هــنــيــئا لــجــامــعــة ســـيــدي مــحـــمــد بــن عـبــد اللــــه

بقلم: يوسف بن مير
مراكش
تدعونا مجتمعاتنا ومحيطنا في هذه الظروف التي فرضها الوباء من جهة وتحديات المناخ والظلم من جهة أخرى إلى أخذ زمام المبادرة من أجل وضع وإنجاز برامج تنموية وتعزيز بنية تحتية جديدة تفوق النماذج السابقة عطاء وتقدم نتائج أفضل مما تخيلناه عند مرحلة التصميم والدراسة.

لعب التعليم العالي دورًا مهما كجزء من هذه الدعوة الرامية إلى تحسين وحتى مراجعة الأهداف المحددة والمقاربات الموضوعة لإنجازها. ويظل النقد البناء مشروعًا بخصوص الجامعات في العقود الأخيرة، وحتى الجيل الجديد يأبى إلا أن يكون لهم حليفا، فهي تقتصر في العمل على حيز التحليل وتقديم تفسيرات للمشاكل الاجتماعية والبيئية، تحديات تتجاوز البيئة التعليمية التي تستهلك حياتنا في نواح كثيرة.

ما الذي يدعو على ممارسة الميز العرقي؟ وكيف يمكن تفسير التمييز القائم على جنس الأشخاص؟ ما الذي خلق فجوة اقتصادية بهذا العمق؟ لماذا يبقى الشباب في عالمنا أكثر عرضة لمكابدة أعلى مستويات البطالة مقارنة بغيرهم؟ قد ينير البحث والتحليل طريقًا نحو الحلول إذا رأينا بعد النتائج وأسسها الفلسفي أو النظري، والتكلفة المتعلقة بجني فوائدها، وتحصيل فعاليتها النسبية.

ومع ذلك، فالجانب الذي يفسر فشل الجامعات في ترك بصمة بارزة في المجتمع وبين طلابها هو عدم مشاركة هذه الفئات نفسها في تنزيل تلك الحلول ومشاركة المتعة والفائدة مع الجهات المستفيدة، والجمعيات المدنية، والمواطنين، والشركات المعنية داخل تلك التجمعات.

من المؤكد أن توجهات الشباب تميل في اتجاه الدور الحيوي الذي تلعبه الجامعات من أجل تحسين المجتمعات ورفع مستوى حياة ووعي عامة الناس. لكن وفي الوقت نفسه، لا يزال هناك جدال ونقاش داخل الحرم الجامعي بين النشطاء – والمنظرين (على يقين بإمكانية تخفيف التحديات المجتمعية عن طريق هياكل التشغيل الاجتماعية) والموضوعيين (ملتزمون “بالمنهج العلمي” وبأن الظروف المعيشة لا يغني التدخل فيها إلى أن نتأكد من حقيقتها).

تقف الحالة الوبائية وقساوة الفقر التي ذاق مرها معظم البشر وراء الجهود الكثيفة المتجدد لإعادة البناء بشكل أفضل من أي وقت مضى. وفي مدينة فاس المغربية، تألقت جامعة سيدي محمد بن عبد الله، وكلية الشريعة التابعة لها كمثال يحتذى به. حيث أقر السيد عبد المالك عويش، عميد الكلية، وإدارة الكلية، بدعم كامل من السيد رضوان مرابط، رئيس جامعة سيدي محمد بن عبد الله، بضرورة اغتنام الفرصة من أجل إنشاء مشتل الأشجار المثمرة العضوية باستخدام البذور المحلية، مبادرة لقيت مباركة وتشجيع الأسر الفلاحية في منطقة فاس مكناس، بما يتناسب مع رؤية الأسرة الجامعية حول الدور الذي يمكن أن تلعبه مؤسسات التعليم العالي. فهذه الجامعة، قبل كل شيء، نموذج حي يستجيب للأولويات التي يحددها المجتمع القروي، ذلك أن المزارعين على الصعيد الوطني مقتنعون بفرص الانتقال من الشعير والذرة إلى الأشجار المثمرة.

تساهم جامعة سيدي محمد بن عبد الله بمساحة مهمة من الأرض لتكون مقر مشتل يستغله مزارعو المنطقة نظرًا لكون الأسر القروية تعتمد كثيرًا على الحصاد كل عام، وبالتالي لا يمكنها التخلي عن محصولها الأساسي من أجل زراعة مشاتل الأشجار، التي يحتاجونها أيضًا بنفس القدر. هكذا تتراءى أمام الطلاب فرص ثمينة للاندماج والتعلم من محيطهم الاجتماعي من خلال استيعاب حقيقة أن لكل فرد دورًا أساسيًا يلعبه في تحقيق الازدهار والرخاء المتزايد في ربوع الوطن.

تندرج هذه المبادرة التنموية التي تربط الجامعة بالمجتمع بشكل مباشر تحت إطار مخطط العمل التشاركي الذي تبنته المملكة، حيث يتم جرد البيانات والمعارف الأساسية من الناس قصد استخدامها لخلق التغيير الذي يستجيب في المقام الأول للاحتياجات التي حددها السكان بأنفسهم. وتساعد هذه التجربة على تعميق الفهم من أجل تفعيل نتائج الدراسات الأكاديمية، بما في ذلك المقالات المنشورة التي تدافع عن أهداف الفئات الهشة، إضافة إلى تسخير المهارات المهنية الهامة المتاحة عند توافر جهود الطلاب والسكان المحليين ومشاركتهم في ورشات العمل المعنية بالتمكين وبناء القدرات، وفي وضع استراتيجيات تنظم جانب تصميم المشاريع، وفي إقامة شراكات متنوعة تعود على الجميع بفوائد كثيرة.

يأوي مشتل جامعة سيدي محمد بن عبد الله 90.000 شجرة تم غرسها لفائدة سكان مدينتي فاس ومكناس، حيث تضم أشجار التين، والزيتون، والخروب، والرمان، واللوز. لهذه الأشجار القدرة على تحسين عيش عدد من الأجيال، لذا فإن أبرز وأعمق آثار تفاني فريق جامعة سيدي محمد بن عبد الله هي تلك التي لا يمكن إدراكها بالعين المجردة مهما كان المراقب بارعًا وحريصًا.

قد تلخص معظم جامعات المغرب وفي باقي دول العالم سياستها والتزامها بالتنمية المجتمعية المستدامة في شعارات أو أمثلة رائعة متداولة. لكن التحدي القائم هنا، أو حدود التغيير بالأحرى، هو جعل هذه المبادرات جزءًا لا يتجزأ من عناصر البحث حتى تساهم النتائج المحصلة، على المدى القصير والطويل، في خلق تغيير إيجابي ينتشر صداه إلى مختلف ربوع العالم. كما يجب أن تستند تقييمات الطلاب، وأعضاء هيئة التدريس، وتصنيفات الجامعات في حد ذاتها، إلى الطاقات الهائلة التي يتوفرون عليها، وإلى مدى تأثير تفانيهم في هذا الصدد.

إذا كان طلاب جامعة سيدي محمد بن عبد الله مؤشرًا على شيء في هذا العالم، فهم رمز حي لما يجب علينا فعله من أجل صناعة الأمل، وتحديد الآفاق، وتقديم التوجيهات الضرورية لبلوغ المرام. وبهذه الطريقة، سيمضي الطلبة قدماً بأقصى سرعة وبكل تفان والتزام صادق، وبتركيز قائم على الدراسات التحليلية، نموذج نأمل أن نراه يعم باقي الجامعات المغربية.

شتلات شجر الزيتون بجامعة فاس سيدي محمد بن عبد الله (مؤسسة الأطلس الكبير، 2021)

شتلات شجر الرمان بجامعة فاس سيدي محمد بن عبد الله (مؤسسة الأطلس الكبير، 2021)
الدكتور يوسف بن مير، رئيس مؤسسة الأطلس الكبير في المغرب.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني