الرأسمال اللامادي في النموذج التنموي الجديد

رضوان سند باحث في القانون الخاص
حاصل على ماستر علوم جنائية
تمهيد

حث جلالة الملك محمد السادس على ضرورة الاستثمار في الجوانب اللامادية للرأسمال البشري و جعله ضمن أولوية الأوليات في بلورة وتنفيذ السياسات العمومية الاجتماعية .
وذلك أنه إذا كانت بلادنا قد بذلت مجهودات جبارة في ميدان الاهتمام بالطفولة المبكرة، من خلال تقليص نسبة الوفيات لدى الحوامل والأطفال، وكذا نسبة تأخر النمو وتحسين التغذية، والاستفادة من التعليم الأولي والخدمات الصحية لهذه الفئة، فإن الواقع لا يزال يعرف عجزا ملموسا على هذا المستوى، بفعل ضعف التنسيق في إعداد السياسات العمومية، وغياب الالتقائية والانسجام في التدخلات، والذي تزيد الفوارق المجالية والاقتصادية والاجتماعية من حدته.
و لما كانت هذه الوضعية مزمنة، فإن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ، بحكم الطابع الأفقي لتدخلاتها، ودورها كرافعة رئيسية للتنمية الاجتماعية، تعتبر نموذجا يحتذى به لتوحيد مختلف الجهود، وتعزيز آليات المسار التشاركي على المستوى الترابي، وتنسيق السياسات العمومية، في إطار استراتيجية محكمة المراحل، متعددة الواجهات، متكاملة الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والتربوية و الثقافية، ناهيك عن أن العنصر البشري مهم جدا في تنزيل جميع المشاريع التنموية التي خطها المغرب في نموذجه التنموي الحالي الجديد .
و يأتي هذا الاهتمام بالعنصر البشري في سياق حقوق الفرد منذ الطفولة الى الشيخوخة ، إذ لا يرجى لسياسة النجاح اذا لم تجعل الإنسان في صلب اهتمامها منطلقا و منهجا و غاية .
لهذا إطلاق المغرب للمرحلة الثالثة للتنمية البشرية قد جاء خارجا عن المنوال الذي كانت عليه المراحل السابقة، بحيث لابد من المراهنة على العنصر البشري الذي يعد مدخلا حقوقيا مهما لبلد يتقدم شيئا فشيئا نحو الاقلاع التنموي المنشود، إذ وصف جلالته المرحلة التالثة بأنها هندسة جديدة، تروم النهوض بالرأسمال البشري للأجيال الصاعدة، عبر التصدي المباشر، وبطريقة استباقية، للمعيقات الأساسية التي تواجه التنمية البشرية للفرد، طيلة مراحل نموه، وكذا دعم الفئات في وضعية صعبة، وإطلاق جيل جديد من المبادرات المحدثة لفرص الشغل، وتطوير الأنشطة المدرة للدخل .
و تبعا للخطابات الملكية و للتصريحات الوزارية حول الرهان البشري بما فيها تصريح نور الدين بوطيب، الوزير المنتدب لدى وزير الداخلية على هامش الرسالة الملكية السامية بهذا الخصوص، بأن أساس النموذج التنموي الجديد الذي تعتزم المملكة إقراره، لا يمكن أن يكون شيئا آخر سوى تعزيز الرأسمال البشري، بحيث أن لاستثمار في الجوانب اللامادية للتنمية البشرية يشكل المنطلق الحقيقي لبناء مغرب الغد ، فإن عنواننا الذي اخترناه لمقالنا هذا توخينا منه تسليط الضوء على حقيقة هذا الارتباط بين النموذج التنموي الجديد و الرأسمال اللامادي ، محاولين ابراز مفهومه الذي لطالما اتى ملتبسا مما يخلق اضطرابا في معانيه وممارسته.
و تأسيسا على ما سبق فإني أرتئي التطرق بخصوصه الى مستويين و هما:
– الفقرة الأولى: مفهوم الرأسمال اللامادي بين البنك الدولي و النموذج التنموي الجديد
– الفقرة الثانية: رهان الطفولة المبكرة كرأسمال لامادي في النموذج التنموي الجديد

الفقرة الأولى: مفهوم الرأسمال اللامادي بين البنك الدولي و النموذج التنموي الجديد
لا مناص من أن نجاح لجنة النموذج التنموي في استجلاء خارطة الطريق نحو تحقيق التنمية المستدامة يعد أمرا صعبا لا مستحيلا، و لن يتسنى له هذا المبتغى النبيل إلا بمايلي:
– تثمين واستثمار مختلف مكونات الرأسمال المادي واللامادي.
– و بإشراك واستنفار همم كل المثقفين والفاعلين الأساسين والوطنيين الغيورين ذوي القدرة والكفاءة والإرادة الحقيقية،
و ذلك بهدف الارتقاء بالمواطن المغربي إلى:
– درجات أقصى من شروط العيش الكريم،
– وتمتيعه بمقومات العدالة الاجتماعية والقضائية والمجالية،
– وضمان حقوقه وحرياته الفردية والجماعية.
و كل ذلك في انسجام وتناغم تام مع دولة الحق والقانون، استنادا إلى دستور المملكة الشريفة، استجابة لحاجيات الحاضر، مع الحفاظ على ما يمكن أن يحقق حاجيات الأجيال القادمة والحفاظ على كل الموارد الحالية بشأن ذلك.
لذا لابد من الإشارة الى أن الحياة بمثابة سلسلة زمنية متوالية كل حقبة تمثل حلقة بافكارها و احداثها، كما لو كانت الاختيارات التنموية الكبرى المنشودة التي تستهدف توجيه وهيكلة السياسة العامة والسياسات العمومية والقطاعية في مختلف المستويات الاجتماعية ، الاقتصادية ، الثقافية ، الحقوقية ، السياسية و الإيكولوجية وغيرها.
و بناء عليه، فمسار السياسات التنموية يأتي منضبطا للأصالة والانسجام التام مع مقومات الهوية الوطنية، وخصوصية التجربة المغربية، ذات التراكمات الحضارية مع الانفتاح الإيجابي على التجارب الكونية الفضلى ، كما تأتي مراهنة على نهج الاستثمار الأمثل للرأسمال المادي والرأسمال غير المادي -البشري والاجتماعي والمؤسساتي والرمزي- ، على حد سواء، دون استنزاف لأي جزء منها .
و الرأسمال غير المادي للبلد يتمثل في قياس للرصيد التاريخي والثقافي والبشري والاجتماعي، ودرجة الثقة ومستوى الاستقرار، وجودة المؤسسات، وقوة الابتكار والبحث العلمي، وتنوع الإبداع الثقافي والفني وجودة الحياة والبيئة..
و اذا كان البنك الدولي عمل جاهدا على تأطير الرأسمال اللامادي مفاهيميا بالاشارة الى ابرز مكوناته التي لا يمكن أن تخرج عن تلاث، بحيث تتمثل في رأسمال بشري الذي من أبرزه فئة الشباب اللازم الاعتناء بهم ، بتقوية قدراتهم وتطوير معارفهم وتأهيل مهاراتهم، مع التركيز على مجالات الابتكار والتكنولوجيا والاستثمار في البحث العلمي وفتح وتنويع الآفاق للحد من هجرة العقول للخارج.
ناهيك عن رأسمال مؤسساتي، و الذي يضم معايير مؤسساتية و قوانين خلاقة وسياسية تهم مرافق تقدم خدمات القرب للمواطنين بجودة وكفاءة عالية وكذا قيمة الميزانيات القطاعية المرصودة لذلك.
ومن ثم وجب الاهتمام بمنظومة الحكامة الجيدة في التدبير والتسيير، اضف الى ذلك استلزام تحقيق العدالة المجالية في توزيع المؤسسات الاجتماعية وتقريب الخدمات الأساسية لعموم المواطنين والمواطنات.
فضلا عن رأسمال اجتماعي ، بما يحمله من معنى الموروث الثقافي المغربي الغني بمخزونه الحضاري، و نتائج البحوث الإثنولوجية والأنتروبولوجية لتصحيح بعض الاتباسات المفاهيمية و الفكرية التاريخية في اطار السياقات الثقافية. و هنا يتعين القول بأنه يجب تعزيز بنية القيم في المجتمع من تكافل وتطوع وتسامح وحب الوطن واحترام الآخر … عبر كل مؤسسات التنشئة الاجتماعية التعليمية والدينية والإعلامية والتنظيمات الكشفية والجمعوية.
فإذا كان أمر الرأسمال اللامادي كذلك فماهو الا لأهميته القصوى في بلوغ المرامي التنموية المتنوعة للنموذج التنموي و السياسات العمومية التنموية، و من تم نجد جلالته لا يتوانى في التنبيه الى هذا المرتز اللامادي باعتماده في سائر المخططات و القارات المتخذة او المزمع اتخاذها مستقبلا.
ولكن السؤال الذي نثيره هنا هو هل النموذج التنموي الجديد الذي أعد مقتضياته السيد شكيب بنموسى ينطوي على إشارات قوية للرأسمال اللامادي شاملا مختلف الأعمار و شتى الاطياف بالمجالين القروي و الحضري؟
الفقرة الثانية: رهان الطفولة المبكرة كرأسمال لامادي في النموذج التنموي الجديد و بعض نقائص المشوب بها هذا النموذج
بالفعل الطفولة المبكرة هي التزام من أجل المستقبل وكان جلالته قد ثمنها بمناسبة مبادرة تنظيم الدورة الأولى للمناظرة الوطنية للتنمية البشرية تحت نفس الشعار الانف الذكر معربا عن أمله في ان يحظى هذا الموضوع بما يستحق من الدراسة والتحليل، وذلك لانه يستمد أهميته وراهنيته من العناية الخاصة، التي ما فتئنا نوليها للنهوض بأوضاع الطفولة، باعتبارها عماد المجتمع، وقاطرة المستقبل، من أجل تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة ومندمجة.
كما يندرج هذا الموضوع في إطار الجهود المبذولة للنهوض بالعنصر البشري، في سياق الإصلاحات الكبرى التي تشهدها بلادنا، ولاسيما على مستوى منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي و بما تضمنه مشروع النموذج التنموي الجديد
و تتجلى اهمية التصور الجديد للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، في جعل الاستثمار في الجوانب اللامادية للرأسمال البشري أولوية الأوليات، باعتبارها منطلق الإصلاح، وقاعدة بناء المستقبل،مما ينبغي معه تعميم هذا التوجه في بلورة وتنفيذ السياسات العمومية الاجتماعية، من أجل إيجاد حلول ناجعة للمشاكل الحقيقية للساكنة، من خلال اختيار أفضل المقاربات، وابتداع أنجع السبل الكفيلة بتجاوز معيقات التنمية البشرية الشاملة.
و اذا كنا نتوافق في أن تثمين الرأسمال البشري والرهان على تطويره من خلال توفير سياسات أفقية تتسم بالالتقائية والاستمرارية، هو المدخل الأساسي لتقدم الدول، وترقيها في سلم التنمية البشرية، معتبرين أن الطفولة المبكرة تعد الفترة العمرية الأكثر حساسية لتحقيق هذا التقدم فيلزم -بالضرورة – تحسين النظام الصحي، عبر الاهتمام أكثر بصحة الأم والطفل، بما يضمن العدالة والإنصاف مستقبلا في الولوج للخدمات الاجتماعية، وكذا توفير عرض متجانس للتعليم الأولي وتعميمه، خاصة بالمجال القروي، لمحاربة الهدر المدرسي، فضلا عن تنظيم حملات للتوعية والتحسيس في صفوف المستهدفين بأهمية هذا الموضوع، وانعكاساته الإيجابية على الطفل والأسرة والمجتمع، وذلك في انسجام مع

التوجيهات المضمنة في رسالتنا السامية، الموجهة إلى المشاركين في اليوم الوطني حول التعليم الأولي بما اشار اليه المضمون الملكي لرسالته.
ولهذا نجد أن النموذج التنموي الجديد قد أتى بجوانب تهم الحكامة والتمويل والتكوين، من أجل الارتقاء بجودة الخدمات، وتشجيع روح المبادرة والإبداع، ونشر الوعي لدى الفئات المستهدفة .
و اذا كان جلالته قد اشار في رسالته أن تلك الجوانب من الاهتمام ما هي الا مجرد بعض المقومات الأساسية لنجاح هذا التوجه الاجتماعي الجديد، الذي يجعل من تنمية الجوانب اللامادية خيارا لا محيد عنه، من أجل كسب رهان هذه المرحلة الحاسمة في نمو الفرد، وضمان انفتاحه على المستقبل، في إطار من التوازن والعدالة والإنصاف، بعيدا عن معيقات الفقر والإقصاء الاجتماع، فهو يعلم علم اليقين أن هناك مدخلات و مخرجات يمكن اعتمادها لتقويم النموذج التنموي اذا ما ظهرت فيه بعض النقائص ، و قد ننتهز الفرصة هنا للاشارة الى أن الاهتمام بالطفولة المبكرة كمجال ينطبق عليه الرأسمال اللامادي أنه يحتاج الى نظرة واسعة لا تتوقف فقط عند المقتضيات التي شملها النموذج التنموي، لان الواقع مازال اكبر مما اقتصر عليه هذا الاخير.
– و لعلني أشير هنا إلى الاشكالات التي لم يتمكن النموذج التنموي احتواءها و التطرق إلى جوانبها مما يؤثر سلبا على استثمار الرأسمال اللامادي نجد الاشكال الثقافي بين الخصوصية و الكونية، سيما و أن الثقافة و التنمية هي ثنائية مهمة .
و ذلك أن أن ثنائية الثقافة والتنمية انتبه إليها المغرب من خلال أعلى سلطة في البلاد، جلالة الملك محمد السادس، بحيث تناولت مجموعة من الخطابات الملكية أهمية الرأسمال اللامادي في تحقيق التنمية، وضرورة بلورة نموذج تنموي جديد مغربي-مغربي ينطلق من خصوصياتنا المغربية، ويستلهم فقط من التجارب الدولية، وكذا الارتقاء بالموروث الثقافي وإطلاق تنمية جهوية تعتمد على تأهيل الموارد الجهوية وتطويرها.
و من تم فكل هذه العناصر تدفعنا الى تسليط الضوء على النموذج التنموي ووضعه محل المساءلة و النقاش ، سيما و ان غياب هاته العناصر في المشروع التنموي و عدم ملامسة هذا الاخير اياها يجعل منه مشروع غير نموذجيا و لا ناضجا.

و زيادة في البيان ، فإن إثارتنا لهذا النقاش ينطلق اساسا من إشكال جوهري، الذي يتمثل في عدم تمكننا من الحسم في النموذج المجتمعي، بحيث ما زلنا منذ الاستقلال مرهونين بثنائية الانفتاح-المحافظة ، التي ترخي بظلالها على جميع النقاشات العمومية في المغرب، وتدخلها في نفق الأيديولوجيا، في الوقت الذي ينبغي أن يكون أحرى بها اللجوء الى البحث عن التوافقات المجتمعية والالتفاف حول المشترك المغربي . لاسيما و أن هذا النموذج الثقافي المغربي قد تمخضت عنه عدة مبادرات تعززه، مثل موقف المجلس العلمي الأعلى من الأمور المرسلة والحسم في عدم وجود دولة دينية في الإسلام، وإنما دولة مدنية؛ وأيضا الحسم في مسألة المساواة بين الرجل والمرأة في المهن الدينية من خلال السماح للمرأة بمزاولة مهنة العدول، ومواقف أخرى لم يسع المجال لذكرها هنا، و التي نرى – متاسفين – انها لم تستثمر بالشكل الجيد لبناء أرضية قيمية صلبة تساعدنا على الحسم في اختياراتنا المجتمعية الثقافية؛ كما لم يرافقها عمل كافي من طرف وسائل الإعلام والمجتمع المدني والمفكرين والمثقفين من أجل التعريف بهذه المكتسبات والاجتهادات وتعزيزها في اعداد مشروع نموذج تنموي يراعي بشكل جيد الخيار الثقافي المجتمعي كمحدد للرأسمال اللامادي، خاصة و أن البعد الثقافي ليس احترامه لذاته و انما تكون له عائداته المادية و يسهم في الاقلاع الاقتصادي عامة و السياحي خاصة.
و انما قولنا ان الثقافة راسمال لامادي ثمين يسهم في تحقيق التنمية فذلك نابع من حقيقة تجريبية دولية جسدت ذلك بحيث انه ثمة هناك مجموعة من النماذج الدولية استطاعت تحويل الثقافة إلى رافعة للتنمية الاقتصادية وصارت مصدرا للازدهار الاقتصادي، بحيث ساهم الاستثمار في الموروث الثقافي لفرنسا واسبانيا وإيطاليا في الرفع من معدلات مداخيلها السياحية ، فضلا عن ان زيارة معالمها الثقافية مكنها من جني عائدات مالية تفوق أحيانا عائدات الدخل القومي لمجموعة من الدول النامية، علاوة على أن مداخلها من الصناعات الثقافية والمهن المرتبطة بها تجاوزت في كثير من الأحيان مداخيل قطاعات الصناعات الصلبة، خصوصا في أوروبا حيث شغلت المهن الثقافية أزيد من 8 ملايين شخص.

و نود ان نشير الى ان البعض قد يقف متفرجا على ازمة لاحقة ببلاده فيما الدول المتقدمة نجدها قد عانت فعلا من اشتداد الخناق على عدد من الدول الأوروبية بسبب تداعيات الأزمة الاقتصادية لكن في نفس الوقت تجاوزت مرحلة و موقف المتفرج على جراحه الى مرحلة المبادرة في التخطيط و السياسة التنموية القائمة على البعد الثقافي فنبهت هذه الدول إلى تطوير العامل الثقافي وتوجيهه في اتجاه خلق الثروة والتنفيس على الاقتصادات وهو ما دفع مدنا عالمية مثل باريس ولندن وروما وطوكيو إلى إنشاء منتدى للمدن الثقافية والذكية منذ سنة 2012 والتي وضعت معايير محددة من أجل أن تدخل مدينة في حظيرة المدن الكبرى المستقبلة للسواح.
و و في سياق دفاعنا عن ضرورة ايلاء اهمية البعد الثقافي في المشروع التنموي النموذجي تكريسا للراسمال اللامادي فنورد معيارا مهما اظنه يعد من بين معايير المدن الثقافية والذكية الا وهو معيار ثقافة التسامح الديني، وهو المعيار الذي كان المغرب سباقا إلى اكتساب خبرة تاريخية فيه بحيث لم يعرف العالم نموذجا للتعايش الديني والإثني واللغوي أكثر تسامحا وأخوة من النموذج المغربي الذي احتضن في مجتمعه المسلمين واليهود والمسيحيين وحافظ على خصوصيات كل فئة منهم مع مساهمة الجميع في مختلف مظاهر الحياة العامة.
ونعطي في هذا السياق نموذج عن الخبرة المغربية في تدبير التسامح حفل ميمونة الذي يعتبر مظهرا من مظاهر الاحتفال الذي أبدعه المغاربة مسلمين ويهود وأصبح احتفالا عالميا لليهود المغاربة أينما كانوا في العالم.
لكن السؤال الذي يمكن اثارته هنا هو ان الراسمال الثقافي الذي يعد جزءا مهما ضمن الراسمال اللامادي احيانا يصعب استثماره في ظل غياب التشجيع على الراسمال الابداعي الذي يضيف بصمة معاصرة الى المعطى التقليدي المتاح فتتحقق بوادر التنمية و تلوح في الافق العولمي
و ذلك انه بالعودة إلى الأسباب التي تجعل المغرب على الرغم من توفره على غنى ثقافي كبير وموروث عريق وتعدد واسع، بعيدا عن الدول الرائدة في الاستفادة من الثقافة في التنمية، نجد غياب سياسة عمومية ترمي إلى المحافظة على التراث المادي وتحويله إلى بضاعة تدر الدخل على الجميع، والاستفادة من الخصوصيات الفريدة التي يتمتع بها المغرب وتقديمها في قالب عصري تسويقي قادر على جذب السياح والاستثمارات. مما يستلزم – لتحقيق هاته الغاية – توفير رأسمال أخر إلى جانب الرأسمال اللامادي، لتحقيق التنمية عبر الثقافة، وهو الرأسمال الإبداعي، أي القدرة على ترجمة الموروث الثقافي اللامادي إلى ثروة مادية تحقق الازدهار للمغاربة.
و سيرا على هذا النهج الذي اغفله النموذج التنموي الجديد و الذي اشار جلالته بانه مشروع فاشل فنشير الى ضرورة الاهتمام الاكاديمي بالمهن الثقافية وتكوين مهني للمتخصصين في مختلف المجالات المرتبطة بالثقافة من ناحية العمل و الممارسة الميدانية الحقيقة، وابتكار أساليب تواصلية تجعلنا ندخل إلى العولمة ونحقق جاذبية ونرسم صورة ثقافية مشرقة تنعكس على التنمية في بلادنا.
و جدير بالذكر ان الجالية لتعد بحق مجالا لهدم التطاحن الهوياتي الايديولوجي و استثمار للراسمال اللامادي
فالجالية المغربية التي تعيش أساسا في أوروبا استطاعت بالرغم من عيشها في بلدان حداثية متقدمة الحفاظ على ثقافتها المغربية وهويتها الوطنية، من دون أن يكون هناك تنافر بين الاندماج في مجتمع عصري والحفاظ على الموروث الثقافي.
بل أن الجالية تلعب دور الرافعة من خلال التعريف بالنموذج الثقافي المغربي في العالم سواء عبر المطاعم المغربية أو اللباس أو الموسيقى أو الاحتفالات، ومغاربة العالم بهذا يمكن ان يمثلوا سفراء للموروث الثقافي فيمكن أن نعول عليهم في المساهمة في التعريف بالمنتوج اللامادي ، في المجتمعات التي يقيمون فيها، وباللغات العالمية التي يعبرون ويبدعون بها.
– هذا النقيصة الأولى في المشروع التنموي النموذجي الجديد المتعلق بغياب المركب الثقافي المتكامل العناصر ، أما النقيصة الثانية فيمكن التمثيل لها بالتعليم الذي لم يتم تناوله بالشكل المتكامل المطلوب ، بحيث اولى النموذج التنموي اهتماما كبيرا بالتعليم الخصوصي على حساب التعليم العمومي مما يضطره الى تغييب الراسمال القيمي و الحقوقي الى جانب غياب مفهوم الكفاءات
و ذلك ان قيمة العدالة كثروة لا مادية التي نبحث عنها لن تتحقق لا من خلال توزيع الثروة ولا عبر غيرها، لطالما و أن القطاع العمومي لم يتمكن من منافسة قطاع يتلقى دعما كبيرا في الداخل والخارج، كما يساهم الفشل المتواصل والسكتات المقصودة وغير المقصودة التي تكتنف بعض القطاعات العمومية، من تردي خدماتها وفقدان الثقة فيها..
وهذا ما يدعم ويبرر أيضا تيار الخوصصة شعبيا، كما أن الخوصصة في بعض القطاعات الاستراتيجية كالتعليم والصحة، يعد توجها سلبيا على كل المجتمع،
فضمان عمومية قطاع التعليم والصحة، هو ضمان قيمة المساواة كراسمال لا مادي أمام كل أبناء الشعب، فلا يمكن المقارنة بين الشعب الامريكي والمغربي في هذا الشأن، فالمغاربة في حاجة ماسة الى الدولة.
فالتعليم مثلا يعد منبعا محوريا للامساواة واللاعدالة، ويتعمق ذلك بوجود القطاع الخاص الذي يعمل على ترجمة متطلبات النخب العليا،
في حين يعمل القطاع العام على الإستجابة لمتطلبات لا تنسجم والواقع المعاش، وينتج أطرا لا تنطبق كفاياتها وقدراتها مع الواقع، فهو يرسخ الإغتراب الثقافي والمهني، والحال أن القطاع الخاص هو الآخر يحمل معوقات خطيرة، متمثلة في كونه معقل من معاقل ترسيخ الفرانكوفونية بأبعادها الشاملة، ويكرس فعل الهيمنة، ويخرج أطرا تفتقد إلى حس المواطنة، والوعي التاريخي…
ومهما تكن الحيثيات فإن القول بالتوزيع العادل للثروة يبقى أشبه بحلم لن يتحقق أبدا، لآن العلاقة بين القطاع الخاص والعام ليست علاقة تنافسية وتدافعية كما في العديد من البلدان، ولكنها علاقة إحتكارية، يحتكر فيها القطاع الخاص النفوذ والهيمنة، مما يخوله مستقيلا القدرة على ازاحة واعدام ما تبقى من عمومي،
فالقطاع الخاص فعال في الدول التي تمتلك قطاعا عموميا قويا قادرا على المنافسة، وهذه القاعدة مهمة لكل الدول النامية، فلا رأسمال بشري في ظل الإحتكار وتغليب أمر الواقع على المصلحة العامة.
قد يقول قائل إنه يمكن تفعيل اجراءات إجتماعية لصالح الشرائح الاجتماعية الهشة وهو ما يظهر في المغرب من خلال التفكير في وضع السجل الإجتماعي، كما أن إعتماد بطاقة رميد ودعم الأرامل وغيرها سيمكن من التقليص من آثار الخوصصة عليها، والحال أن هذه الاجراءات تظل غير ذي وقع قوي، نظرا لمحدوديتها كميا وكيفيا، ونظرا لطبيعة المجتمع المغربي المعقدة، كما أن الطبقة المتوسطة هي التي ستدفع الثمن في نهاية المطاف وستتعزز الفوارق بين نخب توجه لها إستثمارات قوية وفئات تعيش على إعالة معاشية من طرف الدولة، ويغيب فيها الإدخار والحركية الإجتماعية الصاعدة، وبدون طبقة وسطى حقيقية في المغرب وطموحة لن يمتلك المجتمع من توفير التدافع اللازم للتقدم والرقي..
– و نضيف ايضا الاشكال المتمثل في المدرسة الوطنية التي زاوجت بين زرع الاغتراب و و البعد عن المحيط ضد التعزيز للراسمال اللامادي ،
وذلك لأن المدرسة الوطنية تشكل في الاساس عماد التغيير والتقدم في اي مجتمع، وفي المغرب ترتبط المدرسة بالنخبة المثقفة وتنتج الأطر والكفاءات وليس هناك من مؤسسة اخرى تضطلع بهذا الدور.
وبالتالي فهي مؤسسة إستراتيجية وحيوية، ونظرا للمرامي الساعية لتعزيز الرأسمال البشري، فإن ذلك يقتضي تعزيز دور المدرسة والرقي بها، وتنويع عرضها وضمان جودتها.. كما ينبغي ربط المدرسة بمحيطها.
وعلى الرغم من أن المدرسة الوطنية عرفت تدخلات شتى، أتت تحت شعار اصلاح التعليم إلا أن معظم هذه التدخلات باءت بالفشل، فباستثناء البعد الكمي للتمدرس ظلت المدرسة الوطنية تعيش اعطابا خطيرة، ليس فقط في تدني مردوديتها، بل في دورها في زرع الاتكالية والاغتراب وعدم المساهمة في التغيير، ونظرا لنسبة الامية المرتفعة، وكذا الامية الثقافية والحضارية، المتمثلة في النظرة العرفية الإنسان والوجود والعالم، والتي تكبح الفكر العقلاني والتحرري، كما تعمل المدرسة على تخريج جيش من المعطلين والعاطلين، وارغامهم على الانخراط في اعمال لا تنسجم وتخصصاتهم، فيغيب روح العمل وحب العمل، وينتشر التذمر واليأس والرغبة في وطن مختلف ومغاير، كما تحتل الجامعات الوطنية رتبة متآخرة جدا على الصعيد العالمي والعربي، ومعظم البحوث المنتجة إما تبقى دون المستوى المطلوب، او تتعرض للنسيان والتلف، وذلك مرده إلى غياب الدعم المخصص للبحث الجامعي وضعف التأطير. والانفصام الحاصل بين الجامعة والمحيط، فما الفائدة من بحوث لايمكن استثمارها في الواقع؟ وما فائدة التخطيط والتقرير الذي لا ينبني على البحث؟ زد على ذلك تفشي ظاهرة الغش والزبونية والمحسوبية، والفاقة التي يعاني منها العديد من الطلبة والباحثين والتضييق عليهم، إن إعادة ربط المدرسة والجامعة بمحيطهما، يطرح مشكلة كبيرة، من الذي يجب ربطه بالاخر؟ يرافع أهل المسؤولية أن للمدرسة خصوصا والجامعة عموما يجب أن تستجيب لمتطلبات سوق الشغل، ولكن من يعبر عن الواقع هل سوق الشغل، ام المدرسة؟ وهل المجتمع يستجيب لحاجيات المدرسة، والتغييرات التي تحاول أن تجد موئلا لها في المدرسة وحدها غير كافية، بل إن المجتمع أيضا يفسر الضعف الذي شاب المدرسة الوطنية، وبنية المجتمع عامل مهم لفهم حاجيات كل مجتمع، فحاجيات المجتمعات المتقدمة تختلف عن حاجيات المجتمعات النامية، ان ظاهرة المدرسة في المجتمع المغربي، ظاهرة معقدة، فالمدرسة تسير في سيرورة التقدم، لأنها تزود المتعلمين بالفكر المنهجي والنقدي وتنزاح نحو العقلانية بينما المجتمع تحكمه ضوابط عرفية وقيمية تنزاح نحو المحافظية والانغلاق وتبرز ضعف جودة الهندسة الإجتماعية، وماذا نريد أن ننتج نحن؟ العقلانية ام اتجاه المحافظين، وهذا ما يفسر الغربة التي يعيشها العديد من المتعلمين والاطر، خاصة أصحاب الثقافة العالمية والقيم الانسانية، ويُوقعهم في صدام خطير، يعمل على تحطيم القدرات الابداعية وتبخيس الإبتكارات مما يفسد الطاقات ويهدرها، خاصة مع عدم توفر فرص الشغل للعديد منهم وبقائهم تحت اعالة الوالدين والأسرة أي غير مستقلين.

بل ان ما يثبث ان هؤلاء على الرغم من الاعتبارات الضيقة للكفاءات يمتلكون مؤهلات قابلة للاستثمار هي تمكنهم في الاندماج في سوق شغل اجنبية بسهولة، اما كمهاجرين شرعيين او غير شرعيين، وان ربط المجتمع بالمدرسة هو اصح تعبير واقوم، يجب على المجتمع أن ينفتح على المدرسة والجامعة، وهنا ينبغي للاعلام والمؤسسات أن تقوم بدورها في هذا الصدد.
– اشكال منهجي يمكن ان يؤثر في صياغة نموذج تنموي يراعي فلسفة الراسمال اللامادي
و نوضح هذا الامر بالقول ان النموذج التنموي القديم كان قد طبعه فشل ذريع لغياب اطراف في اعداد مضامينه وكذلك حاليا في النموذج التنموي الجديد كان هناك اشكال منهجي في مقاربة الجوانب التي تضمنها المشروع المستقبلي
فاذا كان الفشل الاول تحمله الجميع سواء شاركوا ام لم يشاركو في اعداده ، بحيث تحملته كل من النقابات والمؤسسات والأحزاب والجمعيات والأثرياء و حتى النخب المسيرة للبلاد فانها احرى بها ان تستفيد من الدرس و تطالب باشراكها بل ينبغي اشراكها من قبل اللجنة لتدلي بدلوها في الموضوع سيما الاحزاب كمؤسسة مهمة مهما حصل لها من فتور في ضعف دورها في سياقات التنمية المرجوة
تمنينا لو انها شاركت هاته المؤسسة و غيرها من الفاعلين التي سبق ذكرهم او التي لم نشر اليهم في إعداد هذا المخطط والنموذج التاريخي، الذي يجب أن يبتعد عن لغة الخشب وأن يكون قريبا من الشعب يلبي تطلعاته ويقفز به إلى مصاف الدول الصاعدة لكن للاسف هو الذي لم يحدث مما سيزيد من عمر الفشل مرة تانية ان لم يتم العمل على تدارك الامر
ولن يتسنى للجنة هذا الامر الا بعد اعتماد منهجية عمل دقيقة وواقعية ومدروسة بحيث يجب أن تنجز بطريقة علمية تحدد المعطيات بدقة للحصول على النتائج المرجوة مع تحديد العوائق بكل تجرد وخصوصا كيفية محاربة الفساد والمفسدين مهما كان موقعهم ومراكزهم وتحديد أنواع الفساد بدقة فليس نهب المال العام والريع وحده من يشكل عائق للتنمية ولكن الفساد الحزبي والنقابي والمؤسساتي الذي لا يقل خطرا عن الفساد المالي هو ايضا ينبغي مراعاته في المحاربة الناجعة و المعقولة مضمونا و شكلا ،سيما و ان دولتنا المغربية مشهود

لها عالميا بمحاربة الجريمة المنظمة العابرة للحدود والأخطار الداخلية و من تم حتما سيكون موضوع محاربة الفساد المالي سهل إن توفرت الإرادة الحقيقة لدلك.
و تبعا لذلك فان إشكال التنمية وإعداد النماذج القارة والمستدامة في هذا النموذج التنموي الجديد ليست بالمهمة السهلة ، فهي نماذج تتداخل فيها قطاعات عدة ، فهناك أشخاص في اللجنة منهم أعضاء في مجلس التربية والتكوين ورئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالرغم من أن أهداف المجلس الاقتصادي ولجنة النموذج التنموي تتشابه إلى حد كبير، لان إشكال تشابه المهام والاختصاصات غير صحي كإشكال وجود البرلمان ومجلس المستشارين ،لان تعدد المجالس يكلف الدولة أموالا كبيرة نحن في أمس الحاجة إليها فيؤدي هذا العائق المنهجي بنا الى الانعراج عن سكة الصواب حيث تدقيق عناصر و محددات الراسمال غير المادي في مختلف محطات و تواليف المشروع التنموي الجديد.
خاصة و ان بعض خبراء التنمية المستدامة قدموا درساتهم العلمية حول أن المعطيات أو كائنات النموذج التي تكون عشوائية وغير قابلة للقياس هي غالبا مرتبطة في الواقع بما هو اجتماعي وسياسي مما يستلزم معه ضرورة تغيير العقليات بشكل افضل خصوصا فيما يرتبط بطرائق تسيير الإدارات ، لان الظرفية الحالية ليست على ما يرام و ليست في المغرب وحده ولكن في أغلب الشعوب، نعم هي وضعية تستلزم درجة كبيرة من النزاهة والمصداقية في العمل ،في ضل عولمة قاصية وما وازاها من محدودية الموارد وتوغل الفساد ووعي الشعوب بواقعها في ظل سهولة انتشار المعلومة والخبر عن طريق المعدات الذكية وغيرها من الوسائط.
و هنا اود ان اشير في هاته الورقة النقدية التحليلية الى ان هندسة النموذج التنموي تتطلب من مسؤولينا سيما الساهرين على اللجنة المعنية بالنموذج التنموي جرأة وتواصل بعيد عن لغة الخشب خصوصا إرجاع المعاني للمؤسسات كالأحزاب والنقابات والجمعيات وتنقيتها وتطبيق القانون ،وإرجاعها إلى سكة العمل الصحيح والتخلص من كل الوجوه التي عمرت طويلا وطرد كل من تروم حوله شبهات الفساد وبالتالي إرجاع المعاني للمؤسسات عامل محدد وضروري. علما أن المؤسسات تبنى انطلاقا من احترام روح الدستور وتطبيق القانون، ولا مكان للتدخل في اختياراتها من أي طرف،كما أن أي مؤسسة مهما كانت يجب أن تخضع للقانون وتحترمه .

فهناك نقابات وأحزاب عريقة لا تعقد جموعها العامة في خرق سافر للقانون، كما أن الأحزاب والجمعيات التي تمول من دافعي الضرائب ،يجب أن تخضع للتدقيق ويجب أن تقوم بدورها الأصلي المتمثل في خدمة المواطنين في مجالات عدة .
ولمن يسأل ما علاقة الأحزاب بالنموذج التنموي، فانتخاب مجالس المدن والجهات الأحزاب من تخوضها. مما ينعكس على المحور الاهم بشكل كبير في النموذج التنموي اما ايجابا او سلبا .
علاوة على ان الشباب بدورهم لهم ارتباط وثيق و علاقة قوية بالنموذج التنموي الجديد علاقة ، خاصة و ان المغرب ما أحوجه إلى مجموعة إجراءات صريحة يتم تنفيذها، صحيح أن الشباب في اعتقادنا لم يعد تروقه الأفكار التورية أو الانخراط في الأحزاب بعدما فقدت دورها ولم تجدد نخبها كما اشرنا سلفا ، بحيث اصبحت أحزاب اليمين في العالم العربي ينظر إليها غالبا أنها إدارية ، و تجاوز الشباب الإيديولوجيات سواء اليسارية أو الإسلامية ، بعدما تشتت اليسار وفشل الإسلام السياسي في التسيير بعدما ألف الكراسي والمعاشات الضخمة وعندما تسأله يتحجج بالظرفية والعوامل الخارجية وأن التغيير لا يأتي جملة واحدة ،وهو هروب من المسؤولية .
ووليس بافضل دليل نقدمه هنا من انتخابات بنكيران كنموذج ، فالكل كان يرشح مرشح حزب العدالة و التنمية ذو التوجه الإسلامي وكذلك الرهان على حزب الاستقلال دو التوجه الليبرالي،فكانت النتيجة مغايرة لجميع التوقعات ،أنه حال الشباب العربي عموما الذي لم يعد يقبل أن يري الفساد والريع وتهمه المصداقية فقط. خاصة و ان الشباب و تاهيله يعد قطب الرحى في الاهتمام بالعنصر البشري و من تم تدعيم الراسمال اللامادي ناهيك عن المجتمع المدني الذي يحمل قيم الانسانية و روح التضامن دون العمل باجر، اي تطوعيا.
و يلزمني هنا ان اشير بان من أهم الركائز والدعائم التي يجب تسليط الضوء عليها بالقدر الكافي، من طرف اللجنة المكلفة بإعداد النموذج التنموي الجديد هو علاقة المجتمع المدني والعمل التطوعي بالمدرسة والجامعة المغربية.
لان جل خبراء التنمية البشرية يجمعون، أن العمل غير مدفوع الأجر والتطوع هو حجر الزاوية لإعداد مشاريع تنموية تستشرف المستقبل وتعين جيل قادرة على الإبداع والعطاء استثمارا للراسمال اللامادي ،خصوصا التعليم الذي يعتبر

كقضية وطنية ثانية كما اشرت سلفا بعد وحدتنا الترابية إلا أن الطامة مرة أخرى هو الفساد وهو ما رصده المجلس الأعلى للحسابات كالمخطط ألاستعجالي الذي كلف الملايير .
فالأصل هو أن تعيد اللجنة التي تعد المخطط الجديد بالتنسيق مع مجلس التربية والتكوين انكبابها على الأوراش الكبرى كإعداد مناهج ومقررات سليمة متوافق عليها ،فالمقررات لم تتغير مند 2007، وحل إشكال التعاقد .

فتنمية قطاع التعليم هي مسؤولية جميع القطاعات الوزارية وخصوصا السلطات الترابية ، كما أن توفير بنية بيداغوجية ورقمية تشتمل على كل الوسائط المعرفية الحديثة أصبح ضرورة ،شريطة أن لا تستني مدارس المغرب العميق .
فأعرق الجامعات العالمية أسست من طرف أشخاص هدفهم نشر العلم و المعرفة وتنمية الشباب ،فجامعة “السوربون” التي طالما تصنف ضمن أحسن 20 جامعة في العالم وكذلك جامعة “ستانفورد” العريقة خير دليل على ما اومأنا اليه انفا .
فاالعمل التطوعي و الإحسان العمومي الذي دعا إلى تنظيمه عاهل البلاد في أحد الخطب اذن يجب أن يكون من صلب أولويات اللجنة، فتشجيعه أساس كل تنمية و أن يعطى له أهمية بالغة ،من خلال تسليط الإعلام العمومي على ضرورته ، ويكون عنوان على مواطنة الأثرياء المغاربة ، فلطالما شملتهم الدولة بالعناية من خلال عدم فرض الضريبة على ثروتهم بداعي تشجيعهم على البقاء في المغرب وإنعاش الاستثمار.
و عكس ذلك ، فهناك دول كثيرة كفرنسا التي تفرض ضريبة على الثروة ،فقليل من رجال الأعمال من جهز كلية أو قام ببناء دور للطلبة، و كم من مجموعة تجارية و مصرفية و صناعية كبيرة قامت بتجهيز مدارس في أقاصي الجبال أو قدمت منح للطلبة، خصوصا بعدما أصبح السلم المجتمعي مهددا من صحة وتعليم ومرافق.
فبالعكس أصبحت بعض التجمعات الصناعية في الطاقة الدواء همها الأوحد الربح أما مفهوم الشركة المواطنة و للأسف فهو من قبيل الكلام الفارغ والشعبوي.

عموما يمكن القول لبناء النموذج التنموي المنشود انه يتعين إعادة النظر في الاختيارات السياسية والاقتصادية، والهندسة الاجتماعية والثقافية القائمة لانه كلها تدور مع الاهتمام بالرأسمال اللامادي وجودا و عدما ، كما ينبغي جعل الإنسان في صلب التخطيط التنموي واعادة النظر في التوجهات الداخلية والخارجية تبعا لما اشرنا اليه سلفا.

خاتمة

وخلاصة القول إذا كان النموذج التنموي يسعى إلى تشييد سبل الرخاء الاقتصادي بخلق الثروة وفرص الشغل، وتنمية الفرد وتطوير قدراته، وتحقيق الإدماج وتكافؤ الفرص والاستدامة… فالأمن والاستقرار هما أساس خلق الثروة، والثقة والمصداقية هما عماد تحفيز الاستثمار.
وأهم الاستثمار هو الاستثمار في الإنسان أولا وقبل كل شيء. ليبقى الرأسمال اللامادي عامل متقدم للإسهام في المسألة التنموية وتعميق مبادرات الإصلاح والقطع المطلق مع الممارسات اللاوطنية التي تضيع على المغرب الفرص الثمينة وتساهم في هدر الزمن التنموي.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني