#_القابلية_للتطبيع

تميزت ردود الأفعال العربية بالفتور حد برودة الثلج، إزاء التطبيعين الأخيرين، رغم ما عَلِمناه عن العرب من خطابات وعنتريات حين لجوئهم لأساليب الشجب والإدانة، ولعبة توقيف القط على ديله. ولعل وابل السخط الذي أنزله العرب على مصر من المحيط إلى الخليج، آنذاك على خلفية توقيع أنور السادات مع جيمي كارتر لمعاهدة السلام “كامب ديفيد” 1979، حينما وصل الأمر إذَّاك حد طرد مصر من الجامعة العربية، وتحويل مقر الأخيرة من القاهرة إلى تونس. وقيل عنها حينذاك أنها أضحت من المغضوب عليهم والضالين، بل زاغت سبيل الرشاد، وما اقترفته يُعَدُّ رجس من عمل الشيطان.

بين خطابات الأمس، ووقائق اليوم، تغيرت أمور عدة في البيت العربي، الذي يبدوا أنه أوهن من بيت العنكبوت. المتأمل في ردود الأفعال العربية بُعَيْدَ التطبيع الاماراتي وبعده البحريني، وربما تطبيع ثالث قاب قوسين، مؤشرات تتوقعه سعودي. ورابع على مرمى حجر، وبعده آخر على مرمى بصر. فهذا الطرف الذي لزِم الصمت، فهل نفسر صمته بتنيُّئِه عن الخوض مع الخائضين في موضوع كان بالأمس القضية العربية الأولى؟ وهو نفسه الذي كان لسان حاله يردد قبل الفلسطينيين في قمم الجامعة العربية، البيت الشعري لمحمود درويش.
.علقوني على جدائل النخلة..واشنقوني فلن أخون النخلة.
أم أنه صمت يُفَسَّر على تأويلات فقهاء الزواج حين اعتبروا السكوت علامة الرضى؟. وذاك الآخر الذي كان بالأمس أَئِمة بلاطه ومعهم زبانيتهم يشتتون دعاوي الويل وضنك العيش على اليهود حين يعتلون منصات المنابر ويمسكون بزمام الميكروفونات الغربية الصنع، آملين من الله أن يزلزل الأرض تحت أقدامهم، ويُجَمِّد الدماء في عروقهم، دون أن يترك لهم جمعاً إلا فرقه، ولا شملاً إلا شتته، ولو نسوا شيئا يتمنوه لهم، لما نسوا أن يكون أشد بأساً وتنكيلا من شرور دعوة الكنيسة الهولندية على الفيلسوف باروخ اسبينوزا، حين عَدَّتْهُ الكنيسة زنديق خارج الملة والمذهب. وبنفس هؤلاء الفقهاء اليوم خطبوا في الناس عن حسن جوار النبي لليهود، ومعاملاته المالية مع معشرهم. فما الذي تغير بين الأمس واليوم؟ أم أن الأمر تغليف بزي ديني لمصالح خدمةً لأجندةٍ هنا وأجندةٍ هناك ومآرب أخرى؟

حينما تحدث المهندس-الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي سنة 1948، في كتابه “شروط النهضة”، بعد تحليل لواقع وفكر العالم العربي الإسلامي الذي طاله الاستعمار الغربي. طرح طرحاً سماه “القابلية للاستعمار”، مُلَخِّصاً فيه عللاً وأسقاما جعلت العالم العربي يقع تحت وطأة الاستعمار الغربي. على وزن أطروحة “القابلية للاستعمار”، يمكننا أو يحق لنا الحديث عن طرح جديد يمكن تسميته في مقالنا هذا اقتباسا “القابلية للتطبيع”، فلو لم تكن بِنْية وطبيعة هذه الدول العربية، تحوي ما تحويه وتفتقر لما تفقره لما أدلفت نحو ذلك.

إذا ما أردنا المزيد من التعمق منغمسين في لجوج هذا الموضوع، قد نذهب إلى حد الجزم وبنسبة مئوية كبيرة أن التطبيع البحريني وقبله الإماراتي، وربما بعده ما بعده ممن سيقتفي قاصاً على أثرهم، هو تطبيع “حكومي”، ليس تطبيع شعبي. بمعنى أنه تطبيع ظاهره معاهدة سلام كما أريد لها، وباطنه من قِبَلِه حماية لعروش آل الحكم. التكهن بمسألة التحاق دول عربية أخرى بلفيف المطبعين، خصوصا منهم دول الخليج، أمر وارد. إذا تم الأخد بعين الإعتبار مشروع النفط المسمى “خط إسرائيل-البحرين-اليونان”، وأخذاً بعين الإعتبار أيضا تلميح، بل تصريح ترامب وهو يقول بأن دول عربية أخرى اصْطَفَّت في طابور الإنتظار، تنتظر دورها لتوقيع التطبيع. وقيل بأن ترامب لا يرمي الكلام على عواهنه في هذا الموضوع، رغم زلاته الكلامية في أحاديث من شاكلة مواضيع أخرى.

التأمل في بنية وهرم الدولة لدى هذه البلدان، ومنها الحديث مقاساً على دول عربية أخرى، حيث أنها دول أشخاص لا دول مؤسسات، حتى وإن كانت الدساتير، فهي تظل معطلة أو مجرد مدونات على الرفوف لتتماشى مع التنظيمات الدولية الحديثة. والدولة مثل البناء، إن لم تقم على أسس مثينة تتداعى للسقوط عند أول رجة، بهذا المنطلق يكون الوضع الداخلي هش، مقارنة بالدولة المؤسساتية. ودائما دول الأشخاص، يحكمها أشخاص شغلهم الشاغل هو الاستمرار في الحكم والتشبت بالكرسي وحب الثروة حبا جماً، فلو خيروا هؤلاء بين السلطة والشعب لاختاروا الكرسي ولو هلك الشعب عن بكرة أبيه، هذا هو حال هذين البلدين ومن لف لفهم. وبه يتأكد لنا، أنها مجرد منظومة نفطية ريعية، تحتمي بمنظومة أمنية أمريكية، أبعد من البعد أن تكون دولة مؤسساتية مدنية. الأدهى والأمر أن يكون هؤلاء الحكام مجرد إِمَّعات موالون لرأسمالية أمريكية ترضى عنهم حيث ارتضتهم، وتعدهم بأنها راضية عنهم غير غضبانة، مانحة إياهم صكوك الرضا، فما يسعهم سوى السمع والطاعة ليظلوا على عروشهم مُتَبثين، وفي نعيم ملكهم ناعمون. من زاوية الموالاة والسخط والرضى، يمكننا توقع دول عربية أخرى ستهرول فُراداً ومتنى وثلاث ورباع نحو التطبيع، وخصوصاً دول الخليج العربي، وإن دعى الأمر إلى تقديم الفعل على أساس معاهدة سلام وذلك أضعف الإيمان. الرابح الأكبر من هذا وذاك هي أمريكا وأختها من الرضاعة، فلا رهان تراهن عليه إسرائيل إلا ومغانمه أكثر من مغارمه، لعل التطبيع تلو التطبيع يُدَوِّب أو يقزِّم القضية الفلسطينية محولاً إياها إلى ملف من الملفات الإقليمية، ومنه توجيه مزيد من الضربات تحت الحزام للجانب الفلسطيني.

حتى إذا اعتبر أهل التطبيع وخاصته، أن الأمر خطوة إلى الأمام في القضية الفلسطينية، أو تطبيع أريد به سلام، فإن زعيم المعارضة الإسرائيلية قد رمى بالعصى قبل القطيع، حين قدَّم العربة على الحصان، وقال في تغريدة أخيرة بأن نتنياهو لا ينوي التفاوض مع الفلسطينيين.

في المقابل تعالت أصوات في الجانب الفلسطيني -الحكومة- نددت برفض هذه الخطوات التطبيعية جملة وتفصيلا، داعية إلى توحيد منظمة التحرير، مهددة بالانسحاب من جامعة الدول العربية. أصوات ما فتئت أن تبخرت كما يتبخر السراب، رغم ما حملته من زمجرة وعنتريات قد تكون إيرانية اللحن أكثر من أن تكون فلسطينية، على إعتبار أن إيران واحدة من أهم المستثمرين في منجم القضية الفلسطينية.

يبدوا أننا في نهاية القومية العربية، والانهيار التدريجي لصورة وهمية لسياسة عربية، حتى وإن كان صَرْحٌ إزداد ميت مند ولادته، إلا أنه على الأقل كان ملجأ للتباكي، والتنظير شجباً وتنديداً. بانفراط العقد العربي يكون الجانب الفلسطيني بين مطرقة استقواء الطرف الإسرائيلي بهرولة العرب للتطبيع معه، وسندان الطمس التدريجي لقضيتهم. فأَمَلُ جبهات التحرير والمقاومة الشعبية الفلسطينية كل أملها بات معقودا على التعاطي الإيجابي الممكن من أنظمة أخرى كدول جنوب شرق آسيا أو دول الإتحاد الأوروبي، بعيدا عن شعار المصلحة بالمصلحة والصفقة بالصفقة والبادى أظفر.


تعليقات الزوار
  1. @Manal

    تتسابق الكلمات وتتزاحم العبارات لتنظم عقد الشكر، والتقدير الذي لا يستحقه إلّا أنت، إليك يا من كان له قدم السبق في ركب العلم، والتعليم إليك يا من بذلت، ولم تنتظر العطاء، والشكر

شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني