المبادرات المتفردة ودورها في تجويد العمليات الإبداعية: مؤسسة مقاربات أنموذجا  

بقلم : نورالدين لحميدي

[email protected]  

إن الفعل الثقافي تصاحبه مجموعة من العمليات التي قد تسير به إما نحو المنحى الإيجابي أو السلبي، ويكون تأثيرها على تلقي القارئ مستمرا في ارتباط أكيد بالتجليات النفسية والاجتماعية والفكرية، وهو ما قد يخلق منحى أدبيا جماعيا أو فرديا، يبقى صداه متواصلا دون انقطاع أو أن الناس تنساه بمجرد ظهوره.

كثيرا ما نسمع عن مبادرات هنا وهناك في مجالات مختلفة وقد تكون لغايات متباينة -أحيانا-، ليبزغ نجم المبادرات الجادة التي تحقق الغايات الإنسانية النبيلة المنشودة، برؤية تبصرية محكمة تنم عن تخطيط مسبق وإدارة فعالة في التدبير والتنزيل.

هكذا يحق لنا أن نقول، إن المبادرات الخلاقة والمتفردة عموما وفي مجال الكتابة والنشر خصوصا، تبنى أساسا وفق المنطق المتجذر في أصول التربية بأبعاد إنسانية كونية، تروم بناء صرح ثقافي يربط بين الناشر والمؤلف والقارئ، ليعود الفعل الثقافي إلى بهائه ورونقه الأساس، وهو تحقيق الجماليات: جمالية الرؤية – جمالية التخطيط – جمالية الإبداع – جمالية المبادرة- جمالية العمق الإنساني المفعم بالحياة…  والتملي بالخصوصيات الإبداعية التي تروم الكشف عن الكنه الثقافي المجتمعي السائد.

وتأخذ هذه المبادرات شكل التشجيع والتحفيز على الإبداع الإيجابي المنتج، مشكلة بذلك قاطرة جديدة تقطع الصلة مع كل الممارسات غير التربوية التي تقوي المصلحة الخاصة على حساب المصلحة العامة.

وإذا أخذنا مؤسسة “مقاربات للنشر والصناعات الثقافية واستراتيجيات التواصل” أنموذجا، ألفينا أن الخط التحريري الذي سلكته يتجه بشكل تصاعدي إيجابي، بدءا بمعيار الجودة ومرورا بتشجيع الطلاب والطالبات على التأليف المثمر للبناء الفكري، من خلال تأليف العديد من الكتب ومناقشتها في مؤتمرات وطنية،عربية ودولية، ووصولا إلى خلق وابتكار مبادرات تتخذ طابع السبق، دون أن نغفل حجم الإنتاجات التي نشرت من داخل هذه المؤسسة التي ذاع صيتها دوليا، فهي مؤسسة إبداعية منتجة وفعالة بشكل يضمن الاطمئنان الروحي والوجداني والفكري للقارئ والمؤلف على حد السواء. كما أنها مؤسسة علمية بحثية ذات مجلس إدارة ومجلس علمي محكم وهيئة استشارية دولية تضمن معايير الجودة حفاظا على الفكر والثقافة الصحيحين من جهة وضمانا لسمعة المؤسسة من جهة أخرى    والتي صنعتها بكل دقة وتركيز.

وجدة المبادرات والمقاربات الرصينة ليس أمرا جديدا على المؤسسة، بحكم أن رئيسها المبدع خبر دروب الإبداع وتجليات الأجناس الأدبية كتابة ومناقشة ونقدا ونشرا، فهو قاص وروائي وشاعر وفنان تشكيلي وناقد حصد العديد من الجوائز القيمة، حيث يقارب النصوص بمختلف أنواعها مقاربة علمية دقيقة، وتجلت هذه القيم العلمية والإنسانية الكونية في أصناف الكتب التي تنشرها المؤسسة.

وتبقى آخر هذه المبادرات التي سنتها مؤسسة مقاربات ” شهر الشعر”، الذي يمتد من 19 فبراير 2021 إلى 21 مارس من نفس السنة، تحت شعار : ” شهر الشعر : ثلاثون يوما في حضرة الإبداع”، حيت يتم الإعلان عن شاعر وديوان في كل يوم، وجاء ء في ورقة المشروع الثقافي للمؤسسة ضمن ربيعها السنوي ما يلي:

” نسعى في مؤسسة مقاربات، إلى وضع الشِّعر في سياقه الإبداعي والجمالي، وأن ننتصر لقيم الحداثة والتجريب. فالشِّعْر هو الوجود نفسه، وهو يتخلَّق بلا انقطاع، مثل النهر الذي يتجدَّد ماؤه، لأن الشِّعر، هكذا ظهر، وهكذا جاء، باعتباره انبثاقاً، أو دهشة ونشوةً بلا تخوم، يذهب صوب اللانهائي، وهو، أيضاً، مغامرة تصبو إلى المجهول، وتفتح مزيداً من الطُّرُق والمسالك، لا تؤمن بالشكل الواحد المغلق، بل إن الشِّعر أشكال ومقترحات، هو التعدُّد والتنوع والمغايرة، بل هو الاختلاف.

من هذا المنطلق، نعمل في مؤسسة مقاربات، على أن يكون الشِّعْر، شكلاً من أشكال إقامتنا في الأرض، أو في الثقافة والفكر، وفي الفن والجمال. ولم نكن، قطّ، نعتبر الشِّعر غير مفيد أو لا جدوى منه، لأن هذه رؤية يعوزها إدراك معنى أن نوجد بالشِّعر، وأن نحيا شعرياً في الوجود، وأن يكون الشِّعر احتفالاً بالشِّعر ذاته، في ما يقترحه علينا باستمرار..”

ولأن الشعر يستحق، فقد خصصت له المؤسسة كل هذه الأيام ولم تجعله مقترنا بيوم 21 مارس من كل سنة كما هو معتاد، وهنا تكمن جدة المبادرات وقوة التفكير في الإبداع وابتكار آليات جديدة للتكريم وربط الصلة بين المؤلفين والقراء عبر روابط الإنسانية والتواشج الحضاري الخالص الذي يؤسس للتواجد والحضور والحصول على شهادة إقامة عبر الشعر، إنه احتفاء مستمر في الزمان والمكان والذاكرة والعادات والقيم والفكر والثقافة، إنه احتفاء المفرد بالجمع وانصهار للذوات الفردية في ذوات جماعية تشكل الكل والمشترك والمترابط والمنسجم.

وتجدر الإشارة، إلى أن الدواوين الثلاثين التي سيتم الإعلان عنها والتعريف بها ستقدم في المنتدى العربي الثامن الذي يحمل اسم ” دورة ابن زاكور الفاسي “، وهو منتدى يعرف حضورا عربيا نوعيا يجسد قيمته وصيته على المستوى العربي وقاطرة للتنمية الفكرية المتجلية في نوعية المشاركين والمتلقين للمادة العلمية على حد السواء.

كما أن حلقة الفكر المغربي التي يدير أشغالها الدكتور جمال بوطيب، أعلنت عن موعد تقديم هذه الدواوين ويمتد من 26 من مارس الجاري إلى 28 منه، إضافة إلى ذلك نجد فقرات أخرى متمثلة في الإعلان عن جائزة الشاعر محمد السرغيني للشعر وتقديم إصدارات وكذا ندوات وتوقيعات، إضافة إلى سلسلة كاتب وكتاب ومجموعة من الورشات القيمة والمفيدة.

إذن  زمن الشعر مع مؤسسة مقاربات، له نكهة خاصة وطابع  متفرد يبرز قيمة المشرفين على برامجها ودوراتها وملتقياتها لن يستطيع أي قارئ معرفي متذوق تفويت فرصة تلقيه في ربيع مقاربات الثقافي.

 

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني