أنصتوا لعدنان قبل إصدار الأحكام

بقلم : بوشعيب حمراوي
هلا منحتم لعدنان فرصة الدفاع والترافع الحقيقي عبر منصات أدمغتكم ؟ . اتركوه يكشف لكم قصور أدوار المجتمع في الاحتضان والرعاية والحماية.. ويسرد لكم تفاصيل ما جرى وسار بخصوص سلسلة الجرائم الشنيعة التي تعرض لها، وانتهت بمقتله. حتى تدركون أنه لا يمكن لفرد واحد أن يقوم لوحده بارتكاب تلك الجرائم. وأن الأمر يتعلق بشبكة إجرامية، وجب تفككيها وإيقاف كل أفرادها. عدنان لم يمت، وإن رحلت روحه، ووري جثمانه الثرى. فهو حي، يسكن دواخلنا، وسيبقى جاثما على قلوبنا وعقولنا. إلى أن نقوم بإنصافه. وإن كنتم تريدون القصاص لعدنان وأسرته. فالقصاص يتم بإيقاف كل أفراد الشبكة الإجرامية ومحاكمتها. وليس بإيقاف فرد واحد منها. والقصاص يتم بإصدار العقوبات على كل الجرائم المرتكبة في حق عدنان. وعقوبة الإعدام التي ينادي بها البعض، تخص فقط تهمة (الترصد والقتل العمد )، وماذا عن جرائم (الاستدراج والإغواء والاختطاف والاغتصاب والتنكيل بالجسد والدفن و..)، وماذا عن المآسي النفسية التي ستعيشها أسرة عدنان لسنوات، وما سيترتب عنها من أمراض وتأثيرات سلبية على حياة الأسرة ؟.. فهل يمكن اعتبار إزهاق روح القاتل في دقيقة قصاص لكل تلك الجرائم ؟.
روح عدنان تساءلنا كلنا، وإنصاف عدنان الذي يسكن دواخل كل مغربي ومغربية. يتطلب الاعتراف الضمني بأننا نتحمل كلنا مسؤولية تلك الجرائم. وأن علينا أن نحاكم أنفسنا. ونصدر أحكام قاسية في حقنا. حتى نوقف تلك الجرائم.
فالمجرم الذي خطط ودبر ونفذ جرائمه بدم بارد، هو منتوج مغربي خالص. كيف يعقل أن نسمح بتربية الذئاب البشرية؟. وكيف يعقل بأن نترك تلك الذئاب حرة طليقة، تعبث بحياة ومستقبل أطفالنا ؟. لم يكن عدنان الضحية الأولى، فقبله راح العديد من الأطفال ضحايا الاغتصاب والقتل والتنكيل.. ولن يكون الضحية الأخيرة مادمنا لم نوقف إنتاج وتربية تلك الذئاب البشرية. هلا أخرستم ألسنتكم و أقلامكم و خفضتم من ضجيجكم الرقمي، و كففتم عن إصدار الأحكام، وانتبهتم إلى أنكم تزعجون روح عدنان . هلا اكتفيتم بالإنصات لروح الطفل عدنان. فوحدها روحه الطاهرة قادرة على سرد أدق تفاصيل سلسلة الجرائم الشنيعة التي راحت ضحيتها.
بدم بارد وتخطيط مسبق .. يؤرخ هذا الذئب البشري لجرائم شنعاء.. بدأت مراحلها بالاستدراج والإغواء ثم الاعتداء الجنسي والقتل والتنكيل.. وانتهت بإقبار جثمان الضحية خلف جدار بقرب منزل أسرته.. وكل مرحلة منها تستحق وحدها حكما بالسجن المؤبد مع الأعمال الشاقة..
بل إن تلك الجرائم تكشف لنا أن القاتل نفذها باعتماد مؤهلات اكتسبها ودروسا تعلمها. فهو إذن خريج محيط ومدرسة تتواجد داخل المجتمع. مدرسة علمته أنه بإمكانه الاستمتاع والترفيه عن النفس بممارسة الأذية على الغير. ونزعت من قلبه كل مشاعر الإنسانية وشبعته بالغرائز الجنسية والنفسية. وحولته إلى مجرد حيوان يخطط ويبرمج لإفراز مكبوتاته.
صحيح أن هول الجرائم المرتكبة في حق عدنان، تذهب العقل والتفكير. وتجرنا إلى الصراخ والمطالبة بالقصاص. وتذهب البعض إلى حد التشكيك في القضاء، واحتمال ألا يكون العقاب في مستوى تلك الجرائم. لكن علينا أن نصرخ كذلك ضد أنفسنا. وأن نعيد التذكير بأننا مقصرين في تعاملنا داخل وخارج منازلنا. مهملين لأطفالنا وأعمالنا وواجباتنا اتجاه أنفسنا واتجاه الغير. أنانيين وانتهازيين ومتشبعين بعدة صفات سلبية. تزيد من تشتيتنا وتفكيك بنياننا.
عدنان الطفل البريء ابن ال11 ربيعا.. لم يقم بأدنى تجاوز أو ذنب.قصد المسكين صيدلية الحي من أجل اقتناء دواء والده. والمفروض أن يعود لحضن أبيه. لكن تشاء الأقدار أن يكون عدنان هدفا لذئب بشري. شاب منحرف عمره 24 سنة، يقرر العبث بجسد وحياة الطفل. شاب ولد وترعرع وشب بيننا، لكن للأسف تشبع في غفلة وتغافل منا، بمبادئ وأخلاق سيئة. ومثل هذا الشاب المنحرف كثيرون.. منهم من يعلنون عن انحرافاتهم ومنهم يخفونها.. بل هناك أطفال صغار يسيرون على دروبهم. أطفال في صورة كائنات حية غريبة تعيش خارج تغطية أدبيات المجتمع، نسجت بساطا خاصا بطقوسها وعلت به فوق محيطنا.. قنابل موقوتة تنمو في صمت. تمر السنون وتزداد خطورتها باحترافها الشغب والعنف، وتصبح جاهزة للانفجار بعد امتصاصها لكل أشكال الانحراف.
بمعنى أننا ملزمين بوقف زحف وتكاثر وانتشار هذه الكائنات البشرية. وذلك بإعادة النظر في احتضان وتربية أطفالنا وعلاج المرضى ومدمني المخدرات، وإصلاح السجون وتصنيفها حسب نوعية المجرمين. بدلا من الاكتفاء بسجنهم وتوفير المراقد والتغذية لهم. يجب أن تكون السجون للتهذيب وكذا للعقاب بفرض الأعمال الشاقة على من يستحقها. وحتى لا تبقى سجوننا مجرد ملاجئ، يعرجون إليها المنحرفين من أجل السبات والاستراحة قبل العودة لمزاولة أنشطتهم الإجرامية. وحتى يصبح لها دور فعال في ردع الجريمة.
عدنان لن يفارق أدمغتنا وهواجسنا مادام خطر تكرار تلك الجرائم قائما. ومادمنا لا نعترف بأننا متواطئين ومتورطين في كل الجرائم التي ترتكب في بلادنا.. جرائم الاغتصاب والقتل والتنكيل، وحتى في حق الأصول والفروع. وجرائم ترويج حبوب الهلوسة والمخدرات بكل أصنافها. وجرائم الفساد المالي والإداري والسياسي والقضائي والبيئي والتعليمي..
وددت لو أدرك الجميع أن بنيان المجتمع لن يكون مرصوصا وقويا، مادامت بعض أسواره (أفراده) متهالكة. وأن الفرد هو مسؤول ليس فقط داخل منزله، بل داخل حيه ودواره وقريته ومدينته وبلده. وأننا كلنا أسرة واحدة اسمها الوطن. علينا المساهمة قدر الإمكان من أجل تنقيته وتطهيره من كل الانحرافات والفساد.. وفرض منح المغاربة.. كل المغاربة نفس فرص العيش الكريم..
روح عدنان رحلت لتستقر في (جنات عدن)، حيث الرعاية والأمان والإنصاف الحقيقي. وأسرته باتت تحظى بملاك يؤثث لها منزلها الأبدي. ولا راد لقضاء الله. وتبقى أرواحنا تتقلب بين الحياة الماضية، تنتظر اليوم الموعود..


تعليقات الزوار
  1. @عبد الله ب.

    كم من حالات “اغتصاب” هي مجرد أرقام في وطننا العزيز، هذه هي الحقيقة المؤلمة، فإلى جانب حالات الاغتصاب الحيواني القذر التي تستهدف الطفولة في طهارتها وبراءتها، وأيضا حالات الاغتصاب المرضي العدواني التي تقتحم فتيات ونساء بالقوة نتيجة الاعتداد بظهائر مختلفة (المال، السلطة، النفوذ…) أو نتيجة سوء التربية والانحراف..، هناك أيضا اغتصاب الحقوق نتيجة الشطط في استعمال السلطة أو الانحراف بها للانحياز إلى فئة لا تستحق لهضم حقوق الذي يستحق، وهذا موجود وسائد، ولا يحظى بكبير اهتمام لدى الفاعلين السياسيين والقانونيين بكل أسف، وهذا أمر خطير جدا وله تبعات اجتماعية كارثية، والحق أن الأمل معقود على ملك البلاد فقط للإنصاف وإحقاق الحق..!

شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني