بحضانتها والعناية بها. كانت الجدة تعمل رغم كبر سنها في المنازل لدى أسر الطبقتين الوسطى والثرية لتجمع النقود، وتشتري لحفيدتها اللوازم المدرسية على رأس كل سنة، وتوفر لها شروط العيش اليومي ولو في أدنى مستوياته. لقد استمر كدح الجدة، مقاومة شيخوختها، إلى أن حصلت زهرة على شهادة الباكالوريا بميزة ممتاز. لقد سخرت المسكينة كل طاقاتها لإرضاء جدتها، لتبين لها أن لمعاناتها اليومية فائدة إنسانية كبيرة، وكان حدث استدعاء الجدة إلى منصة الاحتفال بالمتفوقين في إقليمهم الترابي مفخرة لها، إلى درجة ردد الحاضرون من الآباء والأمهات العبارة التالية “هذا نموذج تضحية الشيوخ من أجل مستقبل الشباب”.
لقد شاخت الجدة بفعل تجاوزها سن الثمانين من عمرها، ولم تعد قادرة، كالسابق، على كسب قوت يومها، والعناية بحفيدتها العزيزة عليها وحمايتها. لقد رق قلب زهرة لحال جدتها، وكانت تبكي طوال أيام الصيف لخيبتها وسوء مصيرها، لتقرر عدم متابعة دراستها الجامعية والخروج إلى ميدان العمل لعلها تتمكن من رد الجميل لجدتها، والعناية بها والحفاظ على كرامتها بعدما خانها جسدها وعجز عن الاستمرار في أداء مهامه الإنسانية. لم تجد المسكينة من مهنة للتعبير عن وضعها المأساوي سوى امتهان بيع الورد الأحمر لأصحاب السيارات والمارة في مركز مدينتها الآمن والمكتظ بفعل تنوع أنشطته التجارية والترفيهية.
لقد كانت زهرة فتاة جميلة، بشرتها ناعمة، ووجنتاها حمراوان كلون الورد الذي تبيعه، وعيناها زرقاوان كلون السماء، وشعرها بني فاتح كشعر الأميرات، إلا أن لباسها كان رثا ومرقعا، وحذائها كان متسخا يكاد يتغير لونه من كثرة كمية الغبار فوقه.
كل صباح، كانت تستيقظ بائعة الورد الأحمر بالتقسيط باكرا، تحمل سلة الورد ومحفظة النقود المربوطة بحزام رث على خصرها الجميل الذي يتوسط أناقة جسمانية مضمرة خلابة، وتخرج مبتسمة جراء شدة شغفها بعملها. كانت كل المارة تقريبا يشترون منها الورود الحمراء الجميلة، وتحولت مع مرور الأيام إلى هدايا معبرة عن الحب الصادق بين الجنسين، بين الأزواج وزوجاتهم والأحبة والأصدقاء. لقد كانت كلما باعت وردة، وأخذت قطعة نقدية، تظهر الابتسامة على شفتيها كسراج مضيء في ظلام الليل. إن التقوية المستمرة لترابط الورد بمقاربة النوع وثقافة التحديث المنصفة للمرأة ودفء الأسرة، كان يسقي فؤادها بالسعادة الحقيقية. لقد أدركت مع مرور الأيام أن مهنتها، التي عوضت مغادرتها للدراسة، ليست مجرد مورد للدخل الطاهر والكافي لسد رمقها وحاجات جدتها العجوز، بل أصبحت رمزا لزرع السعادة بين الجنسين في مدينتها.
وبعد مرور شهرين عن تسميتها ب”أميرة السعادة”، لاحظت تكرار المرور اليومي لشاب وسيم، بسيارته الفخمة والفارهة، ووقوفه أمامها طالبا دائما، بابتسامة مشرقة، الوردة التي تتوسط سلتها. إنه شاب اسمه “أمير”، ابن عائلة ثرية، ولدى أسرته قصر في آخر المدينة. لقد أعجب من النظرة الأولى بجمالها الخلاب وعنائها اليومي من أجل كسب قوت يومها. لقد اكتشف من الوهلة الأولى ذلك الجمال الإنساني المنفتح والمختبئ وراء الملبس الرث.
ذات يوم، قرر اختبارها والتأكد من سلوكها. لقد مر أمامها كعادته، واشترى وردته المعتادة، لكنه، هذه المرة، تعمد إسقاط محفظته الممتلئة والمنتفخة بالأوراق النقدية من فئة مأتي درهم، وانطلق مسرعا بسيارته بدون أن يلتفت وراءه. حاولت أميرة السعادة، بعدما صادفت عيناها المحفظة الضائعة، أن تجذب انتباهه منادية إياه بأعلى صوتها “سيدي، لقد سقطت منك محفظتك”، وحاولت اللحاق به جريا بعدما وضعت سلتها على حافة الطريق، لكن بدون جدوى.
في اليوم التالي، مر كعادته متجاهلا أحداث البارحة، وعندما وقف أمامها، شعرت بسعادة فائقة وهي تقدم له محفظته كما هي ولا تنقص منها أي ورقة نقدية، لتهديه هذه المرة وردته المعتادة بالمجان شكرا لله على عودته واسترجاعه لماله. أعجب الشاب بحسن أخلاقها، فشكرها مبتهجا، وعاد إلى قصره. وعند وصوله، أمر خدمه بإحضارها بعدما وصفها لهم بالدقة المتناهية محددا مكان تواجدها اليومي. ذهب السائق، مصحوبا بخادمتين، إلى المكان المطلوب، ونزلت الخادمتان بكل أدب ورفق، وشرحا لزهرة سبب مجيئهما ومهمتهما، وطلبا منها مرافقتهما إلى القصر لأن سيدهما سينتظم هذا المساء حفلة للتنويه بسلوكها، حفلة سيشارك فيها كبار القوم في المدينة. ترددت زهرة في البداية، وكانت مكالمة أمير الهاتفية مقنعة جدا، بحيث اشترطت عليه، من باب الإحتياط، أن ترافقها جدتها العجوز وصديقتها الحميمة.
وعند وصولها إلى باب القصر، تم اقتياد جدتها وصديقتها إلى دار الضيافة، ليخصص لأميرة السعادة استقبالا خاصا. لقد رافقتها الخادمات إلى الحمام، وتكلفوا باستحمامها، وإلباسها أحسن الملابس، وتدريبها على بروتوكول القصر. فمباشرة بعد خروجها إلى فضاء الحفل، استقبلها أمير وسط ذهول الحاضرين بجمالها وابتسامتها وانفتاحها الإنساني البريء.
وقف الشاب احتراما لها وقبل يدها ثم قال :” أهلا بك، ومرحبا بك بين أهلك”.
تفاجأت زهرة لعبارة الاستقبال لترد ببساطة “أهلا سيدي، وشكرا على الاستضافة”.
رد أمير : ” أنا أعرف أنك مستغربة من هذا الحفل الذي نظمته على شرفك، لكن أود أن أتعرف عليك في هذه الأمسية أكثر، حدثيني عن نفسك آنستي”.
حكت له زهرة قصتها بالكامل، فتألم لحالها كثيرا، معترفا لها بقوله: ” بعدما تأكدت من جمالك وحسن خلقتك، وتشبثك بكسب رزقك بعرق جبينك، وأعجبت بك إلى أن أصبحت مرتبطا نفسيا بضرورة الوقوف أمامك يوميا لشراء وردتي المعتادة، أدرت اختبار أمانتك وصدقك وعفتك من خلال تعمدي لإسقاط محفظة نقودي. والآن، بعدما اكتملت لدي كل المعلومات، أنحني أمامك وأمام الحضور طالبا منك ومن جدتك الموافقة على زواجي منك على سنة الله ورسوله”. وافقت زهرة على طلب أمير، وغمرت حياته سعادة وبهجة.
وبعد شهور من زواجهما، ستطلب زهرة من زوجها، البار والمتفهم، الموافقة على إتمام دراستها الجامعية. كالعادة، ارتقى وجودها الجامعي إلى مستوى الأداء الأكاديمي العالي. وبعد حصولها على شهادة الدكتوراه في الفلسفة ودبلوم الدراسات العليا في التاريخ، أصبح صيتها مدويا على المستوى المغاربي والعربي. لقد أصبحت، هي وزوجها، لا يفترقان في كل أنشطتهما الثقافية وحضورهما في المؤتمرات والتظاهرات الفكرية. لقد أنجبت منه طفلين توأمين، بنت وولد. لقد تحولت تجربتها الحياتية، وثقافة زوجها الإنسانية، إلى غذاء تربوي ونفسي لطفليهما.
إن ثقافتها الحقوقية والقانونية والتاريخية، دفعتها إلى الاستثمار الفكري والمادي في مجال الطفولة والشباب. لقد أنشأت، بمساعدة زوجها، مراكز عديدة للأيتام، وخصصت مبلغا شهريا محترما لتوزيعه على الفقراء والمحتاجين. لقد تحولت زهرة من تلميذة مجتهدة إلى بائعة ورد عفيفة، ثم إلى سيدة مرموقة إنسانيا في المجتمع. فبعد ثلاث سنوات من الكدح والعمل المتواصل، حل موعد الانتخابات البرلمانية. وهي تناقش مع زوجها يوميا أحوال البلاد، تفاجئت مع اقتراب فترة الترشيحات، بزيارات وفود من نخب المدينة ورؤساء القبائل المجاورة طالبين إياها قبول تمثيلهم في البرلمان للدفاع عن حقوقهم الشرعية. لقد شكل تشبث الزوار بطلبهم إحراجا كبيرا لها، ووضعها في وضعية حيرة مضنية، تقابلت خلالها ثقل المسؤولية الإنسانية، وتراجع العمل الحزبي، والأمل في غد تنموي طموح. لقد تحولت هذه الطلبات إلى انشغال مقلق في حياتها، أدخلها إلى عالم جديد لم يخطر ببالها من قبل، لتدخل مرحلة تعميق النقاش بينها وبين زوجها في موضوع مقارنة حجم مردودية أنشطة الإنسان بالتنمية ما بين العمل الفكري والخيري التطوعي والاستثمار الصادق والجدي في السياسة. لقد توج نقاشهما بكون المردودية التنموية لا يمكن أن تصل إلى المستويات العليا المنتظرة إلا من خلال إنتاج النخب الضامنة للحكامة الجيدة في التدبير المؤسساتي بسلطه التنفيذية والتشريعية والقضائية والإعلامية.
لقد شجعها زوجها على الدخول إلى غمار السياسة وتحمل مسؤولية التمثيل بشرف وصدق وأمانة، لتختار أن تترشح في أفقر دائرة ترابية انتخابية. لقد كانت المرشحة الوحيدة، لقد فازت بنتيجة نموذجية مبهرة، بدون أوراق ملغاة، وبنسبة مشاركة عالية تساوت مع عدد الأصوات المعبر عنها. لقد دخلت أميرة السعادة إلى البرلمان، وتحولت إلى رمز للتنمية الترابية خاصة في المناطق المهمشة في البلاد.
إن تشبث زهرة بالأمل والإصرار على المثابرة والعمل المضني الشريف، جعلها تتحول إلى نموذج إنساني متداول بين الناس، وأصبحت تتصدر لقاءاتها السياسية والفكرية والثقافية والخيرية لافتات تحمل شعار “بمحافظتك على إنسانيتك ورغباتك الصادقة وطموحاتك المشروعة، ستبتسم الحياة لك وللناس كما فعلت مع زهرة”.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني