فعل حزبي وسيادة الوطن

الحسين بوخرطة
سألني أحد الأصدقاء عن فاعلية الأحزاب السياسية في خلق التحولات المجتمعية بشكل عام، فأجبته : ظاهريا، الزعامة الحزبية الوطنية، بخطاباتها ومواقفها، تكون دائما أقل نضالية في تحركاتها من الزعامات الترابية بفعل ضغط إلزامية تفاعلاتها الفوقية. فالصفاء الذهني في تجسيد مفهوم النضال عند الزعامات الترابية، بارتباط وثيق مع الأدباء والمفكرين وعامة المثقفين ورجال الفن، هو بطبيعته ركيزة من ركائز النضال الديمقراطي، التي تقوي الزعيم الوطني في تفاوضه مع النظام، وتعطيه مبررا مقنعا (ضغط القواعد) للتعبير عن مواقف أكثر تقدمية. التشكل النضالي القوي للنخب الحزبية الترابية من خلال تأسيس منظمات للمجتمع المدني بفروع عتيدة بمختلف الجماعات الترابية (منظمات المجتمع المدني الموازية) هي آلية ناجعة لخلق التوازنات وتطور المواقف باستمرار، آلية تستقبل الإشارات والرسائل من الأعلى والأسفل، وتقوم بدراستها بعمق وحكمة، وتبلور من استنتاجاتها المنهجية مواقف وأشكال نضالية في خدمة الوطن، وتحقق جراء ذلك مكتسبات وتراكمات في مجال تجسيد سلطة الشعوب (الديمقراطية التشاركية). مشيا على هذا المنوال المنطقي، يتحول الفعل الحزبي إلى منتوج نوعي ثمين، مدعم شعبيا، ومرتبط بتحديات ورهانات الوطن، بعيدا كل البعد عن هواجس وهوس الذوات المصلحية. أما ما يتعلق بالاستفادة الإيجابية والموضوعية، فتكون بطبيعتها عامة وتلامس ذوات الجميع ومعيشهم وهويتهم وانتمائهم الترابي. يستفيد النظام بتخفيف ضغوط المقربين والفاعلين الأقوياء في الدولة والمجتمع وطنيا وترابيا (ضحايا التشبث بروابط السلطة بالمصالح الأنانية)، ويستفيد الوطن بتقوية قدرته على احتضان كل فئات المجتمع أفرادا وجماعات، ومن إمكانية تحقيق التجديد السريع والناجع لنخبه المسيرة باستمرار على أساس الكفاءة والخبرة والغيرة على السيادة الوطنية وتنمية التراب.
إن التراتبية في إنتاج المواقف، بكثافة ونوعية وجودة، وبمنحى تصاعدى مدروس ومنسق انطلاقا من واقع المجتمعات المحلية، واستحضارا لإمكانيات الوطن البشرية والطبيعية والبشرية والاقتصادية، تعد موضوعيا السبيل الوحيد لتكريس تقدمية الأشكال النضالية الحزبية، وترسيخ الحرص الشديد مجتمعيا على تثبيت ديمومة تجانس الخطاب مع الأفعال، والبرامج مع الحصائل، وبالتالي ربط تقوية الثقة في السياسة بالتلذذ الشعبي لمحاسن الديمقراطية.
أما عندما يتكرس منطق التقليد والتبعية في العمل الحزبي من الأعلى إلى الأسفل، تبرز الذات وأنانياتها، وتفضح استراتيجياتها ترابيا، وتنقشع خبايا تحركاتها لخدمة مصالحها الأنانية على حساب مصالح الوطن. فالفروع الترابية، عندما تتشكل محكومة بهاجس التجانس مع الخطابات الرسمية الفوقية، يتم الدفع بالوساطة السياسية في منحدر الهاوية. يعم بذلك القلق، والارتباك في التدبير العمومي لمصالح المواطنين، وتبتعد الإدارة عن انشغالات وأوضاع المجتمع. أكثر من ذلك، عندما تتاح إمكانية الاستغلال السياسي لسلطة الدولة لتخويف المرتفقين وأصحاب المصالح الشرعية، يتراكم الغموض بالتدرج، ويعزل المواطن نفسه رغما عنه في غياهب التقية والتربص بنفسية الغريب بين أهله.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني