“البيليكي”، “التكونيب” والوطن

الحسين بوخرطة
لقد تتبع الرأي العام خطابات وتصريحات أحدثت فوضى بليغة في عقول وأذهان الجماهير إلى درجة لا يمكن عدم ملامسة نوع من التيه الشعبي في تعريف المسؤولية السياسية في تدبير الشأن العام بروافده التنفيذية والتشريعية والقضائية. لقد تم “استقصاد” خلق نوع من الخلط المضر في المفاهيم والمسؤوليات والوظائف لقيادة التغيير المعبرة عن غيرة الشخصية الوطنية عن بلدها، وحبها للوطن والاعتزاز الدائم بالانتماء إليه. لقد تم بالفعل “استقصاد” تسميم التمثلات والسعي للنيل من القيم الجماعية المقوية للوحدة الوطنية والعمل التشاركي ببلادنا بشقيه التطوعي والمؤدى عنه.
إن توظيف كلمة “البيليكي”، مع التعمد في انتقاء المصطلحات التي تعطي الانطباع بوضوح تام وصريح وكأن الأهداف والدوافع للمشاركة في السياسة هي الاسترزاق والنفعية والسعي للاغتناء من خلال تعدد التعويضات والأجرات والمعاشات، وأنها هي أساس تشكل منطق ممارسة السلطة بالمغرب، ولا يمكن لأي طموح وطني أن يتحقق خارجه. وأن كل من سوت له نفسه الدفاع عن الاستحقاق، والشفافية، وحقوق الإنسان، والإنسان المناسب في المكان المناسب، يكون مصيره التهميش والمراقبة والمطاردة. المقلق في هذه التصاريح، المدافعة عن توسيع النصيب من ميزانية الدولة أو على الأقل الحفاظ عليه، تم الإعلان عنها رسميا في ظرفية صعبة لا تتيح لشريحة واسعة من الشعب المغربي حتى أدنى مستويات العيش الكريم. إنها الوضعية التي لا يمكن أن يخلق إلا نوع من الخيبة في نفوس الشعب المغربي والنخب الوطنية التي تحلم بتعميم الالتزام والإرادة الدائمين، شعبيا ومؤسساتيا، لخدمة الوطن بالصدق والفعالية المطلوبين والتضحية من أجله، وأن بإمكان المغاربة يوما تجاوز عتبة الفقر، باقتصاد ومؤسسات وطنية قوية، تتيح للجميع الحق في التباهي مستقبلا بالانتماء إلى وطن قوي برفاهيته أمام الشعوب والأمم الكونية.
إن ما صرح به وزير سابق، ورئيس فريق برلماني، ورئيس مجلس عاصمة جهوية، وله عدة مواقع حزبية وسياسية وجمعوية هامة جدا، ليس له إلا تفسير واحد، مفاده أن النخب، التي تضحي بوقتها ومالها ولا تنتظر المقابل من أجل ترسيخ ثقافة القرب الحقيقية، ذات المردودية التنموية الدائمة، هم في المنطق السياسي السائد مجرد “كوانب”. إن كلامه لا يمكن أن يعني إلا كون ما يسمى بالتدافع من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية وتحبيب السياسة للجماهير وتذوق مزاياها ومنافعها ما هو في العمق إلا خطابات وتصريحات الواجهة، التي يختبئ وراءها منطق “الغنيمة” ب”الغبيق”، بآليات الضغط تارة (استغلال التوترات الاجتماعية الظرفية) والتوافق (في حالات توازن القوى في المجتمع والدولة) والابتزاز (في حالات تأهب الدولة وحاجتها للإجماع الوطني لمقاومة آثار الظرفيات الإقليمية والجهوية والدولية المتقلبة)، من أجل توسيع “النصيب” المادي الشخصي والعائلي للمتدافعين والنفوذ المرتبط به. فإذا كانت إستراتيجية التغيير لا تسمح ولا تتيح استعمال المنطق الرياضي وصفاء الأذهان في التفكير في السياسة، يبقى اليوم من واجب الدولة تدشين محطة محورية تقنع من خلالها الجماهير أن ما ينبعث من هنا وهناك في المشهد السياسي من تصريحات هراء، وأن الوطن لكل أبنائه، وتدبير مؤسساته يجب أن يضمن الاستحقاق والشفافية وتوزيع الدخول بمنطق لا يثير الاشمئزاز والتذمر. والحالة هاته، يبقى اليوم من واجب المؤسسات السيادية في الدولة الاستثمار بالقوة اللازمة في ترسيخ تمثل مؤسساتي وطني جديد، يضمن في نفس الوقت توسيع المشاركة الشعبية في الممارسة المؤسساتية والمجتمعية ومستحقاتها المادية المشروعة، وإرغام النخب المغتنية من التدافع على الأقل على التحول إلى برجوازية وطنية مدعمة للاستثمار المنتج، وفتح المجال، بإمكانيات بشرية ومعرفية ومادية ولوجيستيكية، لتفعيل منطق سياسي جديد بنخب الكفاءة والصبر والحكمة والتروي والعفة والكرامة، ليجد المواطن مواطئ قدم متعددة ومتنوعة، تنتجها السياسة والوطن لكل الشرائع المجتمعية، وتجعل من كل ما سبق ذكره نسقا سياسيا بآليات الحماية والتضامن والتعاون والاستقلالية والتنمية الدائمة.
ولتوضيح ما سبق وجدتني مضطرا للحديث عن نفسي وتجربتي في الإدارة والسياسة. فأنا، وأعوذ بالله من قولة أنا، لو لم أكن مقتنعا بقوة بمسار حياتي وبالقيم التي راكمتها في مسار تنشئتي ببلادي، لاعتبرت نفسي، وأنا أستمع لخطاب ومنطق “السي البيليكي”، مواطنا “كانبو بالوراق”. لقد قضيت، كمهندس إحصائي واقتصادي ومهيئ معماري، وباحث وكاتب وإعلامي، ستة وعشرين سنة كرئيس مصلحة الإعلاميات بعمالة إقليم سيدي قاسم (مسؤول إقليمي معلومياتي) بدون أي تعويض يذكر، وكنت أشتغل باستمرار إلى ساعات متأخرة من الليل لتعميم استعمال الحاسوب في التدبير العمومي في قطاع الداخلية والجماعات المحلية، خاصة في فترات الحملات الوطنية، وكنت طوال هذه السنوات العجاف أتحمل عناء التنقل بوسائلي الخاصة بين سيدي سليمان وسيدي قاسم. أكثر من ذلك، في العديد من الليالي، التي لا أتذكر عددها نظرا لكثرتها، كنت ألجأ “للأوتوستوب” ليلا من أجل الالتحاق بأسرتي. ولمرات عديدة كذلك، عندما أصل إلى منزلي بمدينة سيدي سليمان، أتوصل بمكالمة هاتفية من عامل الإقليم تدعوني للعودة بوسائلي الخاصة إلى مدينة سيدي قاسم من أجل معالجة ملف استعجالي هام خارج أوقات العمل. قضيت ستة وعشرين سنة، ولم أستفيد من أي امتياز يذكر، ولو “بون ديال المازوت” يعوضني ما أصرفه من أجرتي على الإدارة الإقليمية. لقد كان جهدا محترما حال دون إصدار أي ملاحظة تذكر خلال هذه المدة في شأن التدبير التقني (المعلومياتي) لكل المشاريع الحيوية التي أشرفت عليها.
أما تجربتي، كمناضل حزبي وإداري، بعد التحاقي بعمالة سيدي سليمان منذ شهر غشت 2013، فسأخصص لها، إن شاء الله، مقالا خاصا بعد سنة من اليوم، أي بعد انتهائي من تقييم كل المشاريع التي ساهمت في إنجازها وتنشيطها.
أما في السياسة، فلقد ساهمت بمعية أصدقاء من نفس الطينة في النضال بمدينة سيدي سليمان في صفوف حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وكثفنا من أنشطتنا بتأسيس عدة جمعيات محلية وفروع لجمعيات وطنية، وكنا ننظم الأنشطة وننفذ برامجها من مالنا الخاص، ولم نتلق يوما أي دعم لا من المجالس المنتخبة ولا من مؤسسات الدولة. كما قمنا بقيادة شبيبة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بتفان وفاعلية محليا، وساهمنا كمسؤولين في تنشيط أجهزة الحزب التنظيمية محليا وإقليميا وجهويا ووطنيا. لقد قضيت أكثر من ثلاثين سنة وأنا أنفق من مال أسرتي لإنجاح الأنشطة السياسية والجمعوية، ولم أتلق أي درهم كتعويض أو دعم من وراء ذلك.
إنه التاريخ الشخصي الذي جعلني انتبه إلى خطورة عبارات “البيليكي” و”العمل لوجه الله”، ودفعتني إلى التأمل في مستقبل البلاد وارتباط تنميته وتطوره ورفاهية الشعب المغربي بالتطوع والتضامن والاستحقاق. إن ضمان استمرارية الدولة واستقرار الوطن وازدهاره أصبح اليوم مشروطا بضرورة إيقاف وتصفية كل مظاهر وأشكال الريع كيف ما كان شكلها، لتحل محلها قيم التضامن والتضحية والكفاءة والالتزام والمسؤولية والشفافية.
فما قدمه الفاعلون والفعاليات مثلي في مختلف المستويات الترابية، مؤسساتيا ومجتمعيا، من تضحيات شخصية بالجهد والمال والفكر والإعلام لا يمكن أن يتحول يوما إلى ندم وتذمر مهما عمت خطابات الريع والاسترزاق. إن مشاركتي الجادة في الحياة العمومية والمجتمعية توجت بالنسبة لي بثروة اللامادية لا تقدر بثمن، جعلتني دائما أتصرف بما يحفظ كرامتي، متشبثا بحقي في التفوق في قيادة المشاريع التدبيرية، ويضمن المردودية والوقع المطلوبين. إن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (حزب انتمائي السياسي) ووزارة الداخلية (مقر عملي وتعييني)، الفضاءين اللذين قضيت بهما الجزء الأكبر من سنوات حياتي، يشكلان لي مدرستين للتكوين والوعي السياسي والإداري. إن الاستمرار على نفس النهج والأسلوب في الحياة لم يكن يوما مرادفا للخوف أو لكوني “كانبو” أو “بغل ديال الطاحونا”، بل لكون شخصيتي لا تستوي ولا تشعر بمعنى وجودها إلا وهي تكدح وتتعب وتنتج ليس للذات بل للآخر. إن الكفاح، بدون انتظار المقابل، هو الآلية الوحيدة بالنسبة لشرفاء هذا الوطن التي يمتلكها المرء للرفع المستمر من قدره وتعففه ووقايته من الانخفاض أو التذبذب أوالتذلل.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني