الانسان وحماية الاحياء

بقلم : محمد حسيكي

الانسان وهو كائن حي من حياته الطبيعية، يمر بمرحلتين حيويتين خلال مسار حياته من النشأة والتطور :

المرحلة الجنينية :

وهي مرحلة النشأة في إطار الحياة الباطنية المغلقة، أو ما يسمى بالحياة المحصنة، قد لا يعلم عنها شيئا من ذاته، غير أنه يعلم عنها شيئا بعد وجوده، وحياته حياة واقعية، بعد حياة أولى .

المرحلة الواقعية :

مرحلة الحياة المباشرة، بدءا من الفطرة ومرحلة التربية المتعقلة، وهي مرحلة إثبات الذات، وخلال هاته المراحل يمر بتجارب الحياة الكونية مع الاحياء بالطبيعة، منها الانسان والحيوان والنبات، والفضاء الذي يستمد منه حياته الكونية متعايشا متساكنا يحب الخير ويأتلف منه مع الغير، ائتلاف كل الكائنات من الفطرة السليمة، كما يجنح بعيدا عن الشر ويتفادى الوقوع فيه، خوفا على نفسه .

ومن حبه للخير جاء التآلف مع جنسه البشري لفك العزلة عن نفسه، ومع الاجناس الحية من تطلعه للحياة مع الحيوان والنبات، وتجنب الشر من نفسه ومن غيره وإرساء دعائم الاستقرار في الحياة .

وهي المبادئ التي بنا عليها حياته مع كافة الأجناس الحية من حبه للحياة، واعتبارها مرحلة قصيرة من الوجود ومحددة الزمن في حياة الأحياء من الكون .

غير أن حياته مع الأحياء لا تخلوا من مخاطر غريزية ، قد تكون من نفسه وقد تكون من غيره .

الغذاء مصدر الصراع :

كل الأحياء الكونية تتوقف حياتها على الغذاء، سواء من مرحلتها الجنينية داخل البطن الحي، حيث تتغذى من المصدر الإحيائي الذي تتواجد فيه، أو من حياتها الواقعية حيث تتغذى من الواقع الطبيعي الذي تعيش فيه .

ومن ثمة يحدث بينها الصراع من الحاجة إلى الغذاء، والتآلف فيما بينها من وفرته، إذ كل الأحياء تدافع عن نفسها من المخاطر بوسائل ذاتية، وتغلب عن ذلك حين تصطدم بوسائل من ذاتية أقوى، ولنضرب مثلا من حياة الانسان في تغذيته على النبات، وكيف استطاع أن يجعل من تغذيته على النبات، وحدة عيش وتآلف مع الحيوان العاشب .

النبات :

هو نتاج الطبيعة بالأرض من النباتات الغذائية الموسمية الخضرة ، يتغدى عليها الانسان من وقت خضرتها، بينما تتغذى عليها الحيوانات العاشبة من وقت خضرتها، ووقت ذبولها، وهو في ذلك يقتدي بالحيوان مما تقتات به، وينفر مما تعيفه من مأكل ومشرب .

ومن المرحلة التي لا يتغدى فيها الانسان على النبات، يعوض تغذيته بالألبان من مصاحبة الحيوان، حين تكتمل صحة الحيوان العاشب وتستطيب رائحته، مما يدفعه إلى الدفاع عنه وحراسته وحمايته من الحيوانات المفترسة، وخلق تعايش وتآلف معه، بل ويتخذه في أوقات الشدة قربانا، يحتمي به عن نفسه من هجمات المفترسات نحوه .

غير أن حياة الانسان مع الحيوانات الأليفة، لا تخلوا من تصادم بين الطرفين من غريزة العدوانية من طرف، والدفاع من طرف، أو من مرض قد يصيب طرف، ويدفع إلى العدوانية نحو طرف .

نزعة الانسان :

هي نزعة يطبعها الخوف من العزلة ومن بطش الحيوان المفترس، وليست عدوانية من أجل الافتراس، إذ هي خوف من العدوان قبل أن تكون صدا للعدوان .

وهي غير عدوانية في حدود الدفاع، كالهرب والاختباء عن عدوانية الحيوانات المفترسة، والمواجهة حين رد العدوان، غير أن ابتعاد الانسان عن الحيوان المفترس، وتعايشه مع الحليف من الطرف الأليف، قد يحدث تصادمات ذاتية بين الطرفين، غالبا ما تعرف عن الحيوان من الغضب لأسباب دفاعية، عرضته لأشياء مختلفة عن العادة وغير لائقة بالمعاملة، نحو الكبير أو وجهة الصغير من الغير كان إنسان أو حيوان .

ومن ثمة عرف الانسان تصدى الحيوانات الأليفة، للأشياء الخارجة عن الحدود الطبيعية، بالمسميات التي تخص كل نوع من الحيوان

فالمواشي حين تستشعر بالخوف مما تتعرض له من شيء يهددها أو يصيبها، تدافع نطحا بالمبارزة، أو نخلا بالرأس، بينما الابل تستخدم في حالة الدفاع الرجلين الخلفيتين ركلا، وفي حالة التصدي شطفا بالرجلين الأماميتين، والعض باستعمال الفم .

وعند الذواب تستخدم ضد الانسان الركل بالرجلين الخلفيتين، و مع الحيوان تضيف العض من أعلى ومن أسفل، وإن استعمل الحيوان الفم كشد طرف الثوب من جانب الانسان فإن كان داعبا فهو غير مؤذ، وإن كان مؤذ فهو حيوان على غير طبيعته، أو مصاب بأذى من سعار أو غيره، يستوجب العلاج المستعجل .

أما الدواجن فتدافع عن نفسها أو على من في حوزتها باستعمال منقارها نقبا، حين تتعرض هي أو صغارها للتهديد والأذى من الغير

بينما الكلاب إن كانت سليمة تنذر بعيدة بالنباح، وإن تعرضت للتعدي من قرب تنذر بالعرين قبل استعمال الناب .

وإن أحس الكلب من محل الألفة مع الانسان بمرض السعار داخله، فارق المكان خشية انتقال العدوى للإنسان مما يصيبه، بينما الكلاب تحتاط منه وتحيطه حين الابتعاد به، وإن ولغ الكلب في إناء وجب التخلص من الاناء تجنبا لانتقال العدوى منه، وإن استعمل نابه في حيوان أو انسان وجب إسعافه على عجل .

اما القطط التي تعيش من البيوت وتقتات من جانب الانسان، إن أوديت فتستعمل المخالب الأمامية للخدش والأنياب للعض والصراخ للابتعاد مكانيا.

وإن اصطدم الانسان بالزواحف تعرض إلى اللسع المسموم من العقارب، أو اللدغ السام من الثعابين، وهو غير لسع فراشات النحل، أو ذباب التعفنات، أو حشرات نواميس الأحياء الحساسة، كالبراغيث الضارة، والبعوض الليلي المصاص الدم كالخفافيش من الظلمة .

علاقة الانسان بالأحياء المائية :

لا فرق في خلق الله بين الاحياء المائية من المناطق البرية او البحرية، فالأحياء البحرية منها من يقتات على النباتات من الطحالب البحرية الرطبة، ومنها من يقتات على اليرقات المائية ومنها اللاحمة المفترسة، ومنها من يقتات على القشريات وعلى الميتة، كما أنها منها الأليفة ومنها المتوحشة .

والأحياء البحرية أكثر عددا وتنوعا من الأحياء البرية، وإن أصبحت مهددة من غزو الانسان واكتساحه مجال عيشها بالصيد الغير المراقب .

ومن ثمة كثيرا ما يصطدم معها من خلال مجال الصيد او السياحة، أو مجال العبور من مدار الهجرة الموسمية بين الجهات القطبية

ومن خلال الاصطدام يعرف أن منها السامة، ومنها الأليفة، ومنها المفترسة، ومنها من تعيش في البحر و تستنشق الهواء وتتلمس الدفء والانجاب من البر .

الانسان والرفق بالحيوان :

تأتي علاقة الانسان بالرفق من الحيوان من نضجه العقلي، من حياة الألفة الخالية من الصراع الذي ينزع عن كافة الأحياء العدوانية، بل حتى من المفترسة .

ومن وجهة الانسان ارتقى من الرفق بالحيوان إلى مدارك علمية، أهلته إلى حق حماية الحياة والحفاظ عليها، ويقظته من حالة الانقراض التي تهدد مما قد يتعرض له النوع الاحيائي من العدوانية .

ومن ثمة صار من الألفة والمصاحبة يدرك سلوك الحيوان والتعامل معه بالإحسان، والاعتناء به غذائيا وصحيا، ومعالجته من الأمراض وحمايته من الطبيعة ومن الاعتداء، أو من أثر الفقدان، وحاجته المتأثر إلى الرعاية اللازمة لا نقاد الحياة من الهلاك، إذ كما يخصص لنفسه الوقاية الصحية والرعاية الطبية، خص الحيوان أيضا بالتغذية السليمة والرعاية البيطرية، وكذلك حماية النباتات من الطفيليات والأمراض النباتية التي تؤثر على نموها والحشرات الموسمية التي تغزوها، مما يستوجب معالجتها بالمبيدات السامة التي تحمي الصحة النباتية من العوارض والحشرات الطبيعية .

الانسان وحماية الحيوان :

بعد أن نجح الانسان في التعامل بالرفق مع الحيوانات الأليفة، التي تعيش معه، اتجه إلى حماية حيوانات الغاب التي تستوطن الطبيعة والتي أصبحت هدفا طائشا للإنسان مما راح يهددها بالانقراض وتدمير الطبيعة .

الشيء الذي جعله يفكر في خلق مناطق غاب تحمى الطبيعة وأنواعها من الوحيش البري، وخضوع مجالها للصيد المقنن والمراقب

ومن تم حافظ على أنواع كثيرة بل طور طرق انتاجيتها وتكاثرها من مراكز عيش وإنتاج من مختبرات خاصة، دون الخروج بها عن مجالها الطبيعي .

كما خص بالحماية والتتبع المناطق المائية الرطبة ذات السمعة الدولية، والخاصة بالطيور المحلية والمهاجرة العابرة للقارات من مدارات الفصول السنوية، والتي تقصدها أنواع من الطيور المحمية قصد الراحة، أو التفريخ، أو التزاوج .

فضلا عن الحدائق الوطنية التي تضم أنواعا من الحيوانات القارية والزواحف والطيور، خاصة بالزوار للاطلاع ومتعة النظر والتقاط الصور، وكذا مجال تكوين طلاب المعاهد المختصة للبحوث والدراسة، وتطوير العلاقة بين الانسان والأجناس الحية، التي عاشت في جانب مع الانسان يوم كان لا يعلم شيئا، وأصبح يعاملها ويتعامل معها بعد أن أصبح يدرك منها شيئا وهو حاجتها إلى الرعاية والحماية والحق في الحياة السليمة .

الانسان والترفيه على الاحياء :

الترفيه حالة طبيعية في حياة الأحياء تظهر بالفطرة من الكائن الحي بعد شبع من الغذاء، ينعكس ذلك ذاتيا بالرغبة في المرح الذي يلوح من الذات .

ومن ثمة يكون المرح تلقائيا بالفطرة، وحين الاجتماع يكون جماعيا عند الانسان والحيوان، وهو نشاط نفسي ينعش الروح ويرفع من خفة حركية وظائف الجسم زهوا ولعبا مع الذات أو مع الغير من ذات الجنس .

والانسان من معايشته الحيوانات الأليفة، تقترب منه وهي صغيرة للتعرف عليه، من رائحته وحركته نحوها، ومدى تجاوبه مع اقترابها، فإن لاطفها اقتربت منه، وإن أبعدها ابتعدت عنه .

ومن ثمة يتحدث مع الحيوانات كل باللغة التي ألف سمعها من الانسان، فمخاطبته للشاة ليست هي مخاطبته لماعز الضأن، ومخاطبته للأبقار، تختلف عن مخاطبته للابل، وكذا المخاطبة للذواب والخيول، وأيضا للكلاب والقطط، والدواجن، والأرانب، منها من يخاطبها باللسان، ومنها من تستجيب للصفير الهادئ كالدواب حين الشرب، ولمزة الشفاه كالأرانب حين الاطعام ، وكل حيوان أو طائر يعرف من الانسان اللغة التي تعنيه بالإقبال نحوه أو الابتعاد عن شيء او التهدئة لعمل ما نحوه، أو بالاحتراز من شيء، أو التحرش ضد شيء، حيث يسمع أو يلوح عليه ويستجيب .

ومن هاته المبدئيات العامة، تدرج الانسان علميا في تدريس سلوك الحيوان، والتعامل معه وتوليف المتوحش جانب المهادنة مع الأليف من وضعه بالحدائق الحضرية، وتخصيص مأوي له في أماكن شبه ملائمة لبيئة عيشه ورعايته صحيا وغذائيا .

أما التي تدخل مجال الترويض، قصد الخدمات والترفيه على الانسان في ميادين التباري والفرجة ومن مسارح التسلية، فهي حيوانات مرفهة وتحظى بنصيبها من التربية والتعليم والارتقاء في المستوى إلى مجال الخدمات كالقيام بالأدوار وإنجاز المهام المطلوبة منها عن طريق المنشط الميداني الذي يقدم الفرجة الممتعة للمتتبعين، كخيول التباري والقفز، والقيام بالمهام من حلبة السوارق، وأدوار كلاب الزينة من البيت والحراسة والسباق وخدمات الصيد والتفتيش، وتربية القطط الأليفة والطيور المغردة وأدوار الفرجة من مسابح الحيثان المروضة، وثعابين المداعبة، إلى غير ذلك من أصناف الحيوانات والزواحف التي نزع عنها الانسان الوحشية وأدمجها في سياق العمل والحياة الأليفة في إطار المساكنة بين الأجناس الحية .

من كل ذلك نرى أن الانسان لم يقصر في خلق أجواء الحياة الأليفة مع بني جنسه من الانسان وحسب، بل طورها من معرفة خالفه، وربط العلاقات الروحية من التواصل الديني معه، إلى كل الكائنات التي تتواجد معه بالطبيعة، والتي قربها إلى جانبه من مجال الحضارة، وشاركها المعارف والأدوار في حياته ومن خدماته، ذلكم ما رفع الوحشية عن الانسان والحيوان وجعلهما إسوة من الألفة والاستجابة الطوعية لمتطلبات الحياة السليمة، التي رفعت سلوك الانسان من حيوان ناطق، إلى كائن حي ناطق بالعقل واللسان من الحكمة والموعظة والمعاملة الحسنة .


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني