ضيق ومخالب موت غادر

قراءة في القصة القصيرة “الحمامة” لعلي القاسمي
الحسين بوخرطة
شاءت الأقدار أن اقترب من علي القاسمي مزهوا بصداقته الراقية، وسررت عندما تيقنت بنفسي أنه قضى ويقضي منذ صباه ساعات أيام حياته منغمسا في بحث تأملي دائم، طامحا تحويل الإبداع الأدبي في القصة القصيرة إلى قاطرة، ذات الوقع الكبير والمجدي، لتحبيب القراءة لجماهير الأمة العربية. انشغالات هذا العالم، من بلاد الرافدين، نبهت القراء إلى الحاجة الملحة إلى إثراء روافد متزامنة من شعب الأدب والفكر، والحرص على أن تصب بوفرة وديمومة في نهر معارف الأمة.
يبدوا جليا أن القاسمي لم يتقاعس يوما في بذل الجهد اليومي استجابة لانشغالاته القومية. فهو يصبوا بكدحه المتواصل إلى جعل القضايا المصطلحية، والمعجمية، والترجمة، وإشكالات التربية والتعليم، والصحة، آليات فنية وزاد لذيذ ودسم لتسخير السرد والحكي لتجويد الوجود البشري العربي، وتجديد وعي الجماهير بحقها التاريخي في الرفاه والتمتع بالحياة الدنيوية.
يرمي القاسمي، بلا شك، من وراء تنوعات اهتماماته، إلى ترسيخ فكرة كون ارتقاء الكتابة الإبداعية الأدبية في فضاءات المعارف الكونية المتنوعة تشكل في العمق قاطرة، جذابة وسريعة ومريحة، لا يمكن أن لا تتسابق الأجيال، المعتزة بانتمائها لتراب انتمائها الزاخر بالخيرات من المحيط إلى الخليج، لركوبها رغبة في تجويد مقومات حياتها الدنيوية. إن تعميم القدرة لدى الأفراد والجماعات للركوب طواعية في هذه القاطرة الواعدة، بالنسبة له، هو علامة إعلان بداية مرحلة استيقاظ الضمير الفردي والجماعي العربي، مرحلة ستطلب الشعوب خلالها الكلمة، وستمنح لها بضغط من الواقع، وستطلب حقها في المشاركة القوية في التنمية البشرية، وفي ترسيخ الديمقراطية والحداثة وحقوق الإنسان في الحياتين العامة والخاصة.
في إطار هذا المشروع الرائد والواعد والطموح، تحدث القاسمي في قصة رائعة من مجموعته القصصية “أوان الرحيل” عن حمامة باحثة عن أمل حياة، ودفء وجود آمن، وتلذذ طعم العيش. غاب السارد، المتحدث في القصة بصيغة المتكلم، هو وابنته عن منزل الأسرة لمدة. اغتنمت الحمامة الفرصة، وعششت في النافذة. وضعت بيضتين عازمة تحدي كل الظروف، كيف ما كانت صعوبتها، للحفاظ على تواصل الحياة بين الأصول والفروع من جنسها.
لقد أولى الراوي للفضاء عناية خاصة في مساره الحكائي هذا. فالتصوير الفني لعوامل النص تجعل القارئ في وضعية اضطرارية للالتحام به. وضعه النفسي يرتبط بسرعة بالمجال، بحيث يتخيل نفسه للتو سائقا لسيارة في طريق العودة المقفرة إلى منزله بعد سفر طويل. تسرح مخيلته عوالم القلق والضيق، يحلق فوقها قدر الموت غير الطبيعي، وكأنه نسر مسعور لا يميز طبائع طرائد إقتاته. توقيت العودة تزامن مع اقتراب الغروب الوائد لخيوط الشمس، رمز النور، ومصدر مداخيل عيش الكائنات الحية، التي تهاوت ببطء إلى مرقدها، ليحل محلها ظلام السبات. إنها لوحة فنية رائعة، تعاقب فيها الليل والنهار، مبرزة أحد المعجزات الربانية في الوجود، ومذكرة بفحوى الحديثين النبويين “تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في ذات الله” و “لا فكرة في الرب”. بعدما وصف ببراعة احتضار الطبيعة وحرمانها من مصدر حياتها (الماء)، نبه مباشرة القارئ كيف تصنع لنا الأخبار الإعلامية عوالم الدمار في عالمنا العربي.
القدرة المعرفية الساحرة لهذا الكاتب المبدع موقعتني بإرادة فضولية، وكأنني بطل القصة، في مركز لوحة فنية غارقة في الألم والمعاناة. وجدت نفسي أسوق سيارتي في طريق عودة ترامتْ على جانبيها أرضٌ كالحةٌ رماديَّةُ اللون. فوجعت من كيفية احتضار معالم الفرح بها بسبب حرمانها من طعم المطر منذ سنين. تمعنت متذمرا في وقع اشتداد قحالة الطبيعة على النفوس المستخلفة في الأرض وعلى الكائنات المزخرفة للوجود البشري. حملقت شمالا جنوبا، شرقا وغربا، ولم أر إلا أشجارا تحولت بفعل الجفاف إلى هياكلَ عاريةٍ عجفاء. تمعنت كذلك في الوجود وفي أهمية الماء والخضرة في حياة الكائنات الحية. وأنا في مركز اللوحة دائما، داهمني الهلع عندما فكرت في كيف هجّر وأد الخضرة العصافير من فضاء حياتها الطبيعي، لتواجه وحيدة مصيرها الحزين. أصبت بالارتباك وأنا أحملق أسرّة الأودية الجافة، وكيف دعتِ المياهُ السواقي والأودية، واختفتْ قطعان الماشية، وصمتتْ مزامير الرعاة. علمت كيف تتشكل وتترعرع سعادة الرعاة، وكيف ترتقي وتتنوع ألحان مزاميرهم من زهو الماشية، وهي تتغذى أعشاب الحقول الخضراء.
تسلسلت الأحداث خطيا، وتنامت بشكل تصاعدي، لتشتد أحزان السارد، وهو يتابع مخالب الموت تنهش في أجساد الأطفال والنساء والشباب والكهول والشيوخ في جميع أقطار الوطن العربي. فيضاناتٌ مروعة تجتاحُ بلاد الصومال التي أنهكتْها المجاعة والحرب الأهلية، وتقتلُ المئات من الأطفال والنساء والعجزة… ويلات المذابح في الجزائر… مئات الأطفال يموتون يوميًّا في العراق، بسبب الحصار ونقص الحليب والغذاء والدواء…..
بالطبع، أمام قسوة الموت غير الطبيعية، وغضب الطبيعة الذي لا يرحم، مع اختلال القواعد العلمية لأسرار الوجود بفعل بشري، أبى فرخ الحمامة الذي خرج من بيضته بصعوبة أن يقاوم من أجل العيش واستمرار الروح في جسده. لقد سلّم، بسلمية المقهور، روحه لخالقها، معلنا أن مغادرته دار البقاء هي في حد ذاتها إنذار مروءة فرخ بالمآل التفاقمي لمآسي الحياة بفقدانه.
من حيث اللغة، عبارات هذه القصة لا تبتعد عن لغة قصص المجموعة (أوان الرحيل). فهي لغة بسيطة، واضحة، خلابة، تعبر عن تاريخ شخصية عربية من العيار الثقيل، ألمت بخبايا الواقع، وسعت دائما لململة أوضاعه، ومتحت من تراكمات التراث الأدبي العربي ومن تاريخ التجربة الإنسانية. الصور القاتمة في هذه القصة أبانت عن تعقيدات الحياة عربيا، وتشابك تفاصيلها، مبرزة أن ما يظهره القاسمي أهون مما يخفيه في عباراته. السارد هو الأب، المنشغل بأرق مضني بمستقبل ابنته، وهو البطل الذي يتأمل واقع حمامة تنتظر ولادة عسيرة لفرخها، لا يستوعب فكرة العيش في حياة تشبه الموت. كما لا يتحمل في نفس الوقت أوضاع الحداد المزمنة في حياة شعوب المنطقة، وكأنه يغازل نورا في الأفق، طامحا تلذيذ مضمون تيمات كتاباته المستقبلية، ومنحها ذوقا مغايرا، ونكهة من واقع انتفض بقوته الكامنة رافضا الركود والرجعية. امتدت معاناته في عوالم فضاءات قصته من الطبيعة، وهو في طريق العودة بمآسيه، إلى فضاء داخلي، وهو منزله، ليتفرع الإحساس بالضيق والتذمر من خلال شاشة التلفاز بمتابعته أخبار الموت في الأقطار العربية. أما الخاتمة فكانت جد مأساوية. مات الفرخ ساخرا من عالم لم يستوعبه، ليشتد نواح أمه الشجي بلا انقطاع طوال الليل.
لقد نجح القاسمي في تقديم صورة موضوعية عن أوضاع الأقطار العربية. لقد ربط أحداث القصة بتراب قطر شاسع لم يسميه صراحة، ليجعل منه نموذج قطر عربي حضاري، امتد من خلاله عبر التلفاز إلى أقطار أخرى. برع بامتياز في التعبير عن حالة الوضع النفسي المأزوم بجمله المنحوتة، التي رسم من خلالها لوحة تشكيلية قاتمة، تصفع، من النظرة الأولى، العربي المساير للأوضاع بدون اهتمام أو تفكير في مصيره ومصير أمته. بعباراتها الإبداعية، لم تترك القصة مجالا للحياد، بل هاجمت وجدان القارئ منذ الفقرة الأولى مخلخلة غفوته واللامبالاته، زارعة الرعب في روحه، منبهة إياه بخطورة استمرار مسببات الانقراض التدريجي لمقومات الحياة الجماعية في وطنه.
من الناحية البيئية، يوحي هذا النص وكأن الكاتب لا يتقبل استمرار هذه الأوضاع غير الطبيعية. في تقديره، لم يعد الإنسان العربي مطالبا فقط بالتفكير حداثيا في أوضاعه، بل عليه الانتباه إلى خطورة تراكم الإكراهات الكونية وأوزارها على مستقبل الوجود العربي. أتقن ببلاغة مذهلة صياغة تعابيره اللغوية لإثبات حالة التحول المحزن لأحوال الطقس، وما تتكبده الطبيعة من معاناة، وما يتبادر من هنا وهناك من تأزم وابتئاس رافض لتقبل المصير الجديد للمخلوقات. لقد صور للقارئ هذا التحول المفزع بتقديم سلسلة من لقطات صور متكاملة المعنى والمضمون، مبرهنا بالملموس تراكم مسببات وتداعيات عقم أصاب الطبيعة والحياة “ودعتِ المياهُ السواقي والأودية، واختفتْ قطعان الماشية، وصمتتْ مزامير الرعاة”.
تعبيرا عن قلقه وضيقه، اختار الكاتب حمامة مسكينة، ضاقت بها السبل والأجواء، ولم تجد سوى نافذة منزله آملة أن تقضي في سقفها الأعلى فترة توالدها الطبيعية. نهرتها براثن الجفاف والجفاء، ولم تجد من سبيل للتشبث بأمل استمرار تناسل فصيلتها إلا التكيف مع الوضع الجديد. بعدما لمست الأمان والسلام في اقتراب طفلة السارد من النافذة، ازداد أملها للوصول إلى نهاية مشروعها الطبيعي، الذي تنتظر أن ينتهي بتفقيس بويضتيها وتأمين الخلف بفرخين يكونا أكثر استعدادا للتكيف مع المستجدات ومقاومة عواصف تقلبات الطبيعة والواقع “ظلّت بُنيتي تتردَّد على تلك النافذة تراقبُ الحمامة التي أخذتْ تعتاد على اقترابها المسالِم، ولم تعُدْ تفزع لمرآها”.
إن موت الفرخ كان مفزعا. لقد دفع السارد إلى التعبير عن هلعه من سطوة الكآبة والأرق على النفوس. إنه المآل الافتراضي المخيف الذي جعله يقول في العبارة الأخيرة من القصة “عندما أويت إلى فراشي تلك الليلة، لم أستطع النوم …”.

القصة الكاملة: الـحمامة

كانت الشمس تلوح في الأفق البعيد صفراءَ شاحبةً تتهاوى ببطءٍ إلى مرقدها، حينما عُدتُ وابنتي الصغيرة ـ بعد تمضية عطلةِ نصف السنةـ في طريقٍ طويلة مُقفِرة، ترامتْ على جانبيها أرضٌ كالحةٌ رماديَّةُ اللون، نسيتْ طعمَ المطر منذ سنين، واستحالتْ فيها الأشجارُ إلى هياكلَ عاريةٍ عجفاء، هجرتْها خضرتُها وعصافيرُها، لتواجه وحيدة مصيرها الحزين. وودعتِ المياهُ السواقي والأودية، واختفتْ قطعان الماشية، وصمتتْ مزامير الرعاة.
في غرفة الجلوس بالطابق العلويّ من المنزل، أثارتْ انتباهَنا حركةٌ مريبة خلف النافذة. اقتربتْ ابنتي بحذر منها، وما إنْ رفعتْ الستارةَ عنها حتّى طارتْ حمامةٌ مذعورةٌ بعيدًا في الهواء، ثُمَّ ما لبثتْ أن حطَّتْ على سطح المنزل المقابل. فأطلقتْ ابنتي صرخةً جذلى :”آه! لقد عشَّشت تلك الحمامة هنا، أثناء غيابنا، وخلّفت بيضتَيْن.” وأخذتْ تتأملهما ساكنةً لوهلة. ثُمَّ عادت لتجلس إلى جانبي، حيث دسّت رأسها الصغير في صدري، وأنا أواصل قراءة كتابي، وأُمسِّد شعرها الناعم الطويل. وسرعان ما عادتِ الحمامةُ إلى النافذة، بعد أنْ اطمأنّتْ إلى ابتعاد الخطر، لتحضن بيضتَيْها.
وظلّت بُنيتي تتردَّد على تلك النافذة تراقبُ الحمامة التي أخذتْ تعتاد على اقترابها المسالِم، ولم تعُدْ تفزع لمرآها. وأحيانًا، كانت تجد البيضتَيْن فقط، وقد تغيَّبت الحمامة، لتحمل بعد برهةٍ، شيئًا من القش أو الغُصينات، تنسّقها في عشّها.
وفي المساء كنتُ أتابع نشرةَ الأخبار التي يبثّها التلفزيون، في حين وقفتْ ابنتي قرب نافذتها الأثيرة. وتوالت الأنباء من جميع أقطار الوطن العربيّ: فيضاناتٌ مروعة تجتاحُ بلاد الصومال التي أنهكتْها المجاعة والحرب الأهلية، وتقتلُ المئات من الأطفال والنساء والعجزة… مذبحةٌ جديدة تقترفها الجماعات المسلَّحة في الجزائر يذهبُ ضحيتَها أربعـمائة وخمسون قتيلاً في قريةٍ واحدة، جلُّهم من النساء والأطفال والشيوخ… مئات الأطفال يموتون يوميًّا في العراق، بسبب الحصار ونقص الحليب والغذاء والدواء… وفجأةً تصرخ ابنتي:
ـ ” انظرْ، البيضة تَفْقِس، الفرخ يكسرها برأسه، بمنقاره الصغير، إنّه يخرج منها بصعوبة… انظرْ إلى المسكين، ما أضعفه! ما أصغره! ما أملسَ جسمه الخالي من الريش..! لم يخرج من البيضة تمامًا … إنّه يرتمي بنصفِ جسمه على الأرض… لا يتحرّك … إنّه هامد، أخشى أنَّه ميّت… يا إلهي! أين أُمّه؟ ماذا يمكنني أن أفعل؟ بابا ، كيف نستطيع مساعدته؟”
وعندما أويت إلى فراشي تلك الليلة، لم أستطع النوم؛ فقد كانت الحمامة في النافذة المجاورة تنوح وتنوح نوحًا شجيًّا بلا انقطاع طوال الليل.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني