الاحتفال باللغة وتأصيل الحكي: المشروع السردي للروائي خالد أخازي من خلال رواية “أسرار أمونة”

يطل علينا من جديد الروائي والكاتب المغربي خالد أخازي برواية جديدة تحت عنوان” أسرار أمونة” صادرة عن دار مركز الأدب العربي بالسعودية، هي تعد، حلقة أخرى في مشروعه السردي الذي يحتفل باللغة ويؤصل للعربية كلغة قادرة على احتواء المتغيرات والتحولات لفظا وأسلوبا، باستدعاء لغة شفافة شعرية، لكن فصيحة، توليدا تثويرا للفظ، بعد عملين في المشروع ذاته روايتان، الأولى تحت عنوان ” عشق في زمن الغضب ” الصادرة عن دار روافد بمصر، والثانية ” ذاكرة جدار الإعدام ” الصادرة عن “دار مدارك للنشر والتوزيع ” بالسعودية، الرواية الجديد لبنة أخرى لمشروع سردي يؤصل الحكي ضمن المتن السردي ويعيد للقصة مركزيتها في السرد، للخروج من التيه النظري الذي أقحم السرد في تجارب عطلت الذائقة ومسخت الأسس المعيارية الدنيا للرواية، وأصبحت الرواية جنسا أدبيا مشاعا بين الكتبة.
لهذا فالوعي الجمالي باللغة أسلوبا وبنية ولفظا وصوتا هو مدخل أساسي عند الروائي خالد أخازي، لوضع خرائط واضحة للرواية، فلا رواية بلا حكاية، ولا حكاية بلا مبنى / خطاب، يؤسس المفارقة والدهشة وجمالية النص بمفهومه الجاكسوبسي
رواية أسرار أمونة تنخرط في استكمال هذا المشروع السردي حيث زاوجت بين الواقعية والعجائبية، دون السقوط في فخ الوقائع المتعالية عن التفسير والتأويل ضمن شروط الواقع وسيرورته، فالمتن السردي مفعم بقضايا غرائبية تبدو من الوهلة الأولى، لكن في سياق التحولات الاجتماعية والسوسيو-ثقافية نجد الأجوبة والعلل العقلانية لما يقع أمام أعيننا، فلكل شيء تفسير مهما عجيبا وسحريا، اعتمدت الرواية لعبة تطويع التاريخ، بالتوهيم وإعادة التفكيك والتدليل، لصياغة الرؤية الترهين وطرح قضايا الحاضر بكل تناقصاته وهمومه، في محاولة للتناص التاريخي التيمي، باستدعاء شخصيات تبدو نمطية لكنها في بعدها الاجتماعي والسياسي شخصيات مركبة دالة تحتمل سيلا من الدوال الاجتماعية ترميزا ومجازا وتأويلا.
هي رواية تنشد بلغة راقية شاعرية دون السهو عن الوظيفة الحكائية التي هي جوهر كل برنامج سردي، مقاربة قضايا إنسانية، وأسئلة حضارية وثقافية، كالحرية وعلاقتها بالكرامة، والتسلط على الشعوب بالأسطورة والخرافة، والخرافة وعلاقتها بالسلطة والاستلاب والقهر والهيمنة، عبر تفكيك بنية العقل الكولنياني، ومدى قدرته على استغلال الرموز شبه الدينية الخرافية، وترسيخ الجهل ومحاربة الوعي النقدي، لخدمة وجوده وضمان سيطرته وتمدده.
هي رواية تحتفل كالعادة باللغة وتظهر مفاتنها وسحرها، فالروائي خالد أخازي، يشتغل على مشروع أدبي يقطع مع التتفيه اللغوي والإسقاط التعبيري، ويروم وسط هذا الصخب الإنتاجي، إعادة الاعتبار للنص السردي بكونه بالدرجة الأولى قصة تروى، وبكونه خطابا لغويا راقيا جماليته في” تخطيب” القصة وصيغة عرضها، فهو يزاوج بين جمال اللغة والتأصيل ” للفظ” السردي، دون الحاجة لنحت خارج-لساني عربي، أو تعريب يفقد اللفظ شحنته الجمالية يفقد اللفظ وشرف المعنى وعمق الدلالة، وفي السياق ذاته يشتغل على سردية ترقى بالذائقة، وتورط القارئ في فعل التأويل وإعادة الإنتاج.
نقرأ في تقديم لها على ظهر الغلاف” هي رواية الصراع بين الأسطورة والحقيقة، بين الفضيلة والرذيلة، في زمن كان فيه الاحتلال الفرنسي للمغرب يوظف الأسطورة والخرافة لترسيخ الجهل وصناعة الوهم الذي يستفيد منه أعوانه ودعاة خوارق مزيفة، بواسطتها يتم تثبيتلطتهم والسيطرة على العقول والأرزاق…للحب دور فاعل في تذويب التناقضات الإثنية والدينية من أجل حرية البلد ومواجهة سلاح الأسطورة بسلاح الحقيقة…لابد من العشق… والقضية تحتاج إلى قلوب عاشقة لا وعقول حالمة، حيث يمكن القفز على كل المتاريس والعقد التاريخية عرقية كانت أم دينية..
رواية تمتد أحداثها ما بين السودان والمغرب، ومحطات بمصر، لصوفي مغربي، تزوج من ابنة زاوية سودانية في بداية القرن العشرين، وتم استغلال اسمه بعد موته، في بلدة نائية من لدن امرأة لعبت على العقول والشهوات، وصنعت خرافة خدمت بها نفسها وأعوانها والمحتل، إلى أن يفتح صندوق أسرار السيدة الصوفية أمونة، وتنطلق رحلة إدريس ابنها لتحرير اسم أبيه أولا، ثم البلد ثانيا…وتبدأ رحلة النور والعبور والحرية والكرامة وتحرير العقول من الزيف والوهم.”
ولم يتردد مركز الأدب العربي بالسعودية كدار رائدة في مصاحبة ومرافقة المبدعين والمبدعات في احتضان رواية أسرار أمونة، في إطار مشروعه الثقافي والحضاري في خلق دينامية ثقافية عربية ببعد كوني، والكشف عن الأقلام الجديدة الموهوبة، مع اعتماده على مقاربة تجايلية نشرا واحتضانا، فكتاب كبار أوفياء للنشر مع المركز إيمانا منهم بمشروعه الثقافي والإبداعي.
وفي الإصدار الجديد” أسرار أمونة ” نحن أمام عمل سردي يكشف قدرة اللغة العربية على تمثل الواقع السيميائي المتجدد، والإحاطة به دلالة ولفظا من خلال ما تملكه من طاقة إبداعية، وقدرة على التقاط المعنى من سياق ثقافي آخر واحتضانه دون تهتك لغوي أو احتواء أجنبي معجمي.
هو مشروع… يحتفل باللغة العربية… ويؤصل للحكاية، ويعي خصوصية الرواية في السياق الأدبي الكوني، منفتح على الأصوات الجديدة، دون السقوط في شهوة المختلف، ولا انتحار لساني بحجة هشاشة المعجم اللغوي والدلالي واللائحي العربي.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني