ندرة ومنطق تنمية

الحسين بوخرطة
في مساء يوم مشمس ربيعي اشتد احمرار أفقه، تكدرت أجواء حاكم شاب اسمه جبران. كان يحكم إمارة من بلاد العرب القديمة. حاصرته الحيرة في التفكير والضنى والأوق في مساعيه وانشغالاته لتحديد أولويات السياسة التنموية في بلاده. تجاوز طوال سنوات حكمه محطات حرجة. حول الجفاف أرض إمارته إلى مجال كالح أنهكته براثن الحرارة العالية، التي آضت بفعل رطوبة ظرفية إلى رصاص منصهر. أصابه شجن عميق، ولم يدر في خلده يوما أن الحر والقحط سيفلوا الصغار عن ثدي أمهاتهم، والكبار عن اخضرار الطبيعة وسواقيها وثمارها. غاص في ذكريات مقاومته للطوارئ وإخراج السهول والقمم الجبلية والوهاد والتلال والوديان السحيقة من العتمة والقنوط.
مدعوما بحضور وحنكة مستشاريه وأتباعهم الترابيين المنتقين بعناية خاصة، غاب في نوبة سهاد لدقائق معدودات منغمسا في تفكير عميق، زم خلالها شفتيه مفردا يديه مستلق على كرسي عرشه المغطى بشراشف من حرير أصيل وناعم، فتحت المشاورات وتوالت التدخلات، ونجح في إستدلاق أحزانه، وجلا من نفسه ما نفذ إليها من كرب وتذمر. توجت الجلسة بأفكار دهاقنة السياسة، ليهتدي إلى خطة سماها “خطة التمويه الإيجابي”. فعلا، نباهة منطق تفكيره النفعي والناجع لا تغيب عن أحد، ولم يخطر يوما ببال أحد الاستهانة بها. لقد عرفه الرجال والنساء بفطنته ويقظته وحكمته الحادة. كانت عيناه تشعان ذكاء ودهاء، ومحياه يلمع بريقا ونبلا، وحبه للناس تجاوز المعتاد، ومكانته لدى الخليفة لا تزعزعها الدسائس والمكائد.
النفوذ الترابي لإمارته ينقسم إلى ثلاث عشائر، تتضمن الأولى اثنا عشر قبيلة مجمعة في إقليم واحد، والثانية على عشرين قبيلة مقسمة إلى إقليمين، والثالثة على خمسة وثلاثين قبيلة مقسمة على ثلاث أقاليم. لكل عشيرة عاصمة حضرية كبيرة الحجم يحكمها وال من العيار الثقيل خبرة وتجربة. مقر قيادة كل إقليم، بموارده البشرية وبناياته، شيد على تراب مدينة متوسطة الحجم. جهود إمارته التنموية المتتالية حققت تراكما في شرعية نظامه ورسخت استمراريته ملتحما بقوة مع الروح الجماعية لشعبه.
بعد خروج البلاد من ثلاث سنوات عجاف، وتحملها قساوة الجفاف وانتشار وباء خطير لا يستثني لا الصغير ولا الكبير، طلب من مستشاره الأول وحافظ سره السيد عبد العاطي أن يقدم أمام حضرته عرضا موضوعيا في شأن واقع البلاد، مطعما خاتمته باقتراح خيارات أساسية مدروسة وقابلة للتفعيل، تيسر اعتمادها في بلورة سياسات السنوات الخمس المقبلة.
تم الاجتماع بحضور نوابغ حاشيته. حددت المحاور والخطط التنفيذية بالتفاصيل المملة وسيناريوهاتها البديلة. تم إقرار ارتباط مردودية تراب الإمارة بالقدرة التأطيرية لعواصم العشائر كأولوية ثم عواصم الأقاليم في المرتبة الثانية. توزيع اعتمادات الميزانيات على المجالات القبلية هو بمثابة صب الماء على الرمل. مردودية الموارد المالية المتوفرة هي مرتبطة بهذا القرار الحيوي. حبكت الخطط التفعيلية بذهاء لضمان دعم، أو على الأقل، حياد شعب الإمارة، والحيلولة دون نشوب احتجاجات القبائل ومطالبتها بنصيبها.
تم تخصيص لكل قبيلة رصيدا ماليا لتنميتها. أعطيت التعليمات لعقد اجتماعات تقريرية في تاريخ محدد في بيت رئيسها بحضور أعيانها لصياغة المشاريع التنموية المناسبة. اشتدت داخل الجموع الصراعات والعنف اللفظي، بل والجسدي أحيانا. رفعت التقارير إلى الأمير. نفس الوضعية النزاعية تكررت بحدة أعنف في جموع ممثلي الأقاليم. ألغي الخياران القبلي والإقليمي، وتم التركيز على عواصم العشائر.
مرت ثلاث سنوات بسرعة، لتنعم الإمارة بعواصم عشائرية جذابة بقدرة تنموية عالية لمحيطاتها الترابية. تحولت إلى وجهة مستقطبة لرؤوس الأموال والزوار، وفضاءات اقتصادية وإدارية ذات مردودية قصوى. جهزت بالطرق السريعة، والفنادق المصنفة، وببنية تحتية أنجزت بمعرفة وتقنية عاليتين، وشيدت العديد من بنايات المؤسسات الإدارية والقضائية والاجتماعية والإعلامية والرياضية والثقافية والترفيهية في الأماكن المناسبة. ازدهر الإعمار بشوارعه الواسعة ومواقف السيارات تحت-أرضية، ومساحاته الخضراء الزاهية.
تحولت هاته المدن في ظرف قياسي إلى أقطاب جذابة اقتصاديا وترفيهيا. أصبحت منفذا لرؤساء القبائل وأتباعهم ولذوي النفوذ السياسي والاقتصادي. يحج إليها الملايين في نهاية كل أسبوع، وكذا لقضاء العطل الدورية السنوية. مستوى جلب رؤوس الأموال الداخلية والخارجية ارتفع إلى أعلى مستوياته القياسية. لقد ارتفعت نسبة النمو وحقق تراب الإمارة معدلات مبهرة في إنتاج القيمة المضافة.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني