اللامركزية بالمغرب: نحو تنمية المجتمع والتضامن الوطني

بقلم يوسف بن مير
اللامركزية في المملكة المغربية – لاتخاذ خطوات غير مسبوقة نحو تنمية الأفراد والمصالحة الدائمة للنزاع المتعلق بالصحراء الغربية – تنمو من خلال المواثيق والبرامج الناجحة التي تركز على نهج تشاركية وديمقراطية للعمل الاجتماعي. ولقد وضع المغرب لنفسه مسارات توجيهية نحو التنمية المستدامة والتي، إذا نجحت، يمكن أن تشكل نموذجا تقتدي به دول أخرى في قراراتها حول التغيير الاجتماعي والاقتصادي والبيئي.

وتجعل التزامات المغرب المتعلقة باللامركزية الرهانات عالية للغاية. و تتمثل هذه الالتزامات في التنمية المتمركزة وإنماء حقوق المرأة وتحررها، وفي عدد من الضمانات التشاركية والديمقراطية الأخرى. وفي حالة نجاح رؤية المغرب العملية للتغيير، ستكون التنمية المستدامة التي يستفيد منها الشعب مجدية وفي المتناول. أما في حالة فشل تنفيذها، يمكن أن تصبح هذه النهج الإنسانية والشاملة خسارة تاريخية بالنسبة للمغاربة، وأيضا أقل قابلية للمماثلة من طرف الدول الأخرى. وستواصل الدولة العمل نحو هدفها المثمتل في تحشيد عشرات الآلاف من القرى لتحسين جودة الحياة الحاسم، مع الالتزام بجميع أشكال الاستثمارات المحلية.

ويعد اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية مفهوما ضمنيا يتجلى في أن اللامركزية ستكون بمثابة ركيزة للاستقرار الوطني والنمو المشترك على المدى الطويل. ويمكن أن يتكيف الوضع النهائي لهذه المنطقة، باعتبار أنها تتمتع بالحكم الذاتي داخل المغرب كبلد ذو سيادة، مع مصالح تقرير المصير والوحدة الوطنية وخاصة إذا ختم بتطوير جودة الحياة الذي تم تصميمها وإنشائها محليا. ومن أجل أن يقطع المغرب أشواطا مهمة نحو التنمية المستدامة، يلتزم البلد باللامركزية كإطار رئيسي بموجب الدستور، بالإضافة إلى إطارات أخرى من أجل أن يمتد العمل المجتمعي المحلي على نطاق واسع. إلا أنه لازال يجب أن يتم ترسيخ اللامركزية من خلال طرق مجدية. ويكمن التحدي الأكبر في أن تجسيدها يقتضي فعالية مبادرات وسياسات التنمية الوطنية للمغرب.

إن الترتيبات اللامركزية تكبر كانعكاس لتحديد وإنشاء مشاريع من قبل الأشخاص. ولن تبرز هذه الأنظمة المفيدة إذا لم تعطى الفرص للأشخاص من أجل تحديد وتصميم والعمل على أولياتهم الأشد رسوخا. وبالتالي، فإن اللامركزية ستعطي ثمارها عند اكتمال ميثاق البلدية للبلاد. وفضلا عن ذلك، يعتبر تمويل مشاريع التنمية أساسيا للتقيد بالنظام الأساسي لميثاق البلدية، وهو ما يقتضي ربط تلك المشاريع بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

وعلى الصعيد الوطني، يتضح بأن المغرب يسترشد بإطارين غير منسجمين، على ما يبدو، بغية النهوض باللامركزية الإدارية. بيد أن الحكومة المغربية حاليا تفسر هذين الإطارين، عن طريق مسؤول في وزارة الداخلية، كإطارين قائمين على بعضهما البعض. ويصف أول نهج مستمد من الخطب الملكية، التي ألقاها صاحب الجلالة الملك محمد السادس بدءاً من عام 2007، نظاما تحدد وتواصل فيه المجتمعات المحلية المبادرات ذات الأولوية والمدعومة من طرف الشراكات دون الوطنية والمشتركة بين القطاعات، إلى جانب الوزارات الملتزمة والمساهمة على الصعيد الوطني.

وفي الواقع، فإنها تجمع طريقة مبتكرة بين ثلاث نهج لللامركزية والتي تم تفعيلها عبر العالم. وتشمل هذه الاستراتيجيات 1) تحكم المجتمع المحلي في تخطيط وتدبير المشاريع الخاصة به، 2) التعاون بين القطاعات العامة والخاصة لدفع عجلة التنمية، 3) توفير الموارد المالية والتقنية والاستشارية على الصعيد الوطني. وتشدد اللامركزية من هذا النوع على البلدية، باعتبارها المستوى الإداري الأقرب من الناس، كحافز لمشاركة المجتمع المحلي في المشاريع المدعمة من قبل الكيانات التي توجد داخل كل قطاع ومستوى في المجتمع. ومنذ صياغة خارطة طريق اللامركزية، لم يكن لإصدارها تأثير ملحوظ على حياة الأفراد، وهناك العديد من الأسباب وراء ذلك. فتحتاج اللامركزية من هذا النوع، والتي يمكن أن تكون تاريخية ومغيرة لمسار أي بلد، إلى التسهيل وحركات المجتمع المحلي المستمرة من خلال دورات مشاريع التنمية المتواصلة.

ولم يشر إطار اللامركزية الثاني والذي تم تفسيره في ميثاق 2019 إلى المستوى البلدي، ولكنه يفسر بالأحرى العلاقة والمسؤوليات بين المستوى المركزي في مدينة الرباط والعواصم الإقليمية الثانية عشر. ويعد التركيز على خارطة الطريق والميثاق على مختلف المستويات الإدارية السبب وراء الاقتراح الذي يقول أن المقصود هو الجمع بينهما لتغطية الوظائف الأساسية لكامل هيكلة الإدارة العامة. غير أن الميثاق يجب أن ينص بوضوح على المسؤولية الإقليمية لضمان تكوين شراكات دون الوطنية والتي تمد يد المساعدة للمشاريع المحلية وتشرك المجتمعات المحلية في إحداث التغيير الذي هم في أمس الحاجة إليه. ويعتبر التوجيه ضروريا في اللامركزية بالنسبة للدور والأهداف لكل مستوى إداري.

إن المقاطعات (المستوى بين الجهة والبلدية والمكان حيث يجلس المحافظون) باتت دون توجيه واضح في هيكلة اللامركزية التي يعتزمها المغرب. وهناك حاجة إلى إدارات المقاطعات الحيوية بسبب عشرات البلديات التي غالبا ما تتواجد في مقاطعة واحدة. ولازالت هناك الحاجة إلى إطار فردي لللامركزية من أجل تحديد الوظائف الرئيسية والمبادئ التوجيهية التي تنظم كل مستوى إداري، وخاصة بين المستويات دون الوطنية. وبالتالي، سيكون من المفيد أن تكون خارطة الطريق والميثاق في سجل واحد مع تفسير وأدوار أكثر وضوحا ليتم تعزيز اللامركزية مع مرور الوقت.

اللامركزية في المغرب – الوضع الحالي

تشكل اللامركزية عنصرا محوريا في جدول أعمال التنمية المستدامة للمغرب. وقد التزم المغرب بتركيز صنع القرار على المستويات دون الوطنية بشأن مجموعة متنوعة من الشؤون الإنسانية، وذلك مع انطلاق المبادرة الوطنية للتنمية المستدامة وخارطة طريق اللامركزية وميثاق بلدية التنمية القائمة على المشاركة ودستور 2011 وميثاق اللامركزية غير المصدق عنه بعد لسنة 2019.

1) ميثاق البلدية للمغرب يتطلب أن يضع الممثلون المنتخبون محليا خططا للتنمية على المدى القصير والبعيد والمستمدة من تخطيط الشعب وصنع القرار. وتوصف بأنها بلديات تسند إليها مهمة إشراك مجموعة كبيرة من الخدمات الرئيسية التي تحتاج إلى قدرات أكبر للعمل بفعالية، بما فيها خدمات توفير الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرق والنقل الحضري وإدارة النفايات الصلبة.

ويمكن لميثاق البلدية أن يكون بوابة للتنمية واللامركزية ليصبحا حقيقة. غير أن التحدي المستمر يكمن في عدم تدريب أعضاء مجلس البلدية المنتخبين، والذين تقع على عاتقهم مسؤولية تسهيل عملية تحديد المشاريع مع الناس المحليين، في تطبيق الأنشطة التشاركية التي تفضي إلى المعلومات التقنية والكيفية والمفيدة المطلوبة. ويجب أن يستفيد الممثلون وأفراد المجتمع المحلي من ورشات عمل حول التعلم التطبيقي المنظمة من طرف الحكومة والمجتمع المدني والجامعات والمشاريع ذات المسؤولية الاجتماعية لتزويدهم بالمهارات التطبيقية المطلوبة وذلك بغية الوفاء بالميثاق بشكل فعال.

2) المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تتيح الوصول إلى التمويل العام لفائدة المشاريع المحلية مثل البنية التحتية وبناء القدرات وأنشطة توليد الدخل. وينهض كل مشروع ناجح للمجتمع المحلي، والذي يتضمن شراكات متعددة القطاعات، بترتيبات اللامركزية الإدارية إلى حد ما. ويتم تشغيل النظام الإداري الذي يعزز التنمية اللامركزية من طرف وكالات القطاعين العام والخاص والذان يعملان معا للمساعدة في خلق مبادرات محلية، إلى جانب الدعم على الصعيد الوطني والذي يشمل ميزانية بقيمة مليارات الدولارات سنويا لفائدة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية. ومن المقرر أن ينمي هذا التعاون بين القطاعين العام والخاص إطار المغرب لتعزيز ترتيبات اللامركزية.

ويجب أن يكون الدور الرئيسي للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية هو المساعدة في دعم المشاريع المقررة من قبل المجتمع المحلي والمصممة بانتظام جنبا إلى جنب مع الأحكام التشاركية لميثاق البلدية. وبالفعل، يمكن أن تحقق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وميثاق البلدية أحسن اكتفاء فردي عن طريق العمل جنبا إلى جنب. ويهدف تطبيق التخطيط الإنمائي بمساعدة المسؤولين المنتخبين محليا إلى إعداد مشاريع محلية جديدة وضعت من خلال اللقاءات المجتمعية – وهي أنواع المشاريع المستهدفة للتمويل من قبل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

ويقوم المبدأ التشاركي على تسيير المجتمعات المحلية لمجمل عملية التنمية عبر الانخراط في كل خطوة، من تقييم التحديات إلى إيجاد حلول ابتكارية وتدبير المشاريع ومراقبة النتائج وجني الفوائد المشتركة في آخر المطاف. ويضم هذا النهج شركاء من جميع القطاعات لتحقيق المساواة بين الفئات المستضعفة في المجالين الحضري والقروي عن طريق الموارد المالية والتقنية وموارد أخرى. وفي هذه المنهجية، تلبي المبادرات الناتجة احتياجات المجتمعات المحلية بطريقة مباشرة كما أنها يمكن تكييفها مع الظروف الاجتماعية والبيئية.

وللأسف، لا يحدث هذا حاليا بالقدر الذي يحتاجه المغرب. وتعترف الحكومة بأن المبادرة تعجز عن تحقيق الأهداف الوطنية. فقد بينت المحادثات مع المسؤولين المحليين و الإقليميين والوطنيين منذ عام 2010 أن الغالبية العظمى منهم غير مدربين على تسهيل العمليات الدبلوماسية للتخطيط الإنمائي. ويجب أن تستثمر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في التدريب التجريبي لتخطيط العمل هذا مع الحكومة المحلية وأفراد المجتمع المدني. وسيكون تزويد المدرسين والتقنيين وكل مواطن مهتم بالقدرة على تنسيق الحوار التشاركي دافعا قويا للمشاريع.

وبالإضافة إلى ذلك، سيتم تعزيز المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بشكل كبير، وذلك إذا سمح لها بتمويل مجموعة المشاريع التي تعتبر أكثر أهمية بالنسبة للمجتمعات المحلية (سواء في الصحة أو في التعليم أو في الزراعة أو في العمران، إلخ). وكثيرا ما تغير معيار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بخصوص أنواع المشاريع المفضلة، بينما ظلت أولويات المجتمع القروي ثابتة: بناء شبكات المياه وروضات الأطفال والإنتاج الزراعي. وبالإضافة إلى ذلك، يعتبرشرط المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، المتجلي في أن المستفيدين من التمويل يجب أن يستثمروا 30 في المائة من مجموع تكاليف المشروع، عائقا أمام مشاركة الأشخاص في هذا المشروع. وبالتالي، ينبغي خفض مبلغ الاستثمار المشترك إلى ما لا يزيد عن 10 في المئة، مما سيحافظ على حافز الشراء رغم ذلك. وفي الأخير، تعد الإطارات الزمنية لتقديم مقترح المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التنمية غير ثابتة من سنة لأخرى، وغالبا ما تأخذ الدعوة العامة لتقديم الطلبات مهلة قصيرة. وبذلك، فإن هذه المسألة تزيد من حرمان الناس من حقوقهم، لاسيما أن هؤلاء الأشخاص في المناطق القروية لديهم معرفة محدودة بالقراءة والكتابة في الكثير من الأحيان ولا يمكنهم على الأرجح الوصول إلى استمارة الطلب المعقدة. ويمكن للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية أن توسع مستوى إمكانية الوصول إليها، بما في ذلك المشاركة مع مقدمي الطلبات المحليين في صياغة مقترحات في المجتمعات المحلية التي يتواجدون فيها.

خارطة طريق اللامركزية، وهي خارطة أسست من خلال التوجيهات السامية لصاحب جلالة الملك، تجمع بين الدعائم الثلاث لتمكين الجهات والبلديات: كتفويض السلطة واللاتمركز والانتداب. ويجمع هدف التعامل المستمر على الصعيد الوطني إلى جانب الشراكات دون الوطنية التي ترمي إلى تنفيذ المشاريع في مختلف المستويات الإدارية لتحقيق مشاريع التنمية التي تم تحديدها على مستوى المجتمع المحلي.

وتصبح أنظمة اللامركزية للمغرب ذات طابع مؤسسي عندما تقوم المجتمعات المحلية بتحليل احتياجاتها وإنشاء مشاريع على أساس المصالح الشخصية والمشتركة وإقامة شراكات بين القطاعات العامة والخاصة والمدنية. وبالتالي، كلما حققت المجتمعات المحلية المشاريع التشاركية على الصعيد الوطني باستخدام الشراكات متعددة القطاعات، أخذت اللامركزية شكلا أكثر.

وعلاوة على ذلك، فإن التطور العضوي للنظام يستمر في التوسع من المستوى الإداري إلى الناس (وهي البلدية في المغرب) نحو مستويات أعلى (إقليمية وجهوية ووطنية) عندما تتفدرل الفئات المجتمعية بدافع المصالح والأهداف المشتركة. وهناك أمثلة إيجابية عن هذه الحالات في المغرب، ولكن ليس عن تنفيذها وتأثيرها النظامي. ويتطلب إنشاء، ما يعد بمبنى عملي لنظام لامركزي، عملية التسهيل المتواصلة للتعاون المشترك بين القطاعات، بما في ذلك بين المؤسسات على مختلف المستويات الإدارية.

ومع ذلك، فقد لوحظ أن دفع عجلة اللامركزية بسرعة كبيرة جدا دون التركيز على توزيع المصالح العادل يؤدي إلى عواقب وخيمة كترسيخ الطبقية الاجتماعية وهياكل السلطة. ولتفادي هذه النتيجة، يؤدي التنفيذ الحقيقي لميثاق البلدية و للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية إلى حركات التنمية الشاملة والتشاركية، والتي يتم بواسطتها دفع عملية إنشاء اللامركزية الإدارية كبديل، وذلك عبر صنع القرارات الجماعية. ويتطلب تشكيل هذا النوع من النظام دعما أكبر وتجارب عملية لفائدة المجتمعات المحلية والجمعيات من أجل توجيه المشاريع التي تتضمن التمكين الشخصي والجماعي المتزايد، بما في ذلك الاستقلال الاقتصادي.

المصادقة على الدستور سنة 2011، والذي تم دعمه عن طريق الاستفتاء العام|، نص على حقوق المواطنين للمشاركة في صنع القرار والإدارة. ونتيجة لذلك، تصبح جهات المملكة الإثنا عشر، بشكل تدريجي، هيئات إدارية متميزة ومستقلة تلتزم وتفي بالقانون العام. وفي سنة 2015، تم تعديل الدستور لتعزيز الإجراءات وحيوية الديمقراطية المحلية عبر العديد من التدابير كالاستفتاءات العامة حول قرارات البلدية والميزانية المشتركة بشكل عام وضمان إمكانية الوصول العادلة للمواطنين والترتيبات التشاركية في المنتديات المفتوحة.

ولقد مهد المغرب الطريق للتنمية التي يديرها المجتمع المحلي، وذلك للمضي بها قدما من خلال الشراكات دون الوطنية والمعايير الديمقراطية واللامركزية. ويشجع هذا النهج المحاكاة والمقياس مما يجعل التجربة والسياسات والنموذج المغربي مفيدين على الصعيد العالمي.

بيد أنه تماما كما تتطلب الشراكات متعددة القطاعات عملية التسهيل الخارجية للجمع بين الأطراف، فإن اللامركزية والتلاحم فيما بين المستويات الوزارية يتطلبان نفس الشيء. وتعد وزارة البيئة للمغرب، والتي تلتزم بالتنسيق فيما بين الوزارات الأخرى والوكالات والمنظمات، في مركز رئيسي لإقامة الشراكات متعددة القطاعات والمستويات التي تتضمن اللامركزية الإدارية. ومع إنشاء إدارات في كل جهة من جهات المغرب، ستقوم وزارة البيئة بتحفيز التخطيط المشترك للتنمية المستدامة والدمج بين مختلف المنظمات وإقحام الاعتبارات الاجتماعية والثقافية والمالية والتقنية في تصميم البرنامج.

وبتوليها هذه المهمة، ستعزز الوزارة التفاهم فيما بين الشركاء الجهويين و الإقليميين ومن البلديات بشأن العوامل الاجتماعية – الاقتصادية كلية والبيئية التي تؤثر في التنمية. وعلاوة على ذلك، يمكن للعمليات التي تشجعها الوزارة المساعدة تحديد وتلبية الاحتياجات من قدرات موظفي الخدمة المدنية والعامة وكذا الوكالات. وتتكون الشبكات التي تشكل اللامركزية والتحول في نهاية المطاف عندما تضع وتدير الجهات المعنية البرامج على نحو تعاوني.

وسيكون من المفيد جدا، إن لم يكن ضروريا، وجود مبعوث ملكي لللامركزية لرصد إعمالها وإقامة سبل استراتيجية تدرج في عملياتها. وإنه لتوقع كبير أن تصبح حكومة، لطالما كانت شديدة المركزية تاريخيا، لامركزية. ويمكن أن يساعد منصب المبعوث بالنهوض بجداول الأعمال والخروج من المآزق وجلب الاهتمام الجدي بهدف اللامركزية وبنهج اتخاذ الاجراءات الفورية.

وتتوفر وزارة الداخلية طبعا على البنية التحتية والموارد البشرية لتكون الناقل الأساسي لسن تشريعات اللامركزية المغربية. وبدلا من الإشراف على اللامركزية عبر الوطن، يمكن لمستوى موظفيها الذي لا نظير له أن يقدم مساهمة إيجابية من خلال مساعدة الموظفين مجالس البلدية في الاتصال والتنسيق ونقل التوصيلات اللازمة للأنشطة ذات الصلة، وأن يكونوا متاحين لتحقيق أقصى قدر ممكن من التوعية العامة والمشاركة الشاملة.

5. من الأقلمة إلى تفويض السلطة للبلديات وغالبا ماتبقى المراكز الإدارية العامة الجهوية للمغرب ودوائر اختصاصها بعيدة عن المجتمعات المحلية مما يبطئ صنع القرار ويؤدي إلى مبادرات غير مكيفة كفاي ةمع السياق المحلي. وبالتالي، فإن هذا يحول دون قدرة المجتمع المدني على المشاركة في صنع القرار الذي يؤثر على حياة الأفراد اليومية.

وسيساهم التمحور من الأقلمة إلى تعزيز نقل السلطة إلى البلديات في تحسين المواعيد الزمنية وإدارة المبادرات المرتكزة على الأفراد. بيد أن نقل السلطة دون مشاركة مناسبة للأفراد يمكن أن يؤدي إلى طبقية اجتماعية أكثر (في الجنس والاقتصاد والسن) على المستوى المحلي. ويمكن لهذا أيضا أن يخلق تحديات متعلقة بالتنسيق أو تبادل المعلومات بين البلديات حول الاحتياجات المشتركة وأحسن الممارسات، في حالة عدم التماشي مع المبادئ التوجيهية الإقليمية.

وبالإضافة إلى ذلك، تتكون المجالس الإقليمية بشكل مثالي من الممثلين من الوكالات العامة والخاصة التي تتفاعل مع التنمية البشرية ويمكن أن يتم تنسيقها بمساعدة وزارة البيئة. وعلى سبيل المثال، سيكون تجميع وتقديم المشاريع المؤلفة في خطط التنمية البلدية للمجالس الإقليمية فعالا لأجل اعتمادات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أو الدعم المالي والتقني من موارد أخرى، بما فيها الموارد من الوزارات الممثلة.

6. المرشدات السابقات والمشاركة بالتمكين هناك حاجة مشتركة اليوم فيما بين الحكومات والمجموعات المدنية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لزيادة وضع تفسيرات والعمل على تحقيق انتشارها بأوجهها المتعددة بشأن كيف أن، على سبيل المثال، أنظمة اللامركزية والعمل التشاركي المحلي وتمكين المرأة لهم أسس في المفاهيم الإسلامية. ويمكن للتحليلات الدينية والأكاديمية المفيدة وانتشارهم الواسع أن يوفر قاعدة إسلامية للسياسة والإصلاحات المبرمجة التي بادرت بها الجهات العامة والمدنية من أجل تعزيز مشاريع المجتمعات المحلية المستدامة والنمو العادل. ويمكن لتتبع وتوسيع نطاق فهم الناس لخصائص الاستدامة التي تستمد جذورها من الإسلام أن يعزز الالتزامات المشتركة الغربية-الإسلامية بسبل التنمية المحددة.

فعلى سبيل المثال، تتضمن تعاليم الإسلام كالشورى والبيعة والتوحيد صفات التنمية المستدامة، وباقترانها معا، تعزز هذه المفاهيم الدينية نظام الحكم القائم على التشاركية الذي يلتزم بالعدالة الاجتماعية و مساءلة القادة والحكم الذاتي المحلي. ونكتشف، من خلال مقارنة العمليات والنتائج المتوخاة للتنمية المستدامة مع تصنيف لهذه المفاهيم وأخرى في الثقافة الإسلامية، عناصر يمكنها إفادة تصميم ورشات التمكين.

في المغرب، يعتبر برنامج المرشدات – الذي يدرب النساء في الفقه الإسلامي لتزويدهم بما يمكنهم للقيام بمهام الخدمة الإنسانية القائمة على أساس ديني كما يفعل الأئمة من غير إمامة الناس في الصلاة – مثالا عن وضع النهوض بالمرأة في إطار ديني. ويتبنى هذا النهج، الذي حظي بالإعجاب في بلدان جنوب الصحراء الكبرى وكذلك في فرنسا، حق أو التزام كل شخص بالسعي وراء المعرفة والعمل والتكلم علنيا والرقي عن طريق التقوى والتخلص نفسيا من المشاعر السلبية والنظام الأساسي لمدونة الأسرة بما في ذلك حق الطلاق. ولكن، يشكك الخبراء في مقصد المبادرة لتحقيق المساواة بين الجنسين وينتقدون إذعانها لظروف السلطة الأبوية.

وعلى الرغم من أن هذا الانتقاد قد لا يبين فقط واقع المرشدات، على الأقل بشكل جزئي، ولكنه يبين أيضا التنمية القائمة على المشاركة بنفسها. هذا لأنه بدون تسبيق لقاءات المجتمع المحلي من أجل تحديد المشاريع مع دورات التمكين الذاتي لمعالجة الضوابط الاجتماعية المتأصلة والتشكيك بالذات والمخاوف والموانع، يمكن أن تؤيد الفئات المهمشة بما فيها النساء وضعيات مخالفة لمصالحها واحتياجاتها ولما تفضله حقا.

ولهذا السبب، تقوم مؤسسة الأطلس الكبير – منظمة غير حكومية أمريكية-مغربية التي طبقت النموذج المغربي للتنمية منذ عشرين سنة – بتسهيل ورشات “تخيل” مع النساء القائمة على الحقوق والتي تهدف إلى اكتشاف الذات، بما في ذلك في الصحراء المغربية، قبل التخطيط الإنمائي المشترك. وفي حين أن هذه الورشات كانت تتم مع النساء عادة، فقد تم تكييفها مع الرجال أيضا. ويرتبط الرجال بشكل وثيق بمجهودات المساواة بين الجنسين، خاصة في سياق مغربي حيث يمكن أن تشكل المفاهيم التقليدية حول الذكورة عائقا كبيرا أمام تمكين المرأة.

ويركز منهج “تخيل”، الذي يعتبر مبادرة من معهد التمكين في نيويورك والذي تم تكييفه حسب بلدان في أفريقيا والشرق الأوسط، على تجاوز المعتقدات المحدودة والمتعلقة بسبعة ميادين أساسية في الحياة – المشاعر والعلاقات والشغل والمال والجسد والجنسانية والروحانية. وتمكن التأكيدات على التصورات المحددة ذاتيا للمستقبل المنشود من مواصلة الأنشطة اللاحقة من التخطيط الإنمائي من قبل المجتمع المحلي، وذلك بطريقة أوضح للهدف والثقة والنتيجة إلى تدابير نحو التكافئ بين الجنسين والاستقلالية وحرية أكثر. وبالتالي، يمكن أن تكون الشواغل المتعلقة بالآثار المترتبة عن مرشدات حكومة المغرب في الواقع انعكاسا لنفس العيب الذي يعتري النهج التشاركي: أنه دون عملية تدريب حول التمكين من البداية، لا يمكن تحقيق تدبير الفائدة المحتمل بسبب أنه لدينا عقلية محدودة حتى في ظروف كان يمكن لولا ذلك أن تستوعب إمكانيات أكبر بكثير.

7. التنمية في الصحراء الغربية للمغرب وبتطبيق أفكار السياسات هذه على الصحراء الغربية، سيتيح ذلك مرونة أكبر لمعالجة الفقر المدقع. ومن وجهة نظر مغربية، فمن الصعب تحسين نموذج تعزيز الحكم الذاتي على الصعيد دون الوطني من خلال اللامركزية بالدعم الخارجي.

إن النموذج المغربي للأقلمة المتقدمة لا يتم تطبيقه في الصحراء الغربية بالقدر اللازم، ولم تحدث التنمية القائمة على المشاركة بشكل كاف خاصة مع النساء والأشخاص الذين حرموا من حقوقهم. لا توجد هناك تعبئة شاملة للمجتمعات المحلية وأشخاص يجتمعون معا لاتخاذ قرار بشأن مشاريعم، كما أنه لا يوجد تمويل كاف للقيام بتلك المشاريع. فبدلا من ذلك، كان هناك اهتمام عام بالمبادرات الكبيرة التي ليس لديها نفس التأثير كالمبادرات الصغيرة.

ولكي تكون حركات التنمية على المستوى المحلي، سيتطلب الأمر تسهيل الحوار وتشكيل الجمعيات المحلية والتعاونيات من الأحياء والقرى. ولن تجتمع هذه الجماعات بشكل تلقائي للشروع في إيجاد توافق في الآراء حول كيفية تحديد وتلبية الاحتياجات ذات الأولوية. فتحتاج هذه الجماعات الدعم في إطار هذه العملية والمساعدة للتأكد من أن الاجتماعات ستكون شاملة وذلك من أجل إنشاء خطط عمل إنمائية. فعلى سبيل المثال، لقد دأبت مؤسسة الأطلس الكبير – منظمة غير حكومية أمريكية-مغربية التي طالما طبقت النموذج المغربي للتنمية من عشرين سنة – على مساعدة إقليم بوجدور المتواجد بالصحراء المغربية بغية تسهيل نموذج التنمية القائمة على المشاركة لبناء القدرات وتنفيذ المشاريع.

ويعيش حوالي 60.000 شخص في إقليم بوجدور غالبا وسط المدينة. ولكن العديد منهم يعيشون في مجتمعات الرحل. ويتطلب النهج التواجد مع الناس حيث كانوا والتفاعل مع مختلف الوزارات والمدربين والانخراط في بناء القدرات على المستوى المحلي مع نفس المجموعة على مر الوقت.

وهناك حاجة للموارد من أجل توفير مياه نظيفة صالحة للشرب وتحسين البنية التحتية في المدارس وخلق فرص التعليم التجريبي. وبدلا من عدد قليل من المشاريع الكبيرة، يجب أن تكون هناك المئات إن لم يكن الآلاف من المشاريع الصغيرة. ويجب أن تذهب الموارد أولا إلى المبادرات القائمة على المجتمع المحلي، ومن ثم ستدعم حيوية الاقتصاد التي سيتم إنشاؤها المشاريع الكبرى.

وسيؤدي الوقت المخصص في المشاريع الصغرى على المستوى المحلي إلى أبعد من ذلك في تحقيق هدف المغرب في التضامن الوطني. وتتيح لقاءات المجتمعات المحلية والانخراط في الحوار الذي يعكس تاريخ وثقافة وماضي السكان المحليين الوصول إلى توافق في الآراء بشأن الأشياء التي يريدونها أكثر لأنفسهم ومستقبلهم. وبما أن اللامركزية تهدف إلى الإستجابة لإرادة وقلب الناس، فإنها بذلك تزرع الاشتراك والثقة والوحدة.

وبالنسبة للمغرب، لا يغير اعتراف أمريكا بسيادته على الصحراء الغربية من جسامة مهمتهم في تحقيق اللامركزية، ما سيحسن المسائل الحيوية المتعلقة بالتنمية المستدامة والمصالحة. غير أن هناك على الأرجح مسائل حيوية أكثر أمامنا ونحن نمضي قدما لا تتجلى فقط في تحقيق تصميم لمملكة قائمة على المشاركة، ولكن أيضا في تقاسم الأطر المتكاملة وذلك للموائمة الإيجابية الإنسانية لاحتياجات الشخص وكذلك جميع الناس.

ذ. يوسف بن مير هو عالم اجتماع ورئيس مؤسسة الأطلس الكبير، وهي منظمة غير حكومية أمريكية-مغربية مكرسة عملها للتنمية المستدامة. في المغرب، كان متطوع كتائب السلام (1993-95)، ومساعد مدير كتائب السلام (1998-99)، وأستاذ بجامعة الأخوين في مدرسة العلوم الاجتماعية والإنسانية (1998-1999). ذ. بن مير حاصل على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة نيومكسيكو (2009)، وماجستير في التنمية الدولية من جامعة كلارك (1997)، والإجازة في علوم الاقتصاد من جامعة نيويورك (1991). وهو مؤلف لأكثر من 120 مقال حول التنمية، ويستقر بالمغرب.

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني