زيجة حياة

الحسين بوخرطة
تجاوز سن الخامس والعشرين من عمره بيومين. إنه الشاب موحى ابن قريته الجميلة، المزينة للمجال الطبيعي لسفوح جبل تبقال الشاهق، أعلى قمة في جبال الأطلس المغربية. حصل على الإجازة في علم الأنثروبولوجيا. انشغل كثيرا في السنتين الأخيرتين بمفهوم الزواج، وطقوسه الترابية، وأهدافه الإنسانية، وتأثير أصول الزوجين القبلية والترابية على مستقبل الحياة الزوجية، ووقع تباين حجم تراكمات تاريخ شخصيتيهما المادية والمعنوية على مقومات العيش المشترك في قبيلته. تهاطلت على ذهنه مفردات مؤرقة كالحب، والجمال، والجنس، والمودة، والمشروع الأسري، والتفوق، والتجديد، والحماس، والإرادة، وتحسين مستوى البهجة اليومية، والتغيير الاجتماعي…إلخ.
في يوم مشمس من أيام الربيع الخلابة، جذبته المساحات الخضراء المحيطة بمنزل الأسرة. أخبره أبوه أن الفرس قد تم إعداده وتضميره، وحان توقيت جولته اليومية. أخرجه موحى إلى المحل المعتاد المفروش بالرمل النظيف. تم تعريقه بشكل كافي إلى أن انصهر الدسم والشحم الزائد. ألقى السرج الخفيف فوق ظهره وحزمه غير مشدود بقوة، وأحكم تركيب اللجام. امتطاه مقررا أن يحول الجولة إلى مناسبة للحسم النهائي في خطة حياته المصيرية، خطة استكمال دينه والدخول إلى ما تنعته الثقافة الشعبية بالقفص الذهبي.
استحضر كل ما راكمه من مصطلحات من قاموس الأنثروبولوجيا وحصيلة أبحاثه في أصل الجنس البشري وتطوره وأعرافه ومعتقداته. بعد لحظات تفكير مسؤول، توقف عن التأمل مشرئبا قمة الجبل بسؤال فريد تدحرج إلى مخيلته بإلحاحية، محدثا دائرة متذبذبة ومحيرة : هل من الأفضل تغليب العقل أم القلب في اختيار رفيقة الحياة؟ انغمس في تأمل جديد. نجح في ترتيب أفكاره بعناية قصوى، ونضج في ذهنه المشروع الملاذ، لتلتصق بصيرته وروحه وحواسه ووجدانه بأفق جديد. عزم تحقيق مبتغاه بالوثوقية والثبات والدقة في البلورة والتنفيذ، وقرر أن يكون فجر يوم غد فرصة للحسم في تنفيذ مشروعه.
إنه يوم الخميس، يوم السوق الأسبوعي في منطقته. خرج من المنزل وهرع إلى البرج الذي اختاره بعناية قصوى. ارتكن في أعلى صخرة مزركشة الألوان. ثبت عينيه على توافد نساء ورجاء القبائل المجاورة على السوق عبر ثلاث مسارب أساسية، محملقا في وجوه الفتيات المرافقات لوالديهن. متسلحا بمعارفه وخبرته في كشف طيبوبة وجدية الناس، استجمع قواه بثقة عالية، وعزم على تحقيق النجاح في تقييم تقابل المظهر والمخبر، والشكل والمضمون من خلال سلوك أفراد الأسر المارة أمامه.
مرت ثلاث ساعات بدون نتيجة. قل عدد الوافدين على السوق. فجأة، قصفه من النظرة الأولى نور يتوسط أسرة ثلاثية الأفراد. حيره سؤال قدومهم المتأخر إلى السوق. إنه يوم احتفالي بكل المقاييس بالنسبة لسكان المنطقة. يتوافد عليه التجار منذ الثانية بعد منتصف الليل، والساكنة بعد الفجر مباشرة. اشتدت حيرته مخاطبا نفسه: ما هذا الكسل، وماذا تحمل هذه الأسرة على دابتين مطهمتين؟ مرت قافلتهم الصغيرة أمامه وهو في غاية الانجذاب. لم ينتظر إلا دقيقات معدودات، توارى في قبعته التي صنعتها له أمه لإخفاء البعض من ملامحه الكاشفة لهويته. تبعهم حاملا قفة رائعة المنظر منسوجة بالقش والدوم، وذات شكل ومقطع دائري.
وقفت الدابتان المكتملتان والتامتان برشاقتهما في رحبة من رحاب قطاع التغذية. بقيت تلك الرحبة شاغرة إلى أن التحقت الأسرة بها. على ما يبدوا إنها مخصصة لهم، وكأن الكل يعرف أنها موضع مزاولة تجارتهم بما في ذلك السلطات المحلية. ناسم موحى من أحد التجار متعمدا التعبير عن استغرابه من التوقيت المتأخر لدخول ذاك الرجل وأسرته السوق. إنه ينزل ويرتب عتاده على مقربة من منتصف النهار. تلقى جوابا غمره غبطة وحبورا. إنه الحاج الفاطمي، سلطان تجار الوجبات الغذائية اللذيذة. لا يلتحق بالسوق، إلا بعد انتهاء زوجته كبورة وابنته زينب من طهي ما لذ وطاب من المأكولات المفضلة عند الوافدين والزوار. زبناؤه يتكدسون على طاولاته خوفا من نفاذ الطعام. وهناك من الزائرين، من المدن المجاورة وحتى البعيدة، من يلتحق بالسوق خصيصا لتلذذ أطعمته بنكهات الأعشاب الطبيعية الجبلية.
انتزع موحى قبعته، وسرح شعره الحريري. تعمد المرور بجانب رحبتهم بقفته الجذابة طامعا في إثارة انتباه من استولت على قلبه. لم يكل من تكرار المرور عدة مرات حولها مرددا دعاء حفظه عن ظهر قلب “اللهم يا مقلب القلوب، نبه قلب زينب لوجودي وحبي الخالص لها. اللهُم سخر لي كل شيء ولو كان في نظري مستحيلًا. يا ربّ سخر لي من الأقدار أطيبها، ومن التباشير أسعدها، ومن الأرزاق أوسعها. يا الله أبلغ صفاء وصدق نيتي وقصدي لزينب”. أسعفه الحظ، وتشكل بسرعة البرق فضاء الرحمة بينهما، فضاء معجون بخيال تمثلات الحب المقدس. أحب كل واحد منهما الآخر حبا جما من الوهلة الأولى. أشرقت وجوههما إشراقة مترعة بجاذبية وثقة كبيرتين. ترقرقت المآقي بدموع الحنان والأمل بفعل شدة التأثر المتبادل. لقد أخال موحى نفسه يتابع مشهدا رومانسيا تختلط فيه جمالية الطبيعة والدفء الإنساني. أشار بحركات التواصل المضبوطة رافعا القفة إلى الأعلى، وطامعا أن تمهله زينب حيزا زمنيا للتعبير عن حدة حبه لها، الحب الذي ذهب بعقله واستبد بوجوده.
عاد إلى مكانه الموعود، بعدما تابع بين لحظة وأخرى انشغال معشوقته بتحركاته لمدة تفوق الساعة. سلم على أبيها سلاما حارا مانحا إياه “قفة العروس” العجيبة هدية وعربونا عن اعتزازه بالرفع من شأن ابنته الوحيدة. عبر عن افتخاره بعادات وطقوس الزواج في موطن نشأته. أراد أن تكون القفة مغمورة بسحر الماضي وعبق التاريخ وآفاق المستقبل. غادر للتو المكان تاركا الأب في حيرة من أمره. تجاوزت حمولة القفة بكثير المستوى المعهود في قريته. وضع على واجهتها “الفاسخ والفيسوخ” كمواد أساسية لا مجال للاستغناء عنها في مثل هذا الحدث، معربا عن التزامه المبدئي الثابت بحماية رفيقة حياته المستقبلية في السراء والضراء من كل أنواع المخاطر حتى لو كانت أسطورية. فوقاية محبوبته من الحسد والشرور والمكائد والدسائس أصبحت انشغالا أولويا في حياته. استعمل كل إمكانياته المعرفية والمادية لنيل رضا أسرتها وتيسير مهمة خطبتها. راكم في سعة حمولة القفة كل أنواع البخور ك”الوشق”، و”الداد”، و”الجاوي”، و”السرغيم” المغربي الأصيل، والعطور التقليدية المتنوعة، وورق الحنة البلدية المجفف، والسواك الأصيل، وعود القرنفل، وقراطيس من العلكة المغربية لتوزيعها على قريناتها والصبية يوم الخطوبة، وحبيبات “المسكتة” الصفراء، وشعيرات الزعفران الحر، والكمون الأخضر والأحمر، وحبات “السينوج” السوداء، وكيلوغرامين من الزبيب من العنب المجفف المعروف بجودته العالية، وعلبة من تمر الصحراء من فصيلة “المجهول”، وعشرين بيضة بلدية، ومواد ومكونات صناعة القلادة التي ستزين صدر عروسته المصون، المصنوعة من الفضة وبذرة “المحلب” البيضاء المشرقية، ومادة “الباروق” لتبييض الوجه وإزالة النقط السوداء، وقارورة “كحل” طبيعي، وعلبة من المسك الأصلي. لم ينس موحى أي مقوم من مقومات الاعتزاز والتعبير عن تتْييمه بمعشوقته. لم ينس علب صابونات الاستحمام بروائحها الخلابة، وزيت الياسمين، وكل لوازم التزيين الأصيلة. لقد تجاوز قيمةً وكماً ونوعيةً المواد المعتادة في ثقافة المنطقة الخاصة بمثل هذه المناسبات، واختار دكانا أصيلا، معروفا بجودة مواده وارتفاع أثمنتها، يعود وجوده المتوارث أبا عن جد إلى نحو قرن من الزمن في هذه المهنة التجارية.
عاد إلى دارته على الساعة الثانية بعد الزوال، حكى لأمه مجريات أحداث يومه في السوق. فرحت كثيرا بهذا الخبر، ودعته إلى الاستعجال في خطبتها. اغتبط أباه كثيرا معتزا بهذا الاختيار الميمون، وكلف مرسولا بإخبار الحاج الفاطمي. توجه إلى المسجد لصلاة العصر. شكل وفدا من عشرة أعيان قبيلته، خمس رجال وخمس نساء. توجه الوفد صوب منزل العروس محملين بالهدايا المكونة من الملابس والحلي، وخروف سمين لا عيب يشينه.
رحب أهل العروس بالوفد ترحيبا حارا. دخل الجميع إلى صالة الضيافة. تعمد موحى البقاء خارجا. توجه إلى الشجرة الميمونة أمام منزل خطيبته. أقام صلاة العصر وتوجه إلى العلي القدير لتيسير أمره أمام أعقد قضية مصيرية في حياة الشباب. سلم بعد الركعة الرابعة، رفع أكف الضراعة للعلي القدير طالبا العون، وتذليل الصعاب، وأن يفتح له الله أبواب الرزق الجديدة.
ارتبكت زينب لغيابه، خرجت مسرعة ومستاءة بشجن خفيف. خرجت بعدما أتمت سيدة القبيلة العجوز من تزويقها، وتوظيب حلتها البيضاء المزخرفة بقلادات حليها البراقة مع أشعة شمس الغروب. وهبها الله في تلك اللحظة نور القداسة المعبر عن الإعجاز الجمالي وبهاء أصالة الوجود الأنثوي. تأنست بسرعة برؤيته. ابتسمت له مزهوة بحلتها البهية المتلألئة بالأصداف والفضة، وأساورها التقليدية التي تزنر رقبة عنقها الطويلة، والدماليج والأصداف الفضية التي تزركش معصميها وصدرها وقدميها. تبادلا نظرات الشوق، وتوالت مشاهد الشغف والقبول والافتتان، وشهدت اللحظة أن موحى يستأهل زينب بامتياز. انتشر الخبر في القرية وأكْبٙرٙ الناس العريس على هذا الاختيار.
قرأت فاتحة القران المقدس. عاد موحى مع والديه إلى منزلهم فرحا، وكأنه بطل فتوحات علمية كبرى. أخال للبهجة والخير والسعادة. لم يدر في خلده، وهو مسجى على سريره المغطى بشراشف بيضاء، سوى التفكير في كيفية تحقيق تألق ملكته الجميلة، ونجاح وارتقاء حياته الزوجية. فطن قوة شخصيتها وكفاح والديها. أخذ القلم، قضى النهار معظمه، والليل جله، في التفكير في إثمار معارفه ومعارف أفراد أسرة زينب المحلية.
توصل في اليوم الموالي إلى الصيغة النهائية لمخطط إنجاز مشروع مطعم عصري مشترك بين الأسرتين، تكون فيه زينب رئيسة طهاة. فكر في مصادر التمويل المؤسساتي. بدأ للتو في تنفيذ مراحل مخططه. أعطى الانطلاقة لتحويل الزراعة البور في حقول أبيه إلى بساتين لإنتاج الفواكه المتنوعة العضوية. اكترى محلا في مدخل السوق، وجهزه، وانطلق نشاطه التجاري.
مرت الأيام بسرعة. تحول تراب قرية موحى بفضله إلى وجهة جذابة للسياح المغاربة والأجانب. ازداد الزوجين بهاء وجمالا، والحياة الزوجية حلاوة وسعادة. ارتقت شرعية الأسرتين محليا إلى أعلى المستويات. زاره وفد كبير من قبائل جماعته الترابية، وزكوه ليصبح رئيس مجلس جماعتهم في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني