اختلاط كروي على بوابة المرمى

بقلم : محمد حسيكي

الحياة الانسانية اطوار من الصغر لا يخرج التفكير فيها عن الحاضر، الا بولوج المدرسة، حيث يتطور الفكر بالحضور الذهني الى التطلع نحو المستقبل من سن الكبر .

ذلك ما عشناه خلال فترة الرفقة المدرسية، إذ كنا نتمتع في الحصة الصباحية بفترة استراحة، نمرح مع بعضنا خلالها من الساحة، وكذلك خلال حصة بعد الظهيرة .

أما خارج المدرسة، فإن اللعب على اشكاله، يختلف عن المرح من عناء الدرس، وغالبا ما كان على عهد جيلنا، ينصب على كرة القدم، التي تتم مزاولتها من ازقة الدرب أو ساحة الحي، لقضاء الوقت الثالث، في اجواء ذات فائدة تربوية وجسمية .

المطعم المدرسي :

حين تم تعميم النظام المدرسي بالمغرب، كان عدد غير قليل من التلاميذ، يتوفرون على بطاقة الاطعام من وقت الزوال، قد يحصلون حين لا تتوفر المدرسة على بناية مطعم، على وجبة يدوية سريعة في شكل قطعة بلبل محشوة بجبن، او قطعة شوكولاتة، مع كوب حليب .

أما مجموعة المدارس التي تتوفر على قاعة مطعمة مشتركة، فإن تسليم الوجبة يجري من الشباك، مكونة من مرق وخبز وفاكهة موسمية، ثم الدخول الى قاعة الأكل التي تتوفر على صنبور ماء لنظافة اليدين والفم، حيث الطاولات المستطيلة على امتداد القاعة، تحدوها على طول مقاعد خشبية مستطيلة، كما تعلو الطاولات المغلفة قنينات ماء وكوب لكل شارب، فضلا عن سهر مستخدمين مزينين بزي المطبخ داخل القاعة، على تنظيف الطاولة من مخلفات كل وجبة، مع جمع الصحون وجهة المطبخ .

التوقيت المدرسي :

كان التوقيت المدرسي وقتها يجري من الثامنة صباحا الى الحادية عشرة قبل الزوال، وحصة الظهيرة تجري من الثانية ظهرا الى الخامسة بعد الظهر.

وكانت وجبة المطعمة تقدم ابتداء من الثانية عشرة زوالا، الى الثانية ظهرا، بينما قاعة المطعمة توجد على مسافة كلم خارج المدرسة، حيث كانت وجبة الغذاء لا تسمح بالعودة الى المنزل الا عشية .

بينما الوقت الفاصل بين وجبة الغذاء، ووقت الدخول المدرسي، نقضيه في لعبة كرة القدم امام المطعم من ساحة الحي، الى حين وقت افتتاح حصة الظهيرة المدرسية .

المقابلة الكروية :

يقود الى ممارسة اللعبة الكروية العشق والمتابعة لدى الجيل والمجتمع، إذ يصدح بها صوت المذياع، وتهتز بها مدرجات الملاعب، ومتابعي التلفاز على كراسي المقهى، يجري بها الحديث على الألسن، والتخمين من رهان الحظ .

كان صديقي بالمقعد الدراسي يقطن بمدرسة مجاورة للمطعم المدرسي، حيث يشتغل والده حارسا بالمؤسسة التي يحظى فيها بالسكن وكان صديقي شغوفا بممارسة كرة القدم، التي اقتناها له والده كلعبته المفضلة وقت الفراغ من واجباته المدرسية .

ومن تم وحين نأتي لوجبة الغذاء من المطعم، كان الصديق يستقبلنا بالكرة مقابل منحه شيئا من التحلية التي تعقب الوجبة، والمشاركة معنا في اللعب .

كان التنظيم الكروي عندنا يجري على طبيعتنا الخاصة، الفريقين المتنافسين يلعبان في اتجاه واحد، وجهة حارس واحد للفريقين، وتجري المقابلة على شكل اللعب القصير المتداخل يعتمد على المراوغة والدوران أكثر مما يعتمد على التوزيع .

كان مكاني من المقابلة حراسة المرمى، وإعطاء انطلاقة اللقاء وجهة وسط الميدان، وتولي المساعدة على التحكيم من المتابعة حين الاختلاف من ارتكاب الخطأ، والفصل في الهدف بين الارضي والمرتفع أعلى اليد عن الشبكة، ووقت المقابلة كنا نتخذ من باب المدرسة مرمى التهديف، حيث كان كل لاعب يتأبط محفظته، بينما كنت أضع محفظتي المدرسية جانبا من حائط البوابة، ومتابعة الحراسة جانبا منها .

وذات يوم خرج والد صديقي في إطلالة من باب المرمى، فوضع يده من خلفي على المحفظة، واختفى، وبعد وقت انتظار رأى أن اللعب سار على سيرورته، من غير حراك، عندها خرج من الباب غاضبا بالصوت المرتفع، مما دفع الفريق الى الهارب من ساحة اللعب.

وحين وليت وجهة المحفظة، لم أجد أثرا لها، وبعد اختبائنا اطلعت المجموعة على اختفاء محفظتي، وكان صديقي يتأبط الكرة بعد الهرب، وكأنه علم بوجودها تحت يد والده .

وهكذا انتهت المقابلة بتعليق النتيجة بين الفريقين على اختفاء المحفظة، والتي انطلق الصديق بعدها سريعا نحو مدخل سكنهم من المدرسة، في غفلة من والده الذي كان وقتها منشغلا مع حضور التلاميذ من البوابة وقت الدخول، إذ حمل محفظته، ومحفظتي معه، وانطلقنا وجهة مدرستنا .

عودة الصديق من المدرسة :

بعد نهاية الحصة المدرسية، هم كل واحد منا الى منزله، وحين دخل صديقي السكن وجد والده يترنح غضبا، حيث اخفى الكرة وقطع سبيلها مع ابنه، كما لم يفته معاقبته بإشباعه ضربا كونه أخذ المحفظة دون علمه، فضلا عن جمع الاطفال أمام باب المدرسة واللعب على دفة الباب .

وفي اليوم الموالي عاد صديقي غاضبا متألما من بيته، متشكيا حاله من الغضب والعصا بادية على ظهره، يئن الى من يرق الى حاله وبربط على جسمه، وحالة الامتناع عن الاكل تمزق أمعاؤه، وما كان علينا كأصدقاء الا أن نتقاسم الطعام من وقته، من وجبة الغذاء، قسط من بلبل المخابز من قاعة الاكل، يتوسط شطريه القليل من الحشوة الغذائية على قدر مد اليد لإطعام صديق الدرس واللعبة المستديرة .

ذكريات الكبر :

في زماننا وقبل انتشار وسائل الترفيه بالبيت من تلفاز، وأجهزة سماع موسيقى، وآليات الكترونية لمتابعة الأشياء المسلية والناطقة بالصور الحية والمتحركة .

كنا نقضي الفراغ الليلي في البيت مع الأمهات على سماع القصص والحكي الى أن يداعب الكرى عيوننا، من ذكرياتهم العالقة بالأذهان، والتي لم نتذكرها الا حين وصل بنا السن الكبر .

حيث اصبح التفكير يجري بنا الى الذكريات، بعد أن عاد أفق الفكر الى مداره بالإنسان نحو مبدئيات حياته، بعد أن يكون الانسان قد طوى مسيرة مستقبله، ويعود به السكون الى ذاكرته، التي تستوعب الذكريات، بعد أن تكون قد انهت تطلعات الحياة من المستقبل .

صديقي من الكبر :

حين تكون الصداقة حلوة من الصغر، يتجلى تذوقها من الكبر، إذ اشتغل صديقي اشتغالا حقوقيا، ومن شغله كون اسرته ورعا ابناءه رعاية لائقة بالحياة الاجتماعية، وصار كاتبا بارعا في مجال القصة القصيرة والمسرح الإستئناسي بقلم سيال واسلوب دافق بالتعبير الفياض الى جانب عمله الحقوقي الذي يهتم بقضايا وحقوق الدفاع عن المرأة .

وبعد لقاء وتواصل غير منقطع بيننا، اهداني من مكتبه انتاجاته الشيقة مما فاض به قلمه، موقعة بمخطوطة من يده .

وذات مرة عزمته بالبيت ضيفا عزيزا، جاد علينا الوقت بجلسة لقاء غنية بكل أحابيل الطفولة ومرحها ومتعة اجوائها وذكرياتها .

وفي تلك الأجواء المفعمة بالحبور والغبطة والسرور، تقدمت والدتي للسلام عليه والترحيب به، وما كان من تلك اللحظة الا أن ذكرته بالزمن المتنامي الجميل، ووقتئذ نقل الذكرى الى والدتي قولا: يوم اللعب على الباب والدي مازح ابنك بإخفاء المحفظة عليه، بينما انقلب علي مكانه جلدا على جلدي بالعصا، وإن حباني الصديق يومها بمضغة خبز لإطفاء جوع غضبي، فإن حلوة طعامكم لن تنسيني الكرة وما جرى علي من عصا الوالد عن المحفظة، والتي قومت صوابي وقتها من جمع المقابلة الكروية أمام المدرسة، وعلقت إثرها المقابلة، على نتيجة العصا من وراء اختفاء المحفظة .

وهكذا تعود أجواء الطفولة الحميمية الى الذكرى من الكبر، حين يحن الانسان الى التربية والعطف من سن الصغر .

كرة القدم ذات الكأس الذهبية :

تطورت لعبة كرة القدم من حركات تسخينية الى العاب مسلية، ثم الدخول الى المنافسات الميدانية بالملاعب وسط صخب الجمهور، وأصوات وصور النقل السمعي البصري خارج الميدان، و كرة القدم تحولت من لعبة محركة للجسم من القدم والرأس، الى ممارسة رياضة تحكمها قواعد اللعب النظيف داخل الملعب من طرف حكم وسط الميدان، الذي يساعده حكمين جانبيين يحملان اسم حكم الشرط، إضافة الى الاجهزة التقنية، في حالة الاحتدام بين الفريقين حول الخلاف من الخطأ الكروي.

ومن وراء خط الملعب، يشتغل مدرب الفريق الذي يساير لعب فريقه ومباشرة تقنيات التغيير من مقعد الاحتياط، عند الحاجة .

ورياضة كرة القدم هي مجال للاستثمار في العنصر الرياضي، وتجهيزات الممارسة في المجال الاجتماعي والدولي .

وقد انطلقت ممارسة كرة القدم من الوسط المحلي، وتطورت بالملاعب البلدية الى المستوى الوطني، كما شقت الطريق المفروش بالعشب نحو الفضاء الدولي، في شكل البطولة والكأس القارية، والاولمبياد الدولية، وكأس العالم الذهبية، والحداء الذهبي .

وتطور كرة القدم من هواية شخصية، الى ممارسة احترافية، واهتمامات اجتماعية ودولية، قد جعلها تحظى الى جانب الملاعب المعشوشبة، بالمدارس التربوية للأندية والمعاهد الاجتماعية العلمية، التي يتكون فيها اللاعبون، والحكام، والمدربون، ومسيرو الأندية الرياضية، الى جانب مؤطري جمعيات تهذيب الجمهور الرياضي بالروح الرياضية من مدرجات ملاعب الاندية .

وفي المغرب تحظى رياضة كرة القدم بتنظيم للأندية من قسم الهواة، الى الاحتراف من البطولة الوطنية، التي يحظى متزعموها من الفرق بالمشاركة في البطولة القارية، والاقليمية .

كما يجري التباري بين الفرق على الصعيد الوطني، في إطار البطولة الاحترافية، والمنافسة على كأس العرش، الذي يعلي قيمة النادي ويميزه من الفرق الوطنية .

كأس العالم الكروية :

المغرب من البلدان التي تحظى فيها رياضة كرة القدم بالريادة والاهتمام الاجتماعي من حيث المنشآت الرياضة وتكوين اللاعبين وانفتاحهم على المجال الدولي، من الانخراط بالأندية، والمشاركة بالنخبة الوطنية، في الكأس القارية، والعالمية .

ومن تم تجد المنتخب الوطني المغربي، حاضرا وممثلا للكرة المغربية في تنظيمات كأس القارة، والبطولة العربية، وكذا بالمشاركة في الكأس العالمية التي تزن ذهبا

ومن روح المغرب الرياضية العالية، أنه ترشح لعدة مرات لاحتضان تنظيم كأس العالم، ودخل غمار المنافسة مع دول كبرى وذات باع في المجال .

وبالتدرج تقطع المراحل، وتصقل الافكار وتتحسن التجارب، وتتدارك النقائص الى أن يصل القاصد الى قصده، ويحقق الرهان من كسب المبتغى لبلاده .

ومن حسن حظ كأس العالم الكروية لسنة 2022، التي اصطلح على تنظيمها بالعالم العربي، أن تنفلت بالتنظيم من وراء اكتساح وباء كرونا فيروس، الذي اجتاح العالم اواخر 2019. وأثر على مجريات الملتقيات الوطنية والدولية بالميادين الرياضية .

وأخيرا تبقى رياضة كرة القدم، لعبة الممارس وهواية الجمهور داخل الملاعب وخارجها، تشغل اهتمام المجتمعات والدول، والجامعات والاتحادات المنضوية تحت لواء الجامعة الدولية لكرة القدم، التي تخص منافساتها العالمية بالكأس الذهبية .


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني