انخراط المجتمع المدني قد يحسم مصير البيئة العالمية

بقلم: د. يوسف بن مير
مراكش
بمناسبة تخليدنا لليوم العالمي للبيئة الأسبوع الجاري، نتوقف ولهة للتأمل في مفهوم التنمية المستدامة منذ أن طرحت الأمم المتحدة هذا المصطلح لأول مرة سنة 1987. خلال تلك الفترة الزمنية، ركزت قنوات التنمية المستدامة على مبدأ إدارة الموارد الطبيعية وضرورة ترشيد السكان لمصادر القوة تفاديا لاستنزافها إلى حد يهدد مستقبلنا المشترك.

وفضلا عن ذلك، فقد تعلمت البشرية، منذ صياغة تلك العبارة المحورية، الكثير عن استراتيجيات تأمين استمراريتنا على هذا الكوكب، دروس مهمة لابد من مشاركتها في النسخة الحالية من اليوم العالمي للبيئة. ومن المؤكد أن تداعيات وتصورات الوضع البيئي تظل في جوهر مفاهيم وممارسات التنمية المستدامة.

ومهما كانت الظروف، فإن الخبرات المتراكمة والتقييمات المتواصلة كشفت أيضًا أن قضايا بسيطة مثل النسبية الثقافية، أو تحديد أوضح للأولويات، داخل أي مجتمع محلي أو حي سكني، بناءً على ظروفهم المعيشة ورؤيتهم للحياة، قادرة على إعاقة مسار أو مستقبل استدامة المشاريع والمبادرات المستحدثة في هذه المناطق. فلا يمكن مثلا إغفال الطريقة التي نزرع بها طعامنا، والخيارات التي نتخذها فيما يتعلق بما ننتجه، كلها تفاصيل مهمة. يتضح أن المزارعين إذا قاموا هم أيضًا بمعالجة محاصيلهم، فإن ملاك الأراضي الزراعية الصغيرة ستزدهر أحوالهم، وبالتالي سيعود ذلك بالخير الكثير على جودة واستدامة الحياة.

بالتالي، أصبح من الواضح أن الظروف السياسية ومناهج الحكومة، على مختلف المستويات، المعتمدة في تحديد الخدمات ووضع البرامج المختلفة لتوزيع الميزانيات العامة، عوامل محورية تؤثر على حيوية البرامج التنموية الناشئة عن أفراد المجتمع المدني. ويمكن هنا أيضًا ملاحظة أن القدرات التقنية، وتنوع معارف الساكنة المحلية، ومدى اعتماد الشركات على التقنيات المحلية أو الدولية، تشكل بدورها عناصر ضرورية في تحقيق التنمية المستدامة.

قد يتفق الجميع على أن عدم المساواة بين الجنسين حقيقة مرة واجهها العالم عبر التاريخ، إلا أنها لا تزال موجودة حوالينا بشكل لا يخفى على العيان، وهي تحدد مصيرنا بشكل عميق وتقرر استدامة سبل وطبيعة عيشنا. إنه الصراع الأزلي في البحث عن السلام، في ظل التقلبات الاقتصادية التي لا تنتهي، وتغير أنماط الطقس والمناخ، والسلامة العاطفية والعقلية، والعلاقات الأسرية (بأي شكل كانت)، ومدى انخراطنا من عدمه، وحتى الطريق التي نخلد بها ذكرى سلفنا — كل هذه الأمور وغيرها تعتبر مصيرية، ليس فقط بشأن التحديات التي تواجه الكوكب، بل وأيضًا في ما يتعلق باستدامة مجتمعاتنا المحلية.

ويمكن تعريف التنمية المستدامة في أيامنا هذه على أنها خليط يجمع بين عوامل الحياة المتنوعة وطرق معيشتنا. فلنمضي إذا لحفظ الموارد الطبيعية الهامة كما اقترح بيان الأمم المتحدة لعام 1987، ولنبذل مجهودات أكبر من ذلك بكثير. أما إذا كانت التنمية المستدامة مفهومة على نحو يتجاوز ذلك ليواكب القيم العليا التي يرسخها اليوم العالمي للبيئة، فإن وصفها على هذا الأساس فقط يعد أمرًا مهمًا، ونخلص من التجارب الماضية إلى أن القيام بذلك لا يرقى بالضرورة إلى مقام البرامج والمشاريع الموجهة لخلق تغييرات إيجابية.

لقد استنبطنا من خبرات السنين وما أنجز من تقييمات ما يلي: للمضي قدمًا، سيتطلب إنجاح كل هذه الرؤى المختلفة، اللازمة لخلق تنمية مستدامة معاصرة متعددة الأبعاد بالرغم من الصعوبات المطروحة، مشاركة شاملة وانخراطا من المجتمع المدني. علاوة على ذلك، سيتيح الدعم المقدم لجميع القطاعات والمستويات الإدارية فرص حقيقية لإنجاز مخططات المجتمعات المحلية، ودراسة مبادراتها وتنفيذها، وإدارة المشاريع التنموية التي تعزز سبل العيش.

إن مشاركة وانخراط المجتمع المدني هي أسمى تجليات الاستدامة، لأن اندماجهم بشكل واسع سيضفي تنوعا ويغني وجهات النظر الضرورية لرسم خارطة استدامة تراعي جميع الأنماط والخصوصيات. قضية مساهمة المستفيدين وتحكمهم في المخطط التنموي بأنفسهم هي في الواقع الضمان الوحيد بأنهم سيضعون الخلافات السياقية المتأصلة والمتباينة جانبا من أجل تحقيق التنمية الملائمة والمناسبة.

ومجمل القول، إن اليوم العالمي للبيئة يعكس عزيمة المجتمع المدني ورغبته في رسم مساره التنموي، وعلى هذا النحو يمكن لجميع مجالات الحياة أن تزدهر بفضل الاكتشافات الذاتية التي سيتم تحقيقها.

مشتل الأشجار المثمرة الذي تشرف عليه تعاونية نساء تخرخورت بجهة مراكش – المغرب (مؤسسة الأطلس الكبير، 2021).
الدكتور يوسف بن مير، متطوع سابق في هيئة السلام، رئيس مؤسسة الأطلس الكبير حاليا.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني