في استبداد القاسم الانتخابي للإسلاميين

يتابع الفاعل السياسي الاستماتة الهيستيرية التي يبديها حزب العدالة و التنمية دفاعا عن قاعدة توافقية-لاسياسية المنشأ- من ارهاصات عهد التشفير* و كنتيجة لحالة الترهل الذي عرفه المشهد الإنتخابي و التمثيلي ما قبل 2011.
على سبيل التذكير هذا المصطلح الذي يدخل أيضا في إطار الخصوصية المغربية** 2021, يعني ببساطة ذلك الأساس أو القاسم الذي يتم على أساسه حساب العتبة المؤهلة بكسر الهاء لنيل المقاعد المخصصة لدائرة انتخابية. في المغرب،علاقة بهذا النظام،استفاد حزب الاسلاميين من نمط الاقتراع النسبي و ممارسة الغالبية الصامتة من الشعب المغربي لسلوك المقاطعة السياسي, ليجنح المشرع الانتخابي لخيار مثير لجدل ديمقراطي و هو اعتبار عدد المصوتين بأصوات صحيحة و ليس المسجلين في اللوائح الإنتخابية، المعمول به كونيا، هو ذلك القاسم و الأساس لتوزيع ما يسميه البعض اعتمادات و عوائد المهنة الإنتدابية مع كالمل التحفظ على مصطلح المهنة الذي فرض نفسه في واقع الممارسة للأسف ليتوارى معه المصطلح الأكثر وفاء لمبادئ الفلسفية السياسية أي المهمة و المسؤولية المحددة في الزمن و المؤطرة بهاجس خدمة الشعب و الناخبين و الوطن و فقط.. أهمية الفئة الغير مصوتة التي يحاول الإسلاميون جاهدين إقصاءها في قرار صرف ضرائب الشعب لمريدهم و شبكاتهم و شبكات الأحزاب التي قد تفوض نفسها بنفسها قسرا و تفوز مع الإسلاميين بمقعد برلماني بأكبر البقايا قد تصل الى 1000 صوت فقط في جماعة تتجاوز كتلتها الناخبة 200 ألف نسمة للمفارقة،تكمن في حقيقة أنها في الديمقراطيات العريقة قد تصل إلى حد أنها ترهن التوصيف القانوني العام للاستحقاقات، حيث يجد هذا القاسم انعكاسا أكثر دلالة من خلال مؤشر نسبة المشاركة، و التي ما إن تقل عن 50 بالمائة، حتى ترى تساؤلات الشرعية و مدى مراعاة العرض السياسي لإنتظارات الشعب تطفو للسطح في المجتمع بأكمله، و ما يصاحب ذلك من مسارات دستورية و نقاشات سياسية حادة في أوساط النخب الحزبيةالحقيقية و في المحاكم الدستورية لإقرار بطلان النتائج و التمهيد لإستشارة شعبية جديدة من قبيل الإنتخابات المبكرة، الخ.هنا يمكن استيعاب حجم احتقار و استخفاف الحزب الإسلامي حتى بالمفهوم المؤسس للديمقراطية، أي الإرادة الشعبية حين تتعارض مع مصالحه و أهدافه التحكمية كما فعل تماما في صفقة 2011 المشؤومة.

أولا: القاسم الإنتخابي : بين استحقاقات الخيار الديمقراطي و مخاطر مصادرة حق المقاطعة السياسي لغياب العرض السياسي الجاذب للناخب :

بينما يعرف التطور الديمقراطي في العالم تناميا للسلوك السياسي المقاطع , في اطار ما بات يعرف بأوروبا بديمقراطية المقاطعة أو اللا-تعبئة***، لم يجد حزب الاسلاميين أي حرج في مجابهة الاسئلة
الوجودية المطروحة على المشهد الحزبي و الممارسة الانتخابية المغربية من هذا الباب الانتهازي (من تلك الإشكاليات نذكر اضمحلال الثقة و شيوع الممارسة الفاسدة و تزكية ذوي السوابق و الفاسدين و غياب ثقافة التعاقد البرامجي**** و الالتزام السياسي,…). وهكذا وجد حزب “غفلة الربيع” في إسقاط الحقوق الدستورية و السياسية لأكثر من 20 مليون مغربي مسجلين في اللوائح الانتخابية, و الذين لم يروا في أسطوانات لا الاسلاميين و لا غيرهم من مكونات السوق السياسي الحالي أي خطاب جدير بصوتهم الانتخابي الغالي، الى حد أن تلك الأصوات الإنتهازية للحزب الحاكم و أحزاب أخرى لا تستطيع فهم معاني و مرامي ذلك السلوك السياسي – اللاتفويض بنسبة 90 بالمائة- في ميزان المشروعية و الشرعية السياسية لكل العملية التأطيرية و الإنتدابية بالمغرب، لأنها تعكس خللا كبيرا في تمثل و أجرأة الميكانيزم التمثيلي و مفهوم الإقناع السياسي لدى الفاعل الحزبي، الى حد وجب التعامل معه بالجدية اللازمة و إن اقتضى الحال الإقرار بفشل النمودج التمثيلي لسنة 1976 و الدعوة لحوار وطني موسع حول التمثيل الإنتخابي مادام الجسم الإنتدابي و الحزبي الحالي لا يتوفر على الشرعية الحسابية و الديمقراطية الضرورية للتقرير في أمور جماعات و مدن لم تفوضهم للتقرير نيابة عنهم، و إلا فإن الاغلبية و الأقلية في المغرب ستفقد كل معنى و مبنى سوسيوسياسي.بتعبير أكثر وضوح, كان حريا بحزب الاسلاميين عوض التشبت بإسقاط المواطنة السياسية عن المواطنين المسجلين الغير مصوتين في الدوائر, أن يقدم لضحيته الزمن السياسي المغربي، تعليلا لمدى ديمقراطية و أهليته لتسمية شوارع تلك الغالبية الصامتة بأسماء أبو قتادة و ابو جهل و بصرى الحرير و غزة و دير الزور و الرقة دون تفويض ديمقراطي راجح? و كيف يسمح لنفسه بفرض زليج رصيف أسود بجماعة تبلغ ساكنتها المسجلة 100 ألف, و يضفي على أرصفتها لون السواد رغم أن 70 الف نسمة المقاطعة في الجماعة تفضل رصيفا بلون أحمر? جواب تلك الأسئلة بالتأكيد لا يوجد و ليس من المفيد أن يوجد لدى حزب تآمر على الديمقراطية و الربيع الديمقراطي المغربي و مشروع الدولة الديمقراطية بإسم ديمقراطية الاقلية و هلوسات الإصلاح في ظل الإستقرار و ما جاورها من معجم الجبن و الإبتزاز السياسي.

ثانيا :في الحاجة الى تجديد النخبة السياسية المغربية لوقف مد الخطاب الرجعي على الدولة و المجتمع :

على المستوى الماكروسياسي، الماسكون بزمام الصراع و التدافع السياسيين مطالبون أكثر من أي وقت مضى بالتفكير الجاد و المسؤول في تفكيك و إعادة تأهيل ما يسمى في أدبيات المدرسة المغربية للعلوم السياسية بأحزاب الإدارة أو المقربة من الإدارة لمزيد من الدقة المفاهيمية، لأنها ليست فقط مسؤولة على تشبيك الفساد الإداري و المالي و تهميش الكفاءات المستقلة و تحويل المؤسسة الحزبية الى كانتونات عائلية و مراكز خدمات الزبونية و شبكات تبادل المصالح و المراكز في المرفق الحكومي و الإداري، بل أصبحت بتمثلها لعدم شرطية الدولة للحد الأدنى من الأداء التأطيري لاستمرارية تمكينها من امتيازات التصرف القانوني و الخارج عن القانون في المؤسسات الموضوعة تحت تصرفهم، أكثر حرصا و صونا لحالة الستاتو- كو و لهيمنة الحزب الإسلامي على الهامش الإنتخابي و التمثيلي من المنظومة السياسية، الذي يأتي من صناديق الإقتراع، بحكم اختراق جمعياته و شعبويته و تجارته بالمشترك الديني للطبقة الغير مسيسة المشاركة بانضباط في الاستحقاقات. بالتالي تبقى الأسئلة الحارقة التالية مطروحة على كل الفاعلين مع دنو خطر انتداب جديد لخطاب الرجعية و الهواياتية التدبيرية في استحقاقات 2021، ما لم يكن هناك تغيير حقيقي في البروفايلات الحزبية المرشحة، و طي استعجالي لصفحة الوجوه المنبوذة شعبيا و الفاقدة لكل أنواع الشرعية و الثقة شعبيا، و نت تلك التساؤلات نذكر :
/-هل من مصلحة النموذج التنموي المنتظر الإبقاء على نخب حزبية فاتها قطار الرهانات و التحديات و قصرت في أداء رسالتها أمام الملك و الوطن و الشعب ؟
/-هل يمكن الجزم في ظل ثابتة احترام نتائج الصندوق و الخيار الديمقراطي أن -الأحزاب المفوضة- لمجابهة مد الخطاب الرجعي جدبت انتباه القوة الضاربة من الرافضين للعبة لتغيير موازين القوى لصالح القوى الديمقراطية و الوطنية الحقيقية و انتخابات جماعية بلائحة مفوضة شعبيا بمعدل 55000/100.000 و حزب أول حائز على 14 مليون صوت / 27 مليون مؤهل للتصويت ؟
/-في أفق تطوير الدولة للمنظومة الإنتخابية برمتها و نموذح تنموي جديد، هل يعقل أن تستمر شبكات الإمتيازات التي أوصلت البلاد الى ما وصلت إليه، في السيطرة و الإستحواذ على مراكز السلطة الإدارية و الحكومية ،رغم إقرارها بفشلها في تطوير تلك المرافق و لعقود خلت؟ و هنا أعتقد أن التذكير بالمبدأ الفيزيائي الآتي خير مجيب عن السؤال و مفاده : أن نفس المسببات تؤدي إلى نفس النتائج.
/-بعد 17 سنة من تحرير القطاع الإقتصادي و20 سنة من الإنفتاح الحقوقي للدولة، ألم يحن الوقت لأجرأة ورش تحرير المشهد الحزبي من خلال إطلاق ورش التفكيك و إعادة الهيكلة ***** لهذا المشهد السوريالي و اللاسياسي ******.
/- و أخيرا ما هي ضمانات صون حقوق 90 بالمائة من الشعب السياسية، و الذين استبعدوا من حقهم الدستوري في المشاركة السياسية لمدة عقدين منذ 2011، لا لشئ سوى أنهم لا ينتمون لا إلى حزب العدالة و التنمية و لا للأحزاب المعروفة لدى المراقبين بالقريبة من الإدارة بيمينها و تقدمييها و ليبرالييها؟
بالرباط يومه 23 فبراير 2021

أنوار مزروب// باحث في القانون العام،مدير مركز الكاريس و عضو لجنة الإشراف لجبهة العمل السياسي الأمازيغي

*Verrouillage
** خصوصية لأنها تؤدي الى لي دراع الديمقراطية الكونية القائمة على ثابت 50 بالمائة، حيث لم يحدث أن حزب في المغرب حاز على 50 بالمائة من أصوات الساكنة، و رغم ذلك فالحزب الإسلامي لم يخجل لمرات عدة، في إطار تنمره على مكونات حزبية، سار بعضها أقل قوة و تأثيرا من تأثير جمعية، ليلوح بأنه الحزب الوحيد في المغرب الذي يحضى بالشرعية الديمقراطية و الإنتخابية، فيما الثابت في أدبيات الإقتراع المباشر العام أنه لا يحضى بالشرعية إلا إدا كان مسنودا بأغلبية مطلقة أو أغلبية موصوفة أو مؤهلة على أساس نمط الإنتخاب بدورتين. و هو ما لا يتوفر في كل الإنتدابات بالمغرب، و التي أكدت دراسات رسمية أن كتلتها الناخبة تهم فقط 10 بالمائة من المسجلين في اللوائح.
***Démocratie de démobilisation
****Contractualisation programmatique
*****Le processus de décomposition et de recomposition de l’échiquier politique
******Echiquier politique dépolitisé


تعليقات الزوار
  1. @عبد الناصر

    صاحب المقال ظلامي حاقد يخاطب الموتى أما الأحياء فلا يسعهم إلا أن يحيوا الديمقراطيين الذين يعترفون أن الإسلاميين أكثر ديمقراطية من غيرهم. النجاح في ولايتين متتاليتين في المغرب أكبر دليل على تهافت المقال وسقوط صاحبه في الوحل الأيديولوجي.

شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني