القردة المروضة

بقلم : محمد حسيكي

تحكي حياة القردة المروضة العلاقة السلوكية بين الانسان والحيوان، والتي اشتغل عليها الانسان نظرية وتطبيقا، وإن يختلف الانسان عن الحيوان، من العقل والسلوك .

وعهد الاصطلاح على نعت الانسان الذي استعصت تربيته على الاذهان، بالحيوان الناطق، أي أنه يختلف عن الحيوان بالنطق وليس بالسلوك، كالخارجين عن السيطرة الذين كانوا يعاملون في عصور غابرة معاملة القردة، من وضعهم في القفص وتقعيدهم من جلسة القردة، قعدة على الأقدام .

بينما الحيوان منه المتوحش الذي تأويه الغاب، ومنه الأليف إلى جانب الانسان، ومنه الشبه الأليف كالقردة المروضة على الحياة الأليفة .

القردة :

ينحدر الاسم في اللغة العربية من جلسة الحيوان المسمى قرد على مقعده من خلف قدميه.

بينما في اللغة الفرنسية يسمى حيوان القرد : le Singe ويعني اسم جنس من حيوان الغاب.

والقردة أنواع كثيرة منها ذات الذيل وغيرها، ومنها الصغيرة الحجم، والمتوسطة، والضخمة، يعيش من الغابات المطيرة يتسلق الاشجار ويقتات من النبات، ومن الجبال العالية المكسوة بالخضرة والاشجار، وهو حيوان يفز ويقفز بين مكان وآخر، متحرك بالجسم والنظرات يحتمي بالأعالي من الجبال والأشجار حذرا من الغير، يعيش في جماعات ويرعى من الارض على رجليه، يبحث ويتناول الغذاء بيديه، ويتسلق من يديه ورجليه، خفيف الجسم من الحركة والنظرات من الملاحظة، يحب اللهو المرح والمداعبة المرنة، وهو ما يجمعه مع الانسان من الألفة .

اهتم الإنسان بدراسة سلوكه، فتعلم منه جلسة الخفة المتبوعة بالخدمة، والمسماة عند المستخدمين الجلسة القفصية القردية، ومن الوجهة الرياضية، أخذ عنه محاكاة تسلق حبل الكردة على منوال تسلق القردة .

وإن يأخذ الانسان من القردة شيئا من الجلسة والتسلق، وأشياء أخرى، فإن القردة تأخذ من الانسان مبتغاه، بعد أن تعرف سلوكه وتتعامل معه من وجهة السلوك المتبادل، من حالة تكيف الاطراف والتعايش من الاختلاف، كما يجري من ترويض الانسان للحيوان، وألفة الحيوان التغذية مما يقدمه له الانسان .

غير أن عشق القردة للحرية والحياة الجماعية، تجعلها تضجر وتعبر عن غضبها من حياة القفص، التي تعيشها من حدائق المنتزهات الحضرية .

قردة الاطلس :

هي نوع من القردة الغير المذيلة تتخذ المأوى من جبال الاطلس بالمغرب، ذات بنية طبيعية متأقلمة مع مناخ الجبل من زمهرير الشتاء، متوسطة الحجم خفيفة الوزن تألف القرب من الانسان، الذي انفتحت عينيها على رؤيته منذ صغرها، بعد أن اقترب بعمرانه البشري من مكان تواجدها، ومداعبته لها بالمادة الغذائية التي ضاقت منها الطبيعة دون يد الانسان، لحاجتها إلى الغذاء الذي يمدها به المتجولون، من خرجات ترفيهية من المناطق الجبلية، كما عليه الحال من منتزهات إفران .

ترويض القردة :

غالبا ما يتعاطى هذا النوع من الترويض الغير المنظم القرويون من الجهات البرية، حيث يحتكون مع الحيوانات الأليفة من الحظائر الريفية، والشبه الأليفة من المناطق المعزولة بالطبيعة، كالقردة المحببة لدى الانسان من حياتها المرحة .

وهو ما يجعل بعض القرويين ينتقلون من حياة القرية الزراعية، إلى حياة المدينة المرفهة، بهوية قروية، كالاشتغال بالحيوانات الأليفة، أو الترفيه على الساكنة بالحيوانات الشبه الأليفة كالقردة المروضة، على عروض التسلية المرحة بين الانسان والحيوان لإمتاع الانسان وفك العزلة عن الحيوان .

فليوه وفلليوة :

كان شخص فليوه يعشق من حياة القرية الغابة الجبلية، ويعشق من المدينة الحياة السكانية، ومن طرائف حياته بالوسط القروي، أنه كان يقضي وقته بأطراف الغابة، التي تأوي منها القردة، يستهويه الانس من متابعة رعيها ومرحها، إلى أن خلق علاقة إطعام معها وجانب ألف ونظرات عشق، حية بالمصاحبة معها وثقة الجانب منها، مما ساعد على جلب زوجين من القردة إلى بيته .

وهكذا نشأت العلاقة وصارت تترسخ بالبيت، الذي أصبحت تفد عليه صحون الطعام من الجيران، وإمتاع نظرهم من القردة وأجواء حياتها المرحة من ساحة البيت .

وهكذا تناسلت القردة وتكاثرت أعدادها عنده من البيت، وأصبح يتاجر في القردة خاصة مع الأجانب من الاوربيين، الوافدين من قبل المرشدين .

غير أن تلك التجارة الغير المشروعة، عرضت قطيعه إلى المصادرة، ولم ينفلت منها غير بقردة فر بها على كعبيه من البيت الذي تعرض للمداهمة .

راح شخص فليوه، وقردته فلليوة وجهة المدينة بعيدا عن حياة القرية، ولكي يجلب الانظار نحو القردة الأليفة اقتنى لها صدرية من جبة مذهبة، وقفاز سترة للعورة، مع ربطة عنق من سلسلة حديدية مرنة، للتواصل والمراهنة على الخدمة .

بعد ان راوح المكان يجلس من ساحة المدينة أمام المارة والمتجولين، ينحني بالرأس أمام فلليوة لتأخذ قبعته من أعلى رأسه، وتضعها على رأسها محدقة الأعين حواليها، وبعد ان تشتم رائحتها ترمي بها إليه، فيعيد رميها إليها، وإن حوال بعض من المتفرجين مد اليد إلى القبعة، ارتمت بضربة- تيك – هوائية من روحها الرياضية .

وتستمر حياة المرح والفرجة المسلية بين شخص فليوه، من أجل لقمة عيش بعيدة عن حياة القرية والغابة، يجنيان من المتحلقين حول الفرجة،، الدرهم الابيض لشخص فليوه، والفلس الازرق للقردة فلليوة … إلى أن داهم وباء كرونا الساحة، إذ حلت الكمامة، وأبعدت عن القردة الابتسامة، والفرجة عن فليوه وفلليوة من الساحة .

كمامة كرونا :

بعد ان تعرضت تجارة شخص فليوه بالقردة إلى المصادرة من القرية، انتكست فرجته مع القردة فلليوة بالمدينة، من وباء كرونا، مما فرض عليه التجوال خارج المدينة، وعدم الرجوع إلى القرية، خشية على مصادرة فلليوة من اليد .

راح ثانية يتجول من أطراف البادية، في احترام تام مع التدابير الوقائية المتبعة من لجنة الطوارئ الصحية، باستعمال الكمامة له ولرفيقته من الطبيعة، يحملها على قفاه حين يمشي، وينزلها للفرجة أرضا من حيث الوجهة التي يولي، حين يقف بها يقفزها أمام الانظار، لتستجدي المحلق دراهم اقتناء حدوة لأقدامها الحافية، التي أتعبها المشي والحمل على الأكتاف، والكمامة التي تخفي ابتسامتها للناظرين، واستحيائها من نقل الوباء للمتفرجين .

وخلال التجوال المتعب وعدم المصافحة مع المتفاعلين شح العطاء، وتراجع تنوع الطعام، مما ضاقت منه ذرعا، ولم تستطع مع صبرا .

وفي حين غفلة من الوقوف على صاحب دكان، من صاحبها فليوه، انطلقت هاربة نحو بساتين من القرية، بعد ضجر من الرحلات المتواصلة، تركت فليوه تائها لا يعرف وجهة، يضع يديه على رأسه، من ألم وحسرة حلت به .

وفي لحظة من الهرب شعر كلاب القرية، بجسم غريب يتسلل إلى المنطقة، فتعالى النباح، مما أزعج فلليوة وأدركت أن النباح قد أخفى عنها الغابة، فراحت عائدة لتوها نحو صاحبها فليوه، التي حدست رائحته من وسط العموم لتقفز على قفاه، راكبة ركبة القردة على قفا مروضها على الخدمة، التي عودتها الألفة عن الحياة المتوحشة .


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني