نداء سيدي سليمان المتخلى عنها

الحسين بوخرطة
ارتقت مدينة سيدي سليمان إلى عاصمة إقليم فتي منذ السنة الأولى من العشرية الثانية للقرن الواحد والعشرين. عرقل صرف اعتمادات تنميتها المالية محليا وإقليميا وجهويا جراء نشوب خلافات سياسوية لا تمت بصلة بالانتقال الدستوري والمؤسساتي للبلاد. التنمية الديمقراطية لا تحتمل سلطة الحلول القانونية. حلم تذويق لذة الديمقراطية لمصدر سلطها لا يطيق الحرب الضارية على “إمارة الصرف”. سلطة الانتقاء الشعبي التمثيلية شابها خلل قاتل مفتعل، ومفاصل الفعل المؤسساتي أصابها التهاب شديد سبب للمدينة شلل تنموي طوال الفترة الانتدابية الحالية. تم التعسف على ساكنتها في واضحة النهار، وانفصل فضاؤها ومجتمعها المحلي عن فلسفة الديمقراطية الترابية وسياسة إعداد التراب الوطني زمن الإعلان الرسمي لحرص الدولة على ترسيخ مقومات الجهوية المتقدمة الضامنة للتوزيع المتكافئ للسكان والأنشطة الاقتصادية والخدمات الأساسية ما بين جهات المملكة.
غابت فلسفة التدبير النافع، ليجد المجال الحضري نفسه، بشوارعه وأزقته ودروبه ومرافقه الاجتماعية واقتصاده، غارقا في الأحزان والكرد والغموض، وموغلا في علاقات مؤسساتية بنفحات الصراع الجنوني. تمت المبالغة في الاستهانة بساكنتها وذكائها ومعرفتها المحلية إلى درجة أصبح مستساغا عقد بعض دورات مجلسها التداولي في دقائق معدودات في الشارع العام. المعيش أصبح بها قاسيا جراء قصف ساكنتها بقنابل الجفاء، مكسرة قلوب الأفراد والجماعات. إنها القلوب الطامحة للاغتسال من العار السياسي الذي علق بها بالثلوج والبرد، ومن تم مقاومة الاستسلام لكل من يطمح لتجريدها من حلم انتعاش مجالها الحضري، وتحويل مداره إلى مدينة للبساتين الخضراء التي تتخلل البنايات المتناغمة والمتراصة والمنتظمة، باعثة منها كل المقومات الجمالية لفنون المعمار بألوانها وفضاءاتها الاجتماعية الزاهية، وقطاعاتها المنتجة الضامنة لكرامة العيش ودوامها.
لقد لامس كل المتتبعين كيف أدت حدة التهميش والإهمال التي دامت لسنوات عجاف إلى بروز ملموس للتعبيرات القوية المطالبة بإحداث انبعاث سياسي جديد، انبعاث تداولته أوساط فئاته المجتمعية التي سئمت التخلي عنها، وتحشرجت نفوسها بقوة نزعة الانتماء والغيرة عليها، والامتعاض من تعنت البرودة السياسية، وجفاء العشوائية. إنه وضع نفسي مجتمعي رافع لرهان التفوق وركوب صهوة التحدي في الاستحقاقات 2021، وينتظر مبادرات سياسية تكسر التواطؤ الذي أنهك قواه.
والحالة هاته، يروج في أوساط الرأي العام أن الأوضاع المتردية السياسية والاقتصادية والثقافية لم تترك أي هامس لاستمرار حياد الناخبين، لتعلو الصرخات في كل أجواء المدينة مرددة في كل الأحياء ومناطقها الحيوية الحاجة إلى ارتقاء منطق الانتقاء المعرفي الجاد، معلنة بذلك حالة الاستعجال لململة التعبيرات الانتخابية من سرير اللامبالاة، وما يترتب عنها من أحزان وتذمر. لقد شاع وذاع الوعي القوي بأحقية المدينة في مصالحة ملموسة وواقعية بين الكفاءة والمسؤولية والتنمية، ليندثر الريع والفساد ليحل محله الاستحقاق والمساواة.
الجماهير السليمانية، بقيمها الخالية من الرياء والتصنع، تستحق بجدارة واستحقاق ارتداء الألبسة الزاهية، ودوام رقص الأفراح والمسرات في فضائها الرحب، وركوب أهاليها قطار السعادة الدائمة، واحتضان أطفالها في فضاءات ثقافية وتربوية جادة، وتزيين فضاءات أنشطتهم بفساتين العيد الدائم، وتخليص شوارعها وأزقتها ودروبها من الشحوب والظلام ومن رواد النفاق والفساد السياسيين. إنها فرصتهم للإقبال المكثف على طوابير مكاتب التصويت حاملين رسائل انبعاث سياسي جديد مناهض للابتذال والتهكم.
المدينة البهية تحتاج إلى نسيم سياسي عليل ومنعش، ينسي الغيورين عليها معاناة عقد من الزمن أو أكثر، ومآسي انقضاض السحب المزركشة بالخوف والقلق والسأم على فضائها العام والخاص، وتفتح الأبواب المؤسساتية على مصراعيها للتشارك والمشاركة بتوافقات تكسر الحدود المفتعلة التي جعلت التمثيلية تهجر مقومات شرعتها الديمقراطية بمنطق النماء.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني