كيف وصلنا إلى هذه الحالة المزرية ؟

بقلم: د. ألون بن مئير

نحن بحاجة ماسة للوحدة والمشاركة العامة والتجديد الروحي لإعادة اكتشاف الإيمان بقدرتنا على التغلب على أي محنة والإنتصار.

بينما أستطلع حالة الإتحاد أشعر بقلق شديد وفزع متسائلا ً لماذا وصلنا هنا في أمريكا إلى هذه الحالة المزرية التي نجد أنفسنا فيها. الحكومة الفيدرالية في حالة من الفوضى التامة، البلد مستقطب بشكل مثير للقلق، فيروس كورونا (كوفيد – 19) مستمر في الإنتشار مثل النار في الهشيم، التمييز ضد مجتمعات السود والمجتمعات اللاتينية على نطاق واسع، الإقتصاد في حالة من الفوضى، الفجوة بين الفقراء والأغنياء تتعمق ، نسبة البطالة مذهلة، ديوننا الوطنية تتصاعد بسرعة كالصاروخ، البنية التحتية تتداعى، مكانتنا الدولية في أدنى مستوى لها على الإطلاق وحلّ محلّ الحلم الأمريكي اليأس والقنوط.

من الصعب أن نفهم كيف أن البلد الأكثر ثراءً بالموارد البشرية والطبيعية وأعظم قوة عسكرية على وجه الأرض والأكثر تقدمًا من الناحية التكنولوجية والرائد في جميع العلوم والإكتشافات ومركز التنوع الثقافي وبطل حقوق الإنسان ويتمتع بتواصل وتأثير عالمي لا مثيل له، قد انحدر إلى هذه الحالة المؤسفة.

وعلى الرغم من أن تراجع المؤسسة الأمريكية لم يبدأ مع صعود ترامب إلى السلطة، إلا أنه، بدعم من القادة الجمهوريين المضللين، أساء إدارة شؤون البلاد بشكل خطير وألحق أضرارًا شديدة ليس فقط بمؤسساتنا الديمقراطية ولكن على روح أمريكا نفسها.

استقطب ترامب البلاد إلى ما هو أبعد من الإدراك وجعل من شبه المستحيل التوصل إلى إجماع حول أي قضية بغض النظر عن مدى الضرر الذي قد يصيب المصالح الوطنية. لقد أقنع هو وقيادة حزبه أنفسهم بسخرية بأن مصالحهم تتوافق مع مصالح الأمة. وعندما لا يحدث ذلك ومصلحة الحزب تفوق مصلحة الأمة – على سبيل المثال، يحاول الجمهوريون باستمرار تقييد التصويت ظاهريًا لمنع تزوير الناخبين، لكن الساسة تحدثوا عن الحقيقة. وفيما يتعلق بجهود الديمقراطيين لتوسيع التصويت عبر البريد الإلكتروني في خضم جائحة كورونا (كوفيد – 19)، أعلن ترامب بصراحة “… إذا وافقتم على ذلك ، فلن يكون هناك جمهوريًا منتخبًا في هذا البلد مرة أخرى. “

سيستغرق الأمر سنوات لتضميد جراح الأمة، لكننا لا نستطيع أن نبدأ عملية الشفاء حتى يتم طرد ترامب الذي خان قسم اليمين من السلطة بشكل ديمقراطي ويأخذ معه العديد من عملائه الغدرين الذين أوصلوا البلاد إلى بيئتها الحالية الكارثية.

إذا تم انتخاب جو بايدن ليكون الرئيس القادم، فمن المؤكد أنه سيبعث أملاً متجددًا في بزوغ فجر يوم جديد في أمريكا وربما يساعد في تخفيف بعض المشاكل التي نمر بها اليوم. ومع ذلك، وبأفضل النوايا، وبغض النظر عن مدى التزام بايدن، فإنه لا يستطيع وحده تحمل المهمة المروّعة التي تنتظرنا. إنه بحاجة إلى كونغرس بوحدة الهدف لإنجاز الأمور. إنه بحاجة إلى مواطنين مشاركين على استعداد للنهوض والقتال من أجل الحق لعلاج العديد من الأمراض الإجتماعية والسياسية في البلاد. ويحتاج إلى تجديد روحي لاستعادة مكانة أمريكا ومصداقيتها وقيمها الأخلاقية التي وصلت إلى الحضيض بشكل ملحوظ خلال السنوات الأربع الماضية.

اتبع ترامب، بموافقة ضمنية من الجمهوريين، أجندة اقتصادية أضرت بمعظم الأمريكيين مالياً، وهددّ حرية الكلام والتجمع والصحافة الحرة وقوّض نظام الرعاية الصحية التي تؤثر على ملايين الأمريكيين وكثّف التمييز وفاقم عدم المساواة. كل هذه الإجراءات كشفت عن عدم كفاءة ترامب وفشله الكئيب. لقد عمل هو والقيادة الجمهورية على إضعاف مؤسساتنا الديمقراطية وتحريف نظامنا القضائي والتخلي عن الفقراء وتلبية احتياجات الأغنياء. ومثل المكفوف الذي يقود مكفوف، اتبعوا مستبدهم الطموح من خلال التركيز فقط على ما يرون أنه في مصلحتهم – وإلى الجحيم مع البلاد.

التواصل مع الجمهوريين
إذا تم انتخابه، ينبغي أن يكون البند الأول لجو بايدن على جدول أعماله كرئيس هو التخفيف من الإستقطاب الذي ابتلي به كلا الحزبين وشلّ البلاد. إنه يحتاج إلى دعم مجلسي الكونغرس ويمكنه تعزيز ذلك من خلال الوصول عبر الممر للجمهوريين، الأمر الذي سيكون محوريًا لتنفيذ أجندته المحلية والأجنبية.

وكما هو وارد في خطاب كان جون ف.كينيدي ينوي الإدلاء به يوم اغتياله ، “… واجبنا كحزب ليس لحزبنا وحده بل للأمة، لا بل في الواقع للبشرية جمعاء … لذا، دعونا لا نكون صغاراً عندما تكون قضيتنا عظيمة. دعونا لا نتشاجر بيننا عندما يكون مستقبل أمتنا على المحك. دعونا نقف مع الثقة المتجددة في قضيتنا – متحدون في تراثنا من الماضي وفي آمالنا في المستقبل … “

ولإثبات تصميمه على إنهاء الإستقطاب، ينبغي على جو بايدن دعوة الجمهوريين المعتدلين للإنضمام إلى إدارته، ربما في المناصب الوزارية. فمن خلال القيام بذلك، سيرسل بايدن رسالة واضحة مفادها أنه لا يتطلع إلى تسوية النتيجة مع خصوم الحزب ولكن للتأكد من أن الجمهوريين المعتدلين يشعرون بأنهم ساهموا في أي نتيجة ناجحة لسياسات الإدارة الجديدة من أجل مصلحة البلاد.

بدون ترامب في البيت الأبيض، العديد من المعتدلين الجمهوريين الذين اختلفوا معه حول مجموعة من القضايا ولكنهم كانوا يخشون التحدث علنا، سيكون لديهم الآن الحرية في التعاون مع الديمقراطيين حتى لو احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على مجلس الشيوخ. إنهم لا يريدون فقط أن يخلصوا أنفسهم. إنهم يفهمون الحاجة الماسة والضرورة الملحة للعمل على وضع البلاد على طريق الإنتعاش والشفاء.

المواطنة المشاركة
العنصر الحاسم الثاني في الإنتعاش هو المواطنة النشطة والمشاركة التي يجب أن تجعل أصواتها مسموعة وتبقى حازمة بلا هوادة حتى تضع الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات خريطة طريق واضحة لمعالجة الكثير من العلل في البلاد. وتقدم الإحتجاجات المثيرة للإعجاب التي لا تزال تجتاح البلاد بسبب وحشية الشرطة – التي أثارها الموت المأساوي لجورج فلويد – مثالاً هامًا على كيفية قيام المواطنين المسؤولين بفرض التغيير – في هذه الحالة إصلاح أقسام الشرطة لوضع حد للتمييز والوحشية ، وخاصة ضد السود.

ومع ذلك ، لا يمكننا معالجة الكثير مما تعاني منه أمريكا اليوم قبل القضاء التام على جائحة فيروس كورونا والبدء في العملية البطيئة والمؤلمة للإنتعاش الإقتصادي. ينبغي أن يتدفق الملايين من الشباب وكبار السن الأمريكيين إلى الشوارع مطالبين إدارة ترامب بتعبئة جميع الموارد الوطنية ووضع خطط شاملة تستند إلى العلم لوقف آفة الفيروس.

وعلى الرغم من أنه من غير المرجح أن يخرج ترامب بأي خطة من هذا القبيل ، فإن الإحتجاجات السلمية الضخمة ستعزّز من الرفض الشعبي العام لفشله الذريع (الذي ظهر من خلال إنكاره لسرعة الفيروس وانتشاره) الذي كلف حياة 150.000 أمريكي ولا يزال في إزدياد. أنا أضع النبرة على الإحتجاج السلمي لأننا لا نريد إعطاء ترامب أي عذر لإرسال قوات اتحادية لقمع الإحتجاجات بحجة حماية الممتلكات الفيدرالية على غرار الرعب الذي إنتشر في بورتلاند ، ولاية أوريغون.

وشرح ما قيل، سيحتاج بايدن كرئيس إلى دعم عام لتمرير أي مشروع قانون شامل، الأمر الذي قد يتطلب دعم بعض الجمهوريين في أي من المجلسين. وبالنظر إلى تجربتنا على مدى السنوات الأربع الماضية، لا يمكن للجمهور الأمريكي أن يتحمل السلبية. ففي التحليل النهائي تقع السلطة الحقيقية على عاتق الشعب والشعب الأمريكي وحده هو القادر على الإطاحة بترامب من السلطة والشروع في عملية التجديد.

التجديد الروحي
المكون الثالث الحيوي مثل انتعاشنا الإقتصادي هو التجديد الروحي لاستعادة مكانة أمريكا الأخلاقية حيث أنها انحسرت بشكل كبير منذ وصول ترامب إلى السلطة. والواقع أن ما جعل أمريكا عظيمة هو التزامها بحقوق الإنسان بغض النظر عن اللون أو العقيدة أو الدين أو العرق. أجل، إلتزامها بالحرية والمبادئ الديمقراطية ومكانتها الأخلاقية القوية.

هذه هي القيم التي سندت أمريكا. نعم ، إن البراعة الإقتصادية والعسكرية والتكنولوجية لها أهمية كبيرة ، لكنها ليست كافية للحفاظ على عظمة أمريكا. وتاريخيا، انهارت الإمبراطوريات بسبب الفساد المتفشي والإنحلال الأخلاقي المتربّع في القمة. ترامب ، الذي جاء إلى السلطة بشعار “جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” ، يضعف بشكل خطير الركائز نفسها التي ترتكز عليها عظمة أمريكا.

وخلال الحملة، سيتم مناقشة قضايا الرعاية الصحية وتغير المناخ والأجور والبنية التحتية والضرائب والعديد من القضايا الأخرى التي تهم كل أمريكي. لقد قدّم بايدن العديد من الخطط الشاملة التي تعالج هذه القضايا. لكن في نهاية المطاف تدور الإنتخابات حول روح أمريكا ، ولهذا الغرض فإن هزيمة ترامب شرط أساسي مسبق. “دعونا نقف معًا” ، كان شعار جون ف. كينيدي “مع الثقة المتجددة بقضيتنا – متحدين في تراثنا من الماضي وآمالنا في المستقبل …”

نحن بحاجة ماسة للوحدة والمشاركة العامة والتجديد الروحي لإعادة اكتشاف الإيمان بقدرتنا على التغلب على أي محنة والإنتصار.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني