القراءة في رمضان

 

بقلم : محمد حسيكي

في شهر رمضان يتقلص صخب الحياة اليومية في المجتمع الاسلامي، حيث تسود السكينة الاجتماعية من وقت النهار، ويتم تخفيض ساعات العمل اليومي، وتسود التغذية اليومية من وقت السكينة، مما يطيل سهر الليل، ويتحول ما تقلص من صخب بالنهار، إلى وقت من هجيع الليل .

وأمام هدوء الحركة نهارا، وهدير أصوات السهر ليلا، يتحول مدار القراءة خلال الشهر لدى القارئ من زمن الليل الذي فقد هدوءه، إلى وقت النهار الهادئ، إذ ينفتح الفكر على القراءة، وتحل وقت الفطنة من وقت الصوم من راحة البطنة، لتغذية الفكر من محل وقت عذاء البطن .

ومن ثمة تحلو القراءة عند الصائم خلال الشهر نهارا، إذ هناك من يتابع القراءة والكتابة على اللوح الخشبي، أو اللوح الالكتروني، وهناك من يتابع القراءة عبر المطبوعات من الكتب أو الصحف من جرائد ومجلات، وهناك من يقرأ عبر الحاسوب الالكتروني، أو الهاتف الذكي، والتواصل من القراءة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أو من خلال المساهمة التنشيطية عبر أصوات البرامج الاذاعية، أو بالمشاركة في صفحات الجرائد اليومية أو الملحقات الثقافية، أو من المواقع الالكترونية، التي رفعت مستوى الاعلام عبر الشبكة العنكبوتية .

القراءة المبدئية :

القراءة في المغرب خلال صوم شهر رمضان، نابعة من الدين الذي يحث طلبة العلم على القراءة ضربا من الحديث : طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة -، خاصة في شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن الكريم، والذي يدعو القراء إلى القراءة من قول الله تعالى مخاطبا رسوله الأمين اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق ….. إلى آخر السورة القرآنية .

وهكذا تربى المغاربة منذ عهدهم بالدين الاسلامي على القراءة بدءا من القرآن الكريم حفظا واستظهارا، في الصلاة والقيام ومن الجهر في القراءة الحزبية، والسر في القراءة الذاتية، أفرادا وجماعات، خاصة في شهر رمضان .

ومن وجهة الأحاديث النبوية الشريفة المتداولة في شهر الصيام فإنها تتم من كرسي العلم بالمسجد جهرا من القارئ والمحدث بالدعوة النصوحة إلى فعل الخير ونشر فضائل المحبة بين الناس، مما ييسر على المتلقي من وسط الجمع الاصغاء والتفاعل الايجابي مع الحديث من المستمعين والمتتبعين والمعجبين الذين ينشرون الفكر في وسطهم الأسري من البيت حين تبادل الحديث حول مائدة الطعام .

اما الحرفيون والصناع الذين يتمتعون بذاكرة تحصيل جيدة، فيضربون من وقت الفراغ اليومي في العمل الجمع بالفضاء العام موعد يومي في حلقات استماع إلى قراء السيرة النبوية، والمرويات القصصية والأزليات المشوقة، فضلا عن أساطير الملحمات التاريخية .

ويوم تطورت القراءة من السلف إلى الخلف، تم تعميم القراءة المعاصرة وتنظيم إطارها المؤسساتي بالأرضية الاجتماعية، وتعددت وسائل النشر ومعروضات الكتب من المنوعات، وارتفع عدد القراء من الفضاء الاجتماعي .

ولم تعد حينها القراءة حصرا على الرجل، بل أصبحت شاملة لعموم شبيبة الأجيال من الفضاءات التربوية والمدرسة، ومن الشارع العام لتواجد المكتبات وأكشاك المطبوعات من الصحف والجرائد الورقية والمجلات إلى جانب قصص الأقلام المصورة الخاصة بالقراءة للأطفال ، والتي أضفت على المعروضات جاذبية خاصة من الإقبال على القراءة، ووقفة القراء عبر جولات من واجهة المكتبات والأكشاك على تفحص المعروضات بالنظرات العابرة للاقتناء والقراءة .

الانسان وتعلم القراءة :

القراءة عمل علمي جامع من الدين والعلم، تغذي الروح والعقل من الجسم البشري، فهي عمل علمي جريا على الحكمة اللغوية اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، ومن الوجهة الدينية اعمل لآخرتك من يومك كأنك ستموت غذا، سيرا على النهج العلمي لا تؤخر عمل اليوم إلى الغد .

ومن ثمة كانت القراءة مسرحا علميا لكل ذي عقل سليم مفتوحة أمام الجميع من المبصرين، وفاقدي البصر، والمقعدين، حيث القراءة عمل عقلي من حضور ذهني يعتمد على الفكر الخلاق، الذي يشغل القوة العقلية، من محل القوة العضلية .

ومن ثمة فإن من القراء من تستوي فيه شروط القراءة والكتابة، كالمبصر والمقعد، بينما فاقد البصر كان يتابع القراءة بالسماع والحفظ والاستظهار مع القراء .

وحين دخلت لغة برايل لتسهيل الكتابة من القراءة على فاقدي البصر من مجال القراءة بالتعليم أصبح الانسان الكفيف يكتب من لغة خاصة به ويقرأ على نهج القراءة المتبعة باللسان والمشافهة .

وعصر الفضائيات المرئية بدأت تلوح بالأفق لغة الاشارة الخاصة بالصم البكم، والتي فكت العزلة المعرفية عن هاته الفئة الاجتماعية، وهي إشارات يدوية مليئة بالحركية، تترجم بالعقل للصم المعرفة الموضوعية بحركة الاشارة من لغة القراءة العلمية .

والطريف في لغة الاشارة أنها جد متقاربة الحركة والمفاهيم على الصعيد العالمي، ومن يدري أن تصبح يوما اللغة الموحدة التي تتعدى الصم إلى الناطقين المغتربين لغويا، حين يتعذر عليهم معرفة لغة بعضهم بعضا .

القراءة المعاصرة :

هي القراءة النظامية من التعليم العمومي، الذي يربى الأجيال تربية علمية على الحياة المستقبلية التي تهدف الرفع من شأن حياة الانسان على وجه الارض، وتحول عمله من المجهود العضلي الشاق، إلى المجهود العقلي الخلاق .

ومن تم تطورت القراءة والوسائط المعرفية عبر الحضارات البشرية من الألواح الطينية والخشبية، إلى المخطوطات اليدوية بالكتب الورقية، ثم الطباعة الحجرية، فالميكانيكية، والآلية، وانتهاء بالإلكترونية عبر الشبكة العنكبوتية التي أصبحت عمليا تسارع الزمن وتمحي الفوارق ومسافات البعد بين بني الانسان .

الانسان والوقت الثالث للقراءة :

عهد اصطلاح المجموعة الدولية على تصنيف العالم، إلى عالم صناعي، وعالم عمالي، وعالم ثالث، انشغل الانسان من محيطه الاجتماعي في دائرة عمله اليومي بتوزيع الوقت إلى ثلاث تقسيمات، وقت للعمل، ووقت للراحة، ووقت حر يسمى بالوقت الثالث يتفرغ فيه الانسان لشيء يملأ به وقت الفراغ، ومن تم جاءت القراءة وخاصة الاعلامية وانتشرت بالساحة الدولية من القرن العشرين عبر الجرائد اليومية، وولوج دور العرض من الأوقات السينمائية، وأوقات السماع عبر الموجات الاذاعية، ثم متابعة البرامج المرئية عبر الشاشات والقنوات الفضائية، فضلا عن القراءة من الحواسيب الالكترونية، والهواتف الذكية، مما أغنى ساحة العرض الاجتماعي بالوسائط المعرفية، تجاوزت قدرة العقل البشري إلى التفكير والاشتغال الآلي بطرق الذكاء الاصطناعي .

وهكذا صارت كل القراءات من منظور ورقي، إلى سماع إذاعي، أو متابعة مرئية سمعية بصرية، تشد المتتبع من وسائط إعلامية تقدم الخدمات من وقتها على مدار الساعة من مدار اليوم، مما يجعل الذهن البشري يجول بالنظر من أسواق الاطلاع والمعرفة المترفة والترفيهية دائم الاطلاع وفي مدار مع الزمن على الجديد، وكأن الانسان يسهر على الدنيا وهي بين يديه وأمام سمعه وأنظاره

وما كل ذلك إلا من ارتفاع مستوى القراءة، والانتاجية منها، وفتح أبوابها أمام كل مطلع والتي رفعت الجهل عن العنصر البشري، وغذت روحه وعقله، كما طورت فكره من عمل يدوي إلى عمل آلي، ومن ذكاء العقل البشري إلى خدمات الذكاء الاصطناعي .


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني