المسار التنموي بالأقاليم الجنوبية: إلى أين؟

الهدف المنشود من البرامج التنموية هو ازدهار مناطق معينة واستقطاب عدد أكبر من المستثمرين الوافدين البها للرفع من النشاط الاقتصادي والحد من الركود التنموي الذي يمس عددًا من جهات المملكة المغربية. فهل ينطبق الأمر ذاته يا ترى على أقاليم المغرب الجنوبية أيضًا؟

لا يختلف اثنان على المكانة التي تحظى بها الأقاليم الجنوبية لدى الملك محمد السادس حفظه الله: فهي من الجهات الأكثر أهمية و المرغوب دمجها في المخطط التنموي لتساير جهات المملكة اقتصاديا واجتماعيا. استقطبت الجهة برامج كثيرة وفعاليات عديدة جمعت الدبلوماسيين بالحقوقيين والمستثمرين من كل بقاع العالم، من أجل المساهمة في تنمية هذه الأقاليم ومساعدة الساكنة على مزيد من الانفتاح، وللحد من المشاكل الاجتماعية، ولدمج المنطقة على المستويين الفكري والسياسي…

مرحبًا بالقرارات الملكية، وأهلًا بمقترحات اللجنة المشرفة على النموذج التنموي، لكن لا أهلًا ولا سهلًا بأي مستغل لقضية الصحراء المغربية سياسيا بنية خلق الفوضى الفكرية التي تلخبط المواطن الصحراوي المغربي وتجعله عرضة للإهانة وكل أنواع الأمراض النفسية، أو حتى العيش في اكتئاب ناجم عن عدم الاستقرار النفسي. وبالرغم من كون المواطن الصحراوي المغربي يلقى كل الرعاية الملكية، إلا انه لا يزال يعيش الفقر مع انتمائه لمنطقة غنية ببحرها وبيدائها، كل ما يحول بينه وبين التسول هو الأنفة و العادات والتقاليد التي تجعله لا يرضى المذلة. وفي ظل كل الخيرات التي تتمتع بها المنطقة، إلا أن اغلب الساكنة تعيش الهشاشة، مع استثناء فئة قليلة تزدري في الغنى والبذخ الفاحش.

ويبقى اغلب المواطنين في حيرة من أمرهم لا يستطيعون المطالبة بحقوقهم لان هناك من يمتطيها لنواياه السياسية، الأمر الذي يؤثر سلبا على المواطن نفسه.

تفتقر البوادي، حيث يقطن الرحل، إلى الآبار التي تروي عطشهم وتسقي أغنامهم أو إبلهم، وحتى إن وجد الماء في بعضها، فهو إما قليل لا يسد الرمق، أو مالح وغير صالح للشرب. وتشكو المدن هناك افتقار لكل ما هو حضري، ولما يحفظ البيئة، فلا مشاتل في المستوى ولا مناظر تجعل تنعش الساكنة أو تنقص من معاناتها.

وحتى المدارس فاغلبها تشكو هشاشة البنيات التحتية وندرة الفضاءات الخضراء، وغير ذلك من القضايا الأساسية.
أما قطاع الصحة، فتكاد الإدارات المعنية تكون أشبه بحبر على ورق لا غير، رغم بعض الاجتهادات المحتشمة هنا وهناك. وتظل البطالة سببًا رئيسا ينكس عيش الشباب ويزيدهم كآبة، في حين تستغل جهات معينة الوضع لغسل أدمغتهم.

إن انفتاح المملكة المغربية على الشركات العالمية، والمنظمات الدولية، والقنصليات، وخلق لجان تعنى بالقضايا التنموية، والنهج التشاركي الذي تعتمده البلاد، وغير ذلك من الخطوات، ظاهرة دبلوماسية حقيقية تقرب الحكومة من الساكنة. لكن المواطنين عموما، و مواطني الجنوب خصوصا، لا زالوا يعانون و يبحثون عن ضالتهم في أعين كل الوافدين دون جدوى، إلا من رحم الله من المنظمات التي تحيط الساكنة بعناية أكبر وتنتقي منهم ممثلين وأعضاء.

يأتي الذكر هنا على مؤسسة الأطلس الكبير، التي كانت السباقة إلى خلق الحدث باعتماد المقاربة التشاركية والقرب من الساكنة لتحديد المشاكل، والمساهمة في إيجاد الحلول الأنسب لها، فكانت إدارة هذه المؤسسة الأمريكية المغربية، التي تمثلها ابنة الصحراء، حاضرة دائما مع الساكنة وقريبة منهم. بل إنها ساهمت أيضا في تحقيق أغلب مطالب الساكنة من خلال أنشطة بيئية وتوعوية، وعبر غرس شتلات الأشجار المثمرة التي تجاوزت الآلاف، أو عبر تهيئة المؤسسات التعليمية، والمساهمة في مساعدة الرحل من خلال تهيئة وتجهيز نقاط للتزود بالمياه، وعقد لقاءات وفعاليات مختلفة رغم ظروف المنطقة الصعبة، وبعد المسافات، وحرارة البادية، وانتشار الألغام النشطة. وبفضل بحثها المتواصل عن حلول جوهرية، وفرت مساعدات من بعض الشركات الأجنبية، مشكورة، أبرزها: شركة كوسموس إنرجي، وشركة سيمنس كاميصا، والصندوق الدولي، وغيرها من شركاء مؤسسة الأطلس الكبير، في شخص رئيسها الدكتور يوسف بن مير، الذي ذاع صيته في قلوب كل صحراوي مغربي من الرحل وبين عائلات التلاميذ…

كما ذكر أعلاه، فإن إدارة الأقاليم الجنوبية التابعة لمؤسسة الأطلس الكبير نجحت في تطبيق كل ما دعا إليه جلالة الملك محمد السادس لتنمية المناطق الجنوبية، وذلك اعتمادا على التشخيص التشاركي والتمكين الذاتي. وقد أنجزت عددًا من المشاريع التي ساهمت في ترجمة التنمية المستدامة على أرض الواقع، وهناك مزيد من المشاريع على الورق لم تجد آذان صاغية إلى الآن، أفكار رغم الإلحاح عليها لم تتحقق بعد، وهنا أصبحت الإدارة تحس بالإحباط وغياب التفاعل الايجابي، خاصة وأن المشاريع هي اقتراحات من الساكنة المحلية نفسها، والتي سترجع بالخير على المنطقة و ساكنتها. في حين سيؤثر تجاهلها سلبا على الساكنة المتضررة وعلى الإدارة، وبالتالي عدم استمرارية مؤسسة الأطلس الكبير بالجنوب وهذه خسارة كبيرة على جميع الأصعدة. فهل ستجد المؤسسة واقتراحاتها التنموية الاجتماعية من يستجيب في الحكومة الجديدة؟ أم أن البناء بالمنطقة الجنوبية كان على قاعدة رملية سرعان ما نالت منها الرياح العاصفة؟ كما هو حال كل المواطنين، كلي أمل في ان الغد سيكون أفضل…
بقلم: هانا الزاوي، مديرة مشاريع مؤسسة الاطلس الكبير بأٌقاليم الصحراء المغربية.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني