استلاب قاتل

الحسين بوخرطة
عرف عبد الثواب في طفولته وشبابه بقوة شخصيته، وحدة ذكائه، ونزوعه إلى الحلم والتمرد على الظلم والطغيان والتسلط. كان شابا عزوما. عاش العقدين الأولين من عمره مناضلا فذا في القطاع التلاميذي في جماعة مسقط رأسه الشرقية إسلي الأبية، وفي القطاع الطلابي بمدينة الرباط. نشأ في كنف عائلة قروية محافظة. قادته الأقدار، بعد معانقته سوق الشغل، إلى معاشرة رفقة غير مألوفة. احتك بأفرادها يوميا. تفاعل مع خطابات جديدة لا صلة لها بماضيه وتنشئته. غير نظرته للحياة واعتنقها بشكل منحرف. عزم على قيادة أفراد أسرته تعسفا للانسياب في عواصف حداثة المظهر بدون استعداد أو ترتيب مسبق. جرفته تيارات العاصمة “السياسوية”، وانجذب لعقدة المركز. مال اعتقاده بارتباط صفة المثقف بشرط محاكاة المظاهر السطحية لحضارة الآخر الغربي، ليختزلها في نهاية المطاف في الإلمام بلغة أو لغتين أجنبيتين، وإدمان الحديث عن المقاولة المواطنة المحتكرة من طرف الرأسمال. غرر به وانجرف إلى ممارسة السياسة بمنطق السيد والمريد في سياق التحولات المزلزلة لسيادات الأوطان، بعدما مارسها في ربيع عمره بنبل الحكماء وحلم الشعوب في الحرية والانعتاق.
تناسى أوضاع الفلاحين والعمال والحرفيين. لم يعد يرى في عادات وتقاليد ناس قبيلته إلا التخلف والرجعية. بالغ في الافتخار بسمو الأفكار المقْت الجديدة، وتمثلاته واهتماماته التي شحن بها بدافع الطمع بجرأة اندفاعية وحماسية مبالغ فيها. أوهموه أن وجوه الملوك والأسياد لا تترادف إلا مع الظلم والعدوان، ولا يمكن لسلطة فاعل نخبة أن تترسخ ترابيا إلا بالقهر والقمع والطغيان، ولا يضحي طمعا في نيل مرضاة الله إلا الضعفاء. انتابه جنون التحول إلى وحش آدمي أسطوري، طامعا في امتلاك قدرة شرب كل ماء البحر لوحده، وأكل اليابس والأخضر من الأرض بشراهة وأنانية وبدون انقطاع. طوع نفسه أن لا يكون لجوعه شبع ولا لعطشه ارتواء. أما والداه، أمه العلياء وأبوه عبد الصمد، فلم يتزحزحا عن معتقداتهما وتقاليدهما المتأصلة أبا عن جد، بالرغم ما لامساه من إشارات في كلام ابنهما الوحيد، ليشتد تشبثهما بعزم قل نظيره بثقافة منطقتهما.
عندما يعود عبد الثواب من دراسته من مدينة العرفان بالرباط إلى تراب قبيلته في عطلة آخر الأسبوع، يحكي بسرعة للشباب وأفراد أسرته العز والثراء الذي تتمتع به الأسر الرباطية (نسبة إلى الرباط)، ثم يلوذ لملازمة الصمت متابعا التفاعلات والتعقيبات. اعتاد كل يوم، بعد تجواله طوال ساعات نهاره في حقول القرية منتش بروعة مناظرها، التركيز على حفظ دروسه بسهولة وبسرعة أيضا، معتمدا طريقة التكرار، حيث يقوم بتكرار عدة مرات كل سطر من نصوصه محاولا تذكره من دون النظر إلى الورقة، ثم يقوم بتطبيق فكرة الحفظ التراكمي عن طريق إضافة المعلومات الجديدة إلى ما حفظه من قبل.
عندما يعود عبد الثواب إلى المنزل مساء، يتربص فرصة التجمع العائلي في الصالة الكبرى، منشغلا بمنهجيته بالتقدم في تأثيره على تقاليد أسرته. يتمدد فوق زربية الصوف المزركشة بالألوان الزاهية. يتوسد كالعادة فخذ أمه، مطالبا إياها بتمسيد شعره. يقضي ساعات طويلة مستمتعا بحديث سمير ليل أفراد أسرته، يتدخل تارة، ويصمت تارة أخرى.
الإحساس الفطري للأم، للا العلياء، جعلها لا تكل ولا تمل في مده بمعاني الحنان ونسائم الإنسانية، وإرواء نفسيته حبا فياضا لا ينضب. بذلت كل ما في جعبتها من طاقة ليصبح ابنها الذكر، البكر والوحيد، قدوة أقرانه، وسيد ناس قومه التواقين لترصيص الروح الجماعية للقبيلة بقيم الرزانة والتواضع والهدوء والتروي والعطف والإيثار. كانت تتمنى من أعماقها أن ينجح في اكتساب مقومات الزعامة للدفاع ونصرة قضايا الفقراء والمستضعفين من أهل قبيلته. حافظ بشكل دائم على عنفوانه وهدوءه احتراما للمكانة الدينية للوالدين.
ابتعد عن أسوار الجامعات التنويرية بعدما حصل على الماجستير في شعبة القانون تخصص قانون الأعمال. توظف في وزارة المالية بدرجة متصرف. تتيم بمظهر سوسن الفاتن الخلاب، بعدما لمحها تكرر مرورها أمام المنزل الذي اكتراه بمدينة الرباط. إنها ابنة سياسي معروف، داهية ابن داهية، اكتسبت أسرته، أبا عن جد، زعامة سياسية قروية بالفساد والتخويف والتنكيل بحقوق المناوئين. إنه رجل أدمن في تحويل مهام التمثيلية إلى فضاء تنافسي مخز لجمع الثروات وتكديسها والتباهي بها. اعتبر عبد الثواب ارتباطه بها، وقبوله الانسياب في منطق الريع السياسي، منفذا سريعا لتحقيق مطامح الذات بدون عناء. تزوج بها بسرعة بدافع الطمع في المناصب والارتقاء الاجتماعي. لم يصب قلبه بسهم حبها متوخيا بناء مشروع أسرة فاضلة. تحولت حياتهما إلى نزوات تشتعل نارها بفعل حرمان الصبا ومكبوتات سنوات الحرمان واللهفة لركوب قاطرة التبعية والاغتناء السريع بدون كلل. نبضه لا يعلوا ويترعرع لساعات إلا وهو يتلذذ مفاتن جسدها الأنثوي الكاسح، والخارق برشاقته ونعومته. خوفا من الفراغ الذي قد يجعل قساوة ووطأة الكآبة تلف رقبته وتسيطر على عقله الباطني كسحابة داكنة، وهروبا من الغوص في نوستالجيا متعة ذكريات حياته السابقة، كان لا يجد ضالته إلا في ممارسة الجنس. لا يكاد يستعيد أنفاسه من معاشرة، حتى يعاود الثانية، ثم الثالثة، وهذا ودواليك، باحثا عن توالي الشهقات الممتعة العارمة، والهمسات اللاهثة. يكرر غزواته الجنسية، وصحون الأطعمة والفواكه الطازجة والجافة تزخرف المنضدة التي تتوسط غرفة نومه الشاسعة، ميسرا بذلك سيطرة النوم على أجفانه، والتفلت من مخالب ضنك العودة إلى الماضي ببراءته.
عينه صهره، المعتل نفسيا بالريع وشراء الذمم، مديرا لحملاته الانتخابية. لم يفسح عبد الثواب لنفسه أي فرصة للتفكير في خيار آخر، وفلسفة وجود أخرى. استسلم بسهولة بدون مقاومة لسلطة المال، وأغلق منافذ العتاب الأخلاقية. نجح صهره، مدعوما بجبروت فتانة ابنته، في تخطيط حياة عبد الثواب بمنطق قانون الغاب. تمت محاصرته من كل الجهات، أذعن للمغريات ورفع راية التكيف والتطبيع ثم الاستجابة لتغريرات الاغتناء السهل، وتحقيق حياة الرغد بدون جهد يذكر.
في بداية التسعينات، في يوم حار من شهر شتنبر، وعبد الثواب عازم على نقل عدوى الفساد الانتخابي إلى قبيلته، صعق بوفاة أمه أمام عينيه. ابتأست المسكينة بسبب غيابه الطويل وإحساسها بسوء أحواله. أصبحت عجوزا شمطاء، أرهقتها التعاسة والكآبة المخيمة على ساعات حياتها بفعل قساوة تفكيرها في ابنها. ناهزت المئة عام بالتمام والكمال. لم تطمح في آخر أيامها سوى أن ترى ابنها الوحيد يعانق من جديد تراب الموطن بالمروءة والإقدام المعهودين فيه. تحولت إلى بقايا من الجلد والعظام، يكسوها قفطان تقليدي قاتم اللون، وسروال بلدي أبيض مطرز بالأخضر، اعتادت على ارتداءه إلى أن مال لونه إلى البني. بنفسية منكسرة، تعودت الجلوس في أيام سنواتها الأخيرة في ركن بائس أمام المنزل منتظرة عودة فلذة كبدها.
حملقت الأم في سيارة مرسيدس آخر موديل قادمة في اتجاه دارتها. وقفت أمامها، رأت امرأة تنزل من مقعد القيادة، بكتفيها البضين العاريين الناعمين، وبتنورتها الحمراء البراقة، المشقوقة من الأمام، التي تغازل ركبتيها وفخذيها ولون ماكياجها، وبردف سميك مبدل، ونهدين عجيبين، هاجا بياضا ناصعا أحدث انفلات الأزرار من موضعهما، وكأنها أوصاف صدر المرأة التي أحبها الشاعر نزار القباني الذي نظم شعر عزل فيهما: نهدان عجيبان، واحدٌ من بلاد النبيذ، وواحدٌ من بلاد الحنطة، واحدٌ مجنونٌ كرامبو، وواحدٌ مغرورٌ كالمتنبي، واحدٌ من شمال أوروبا، وواحدٌ من صعيد مصر، وبينهما … دارت كل الحروب الصليبية. نزل رجل كهل بادن متأنق اللباس من الباب المقابل، على ما يبدو أبوها. يكرر تمسيد لحيته السوداء، الملونة بالحناء، والمسترسلة على صدره لتزيده هيبة ووقارا. يمرر بين الحين والآخر كف يده اليمنى على وجهه الكالح ليجلله المهابة. أما ابنها، القابع في المقعد الخلفي، فقد ارتبك وانهارت قواه، وعجز على فتح الباب. تأوهت الأم المكلومة أمام هذا المنظر المنحط، كطائر حناء لا يقوى على الغناء، رفعت سبابتها إلى السماء، تراخت شفتاها، تزلزلت أنفاسها، اختنقت بفعل شدة الحسرة، وتمددت جثة هامدة على الأرض كمومياء في الأهرامات.
تراكض أهل القبيلة الفياضين على منزل المرحومة زرافات زرافات، وتوالت الوفود بسرعة البرق. دخلت سوسن، واستبقت نظرات رجال القرية وشبانها إلى مفاتنها، وحجبت زينتها المتبرجة، ولبست أسودا محتشما. التصق عبد الثواب على جثة أمه، والدموع تنسكب على خديه بغزارة وبدون انقطاع. أدخلت النساء الجثة إلى غرفة النوم، وبدأ الإعداد لمراسيم الدفن والتأبين.
توجه الوفد المرافق من الذكور فقط إلى المقبرة. أقيمت عند الوصول صلاة الجنازة. وحفار القبول على وشك إنهاء ترتيبات الدفن الأخيرة، أخذ عبد الثواب الكلمة مكتئبا، متأوها، وخدي محياه تتلألأ جراء انعكاس أشعة الشمس بدموعه المنهمرة، ثم ردد بصوت صريخ على مسامع العدد الهائل من المشيعين : “اسمحوا لي يا أهل قبيلتي على غيابي الاضطراري عنكم لهذه المدة الطويلة. وجودي اليوم بينكم، الذي تصادف مع هذا المصاب الجلل، لم يكن في حسباني. إنه أحزن وأحلك يوم في حياتي، يوم فقداني لينبوع الحنو والرأفة والغفران والصدر الدافئ والعناية القصوى، التي حرستني طوال طفولتي وشبابي من كل مكروه. فلا أملك في هذه اللحظة الحزينة إلا أن أدعوكم لرفع أكف الضراعة إلى العلي القدير مستعطفين إياه أن يغفر لي عن غيابي الاضطراري على هذا الينبوع الفوار رمز وجودي، وأن يغفر لأمي ما تقدم وتأخر من ذنوبها، ويسكن روحها الطاهرة الجليلة جنة الفردوس. وإنا لله وإنا إليه راجعون”.
وهو يتلاطم مع الصدمات العنيفة التي أحدثها فقدان أمه، وضراوة ألم فراقها، كان لا يفكر إلا في الجهر بسر عودته، الذي رتب لها منذ مدة. إن تاريخ بداية الحملة الانتخابية البرلمانية على بعد شهر فقط من تاريخ وفاة أمه. لم يتجرأ على زف خبر ترشحه للجماعة في المسجد بعد صلاة المغرب. أتما صلاتي المغرب والعشاء، هو وصهره، مع ناس قبيلته. ألقى التحية عليهم، ودعاهم لحضور وليمة عشاء الميت بعد يومين، وغادر بيت الله عازما تنفيذ خطته انطلاقا من الغد الموالي صباحا. تدحرج بسرعة مبتعدا عن المسجد، وكأن أحدا يدفعه. خاطب نفسه، أنا جد حزين لفقدان الوالدة، لكن الحياة يجب أن تستمر كما خططت لذلك. إنني في الاتجاه الصحيح، ولن أضيع فرصة العمر. مهرولا ومتحدثا إلى صهره في اتجاه المنزل، أوقف شيخا وقورا يمشي متكئ على عكازه وقال : ” هل عرفتني عمي؟”، فأجابه الرجل المسن بتأتأة وبدون تفكير: ” نعم أنت ابن سيدي عبد الصمد شفاه الله، وللا العلياء رحمها الله”. فرح لهذا الجواب، واستبشر إمكانية استمالة الكبار من أهل القبيلة، والنجاح في تحقيق طموحه وأطماعه.
توجه في صباح ليلة وليمة العشاء إلى المدينة القريبة مدججا بحماة شباب ذوي العضلات المفتولة، دخل وكالته البنكية، وملأ أكياسا بلاستيكية من الأوراق النقدية من فئتي مئة ومئتي درهم. تذرع في قرارة نفسه بعقم المجتمع المكبل والمستعبد بتقاليد وعادات بالية في زمن شعارات الحرية وحقوق الإنسان، وتناسى وصية أمه الدائمة التي كانت تدعوه للكدح والكسب الحلال وكتابة اسمه بأحرف من نار بدلا من الماء.
مرت ليلة وليمة العشاء في احترام تام للتقاليد العقائدية السائدة. خصص ثلاثة أيام لاستقبال عزاء الوافدين من الأحباب وناس القبائل المجاورة. في اليوم الرابع، استغل عجز أبيه الشيح الممدد على فراش المرض، وملأ فضاء غرفة بكامله بقنينات الخمور الرخيصة بمختلف أنواعها. ذبح ثورا سمينا مليحا. اتخذ كل الترتيبات المسهلة لتعسفه على ثقافة شباب القبيلة. استمرت الموسيقى الصاخبة ورقص الشباب الثمل والنشوان كل ليالي الحملة الانتخابية إلى الصبح. النساء، فتيات يافعات وزوجات، بحللهن التقليدية، يجلسن كل ليلة على الحصير مشكلات دائرة كبيرة محاطة بفضاء الرقص من كل الجهات. تابعن مجريات الصخب والمجون بانبهار وتعجب. استلب وانبهر أهل القبيلة، رجالا ونساء وشبابا وأطفالا، بجاذبية هذه المحافل الاحتفالية اليومية. استبعدت إثارة مأثم الأجواء الاحتفالية في أجواء المأتم.
وعد عبد الثواب شباب القرية بالتزامه مستقبلا على إدامة هذا التنشيط الترابي الممتع على رأس كل أسبوع. أسر لهم بديمومة تمتع شباب المدينة بمثل هذه الأجواء. فاز بعدد أصوات مرتفع، والتحق بالمجلس التشريعي مزهوا بانتصاره. افتتن الشباب بهذا النمط في العيش، فهاجروا تباعا إلى المدينة. في نفس هذه السنة المنحوسة، تراجعت المحاصيل والمداخيل الفلاحية بشكل مهول بسبب عجز الآباء والأمهات على القيام بأنشطتها. أصبحت الأراضي الخصبة الشاسعة جرداء مهملة. اضطر الفلاحون بيعها بأثمنة زهيدة للإقطاعيين الجدد، المغتنمين والمغتنين من السياسة ومالها السائب. تم تهجيرهم وتحويلهم إلى بروليتاريا حضرية بئيسة وغير مؤهلة. تفرخت مساكن القصدير غير اللائقة في هوامش المدينة، عاصمة الإقليم، ونشطت تجارة الممنوعات والإجرام والدعارة بها بشكل ملفت.
زار عبد الثواب القبيلة لوحده، فاشمأز وتأزم من حالها. جلس فوق صخرة أمام دارته. تذكر شريط أيام العز والصبا، أيام البراءة التي كان يحمل حقيبة الظهر، ويضع قبعته الصوفية، ويخرج مزهوا إلى الحقول الخضراء، ومنابع المياه، وكروم العنب، وشجيرات الفواكه المتنوعة، وظلال أشجار الأرز والصنوبر. كان ثراء القبيلة الطبيعي والفلاحي في أعلى مستوياته. مئات رؤوس الأغنام والأبقار والماعز تخرج من أوكار الكوانين، وكثافة أسراب الأطيار تحلق في فضائها المديد.
التحق في نفس اليوم بالحي القصديري الذي استضاف مهجري قبيلته. لم يشاهد سوى وجوه شباب خشنة وشاحبة ونحيلة. تستند على الجدار في نواصي الأزقة الضيقة. احتقر نفسه وعاتبها ببغض تطايرت شرارته من عينيه. أشعل سجارة ملعونة. استنشق دخانها، ونفخه بقوة زفير قصوى، ثم تمتم “ما هذا الجحيم، ما هذه القذارة المقرفة”. تألم عبد الثواب كثيرا لعواقب أطماعه، وما أصاب قريته من خراب وتلف. حاول الكفر بمآله ولم يفلح في العثور على عنوان الفضيلة والقداسة. انطفأت فقاقيع غروره في لمحة بصر. استسلم لليأس، وتحول إلى مدمن خمور ومخدرات. أصيب بالغربة والاكتئاب المزمنين في بيت الزوجية. استسلم للتعاطي للهيروين بدون مقاومة تذكر.
استنفذ قنينة ويسكي في وقت وجيز في حانة وعلبة رقص راقية. خرج قبل آذان العصر وامتطى سيارته الفاخرة تائها مذهولا. أخذ طريق العودة إلى القبيلة يسابق بجنون السيارات في الطريق. من لحظة لأخرى يضرب خده بقوة مرددا “اللعنة”. لم يتوقف عن الهذيان ومعاتبة النفس ونهرها. وصل إلى منحرف طرقي خطير في منطقة وعرة التضاريس. تلظى في لحظة غضبا وندما قاتلين. زاح يطوي المسافات ملهوفا غير مبال بالمخاطر المحدقة به. جرته السيارة يمينا، ثم انعطف شمالا، فانزلقت منقلبة في حافة عميقة. هرع راعي لإنقاذه. صرخ صرختين وتلاشى. ردد غمغمات منكسرة، ثم استسلم للأنين هنيهات قبل أن يسلم الروح لبارئها.
أخرج أباه الشيخ جثته من المشرحة. غابت زوجته وصهره عن مراسيم الدفن، التي لم يحضرها إلا عددا قليلا من الإقطاعيين الجدد. حضر عامل الإقليم لتقديم العزاء في اللحظات الأخيرة. تأسف لما لحق بناس القبيلة من ظلم وتهجير قسري. كلف الأب عبد الصمد بإخبار سكان القبيلة أن الدولة لن تدخر جهدا لعودة المهجرين إلى موطنهم. لقد تم الإعلان رسميا عن خلق تعاونية فلاحية، على شكل ضيعات متوسطة الحجم، على أراضي ملك الدولة الشاسعة الممتدة على ضفاف النهر الكبير لإنتاج الفواكه والكروم. دعاه كذلك لتبشير ذوي الحقوق أن السلطات المركزية المختصة قد خصصت اعتمادات هامة في المجال الاجتماعي، مراهنة على مشاركة مكثفة للموارد البشرية المحلية بأفق ترسيخ قيم المواطنة لدى الأفراد والجماعات، وتجويد اختياراتهم وانشغالاتهم وأنشطتهم داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع ومؤسسات الفعل العمومي والخصوصي. زم الإقطاعيون الجدد شفاهم، وطأطؤوا رؤوسهم، وانسحبوا خائبين. أدلقت أحزان الشيخ عبد الصمد. امتلأت نفسه حماسا وزهوا. استوى جدلانا واقفا بقامته المديدة البهية متحديا سقمه. لم يدر في خلده إلا اليوم الذي ستحشد فيه مجددا العزائم، وتتقوى الروح الجماعية التضامنية في القبيلة، وتستعيد الأسر أراضي الآباء والأجداد.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني