فراخ الحرث والمعمار

بقلم : محمد حسيكي

كل ما يعرف عن المغاربة من علاقتهم مع فراخ الطير، اهتمامهم من مفترق الحياة الحضرية والمعيش القروي، بالعلاقة مع الطيور البرية من مدار الفضاء الطبيعي العام، أو من جانب التربية والعيش الأليف بالبيت، لحاجة الاستهلاك، أو الزينة، أو لأجل الصيد بالوسط الطبيعي .

وإن تجد الطيور حياتها الخصبة من الطبيعة، فإن منها الموسمية الجوالة بالفضاء من مدار طبيعي، ومنها اللصيقة بالمعمار من الوسط البشري، التي تعيش بالطبيعة، وتتساكن بالبيت مع الانسان .

ومن هاته المقاربة بين الوسط الطبيعي، والوسط البشري، التي تجد فيه الفراخ حياتها النموذجية، يتمحور العنوان بين الموسمية من الطبيعة، كفراخ الحرث الموسمية من فصل الخريف، وفراخ العمران القريبة من الشبه الأليفة للإنسان، من عيشها بالطبيعة، واستيطانها البيوت مع الانسان .

فراخ الحرث :

يرتبط هذا النوع بالمجال الطبيعي، من فترة الزراعة الخريفية من موسم الحرث، كون الفراخ تعيش على عملية الحرث من شقوق المحراث، وليس على حبوب الزرع من عملية البدر، يسميها المزارعون نسبة إلى الموسم من وقت التواجد، فراخ : المسية، أو المسيسية، ويرجح من سياق المنطق اللغوي أن اسمها الأول، اسم : الأم آسية .

فراخ الأم آسية :

المسماة المسية، أو الأم سيسية : تتخذ من مدار الفضاء بالأمطار الخريفية وجهنها، ومن عملية الحرث محطة لها، وهي طائر صغير الحجم، يلتحف بالسواد من الرأس إلى الطوق، بينما يميل لون ظهره إلى الزرقة المائلة نحو البياض والسواد، طويل الذيل، خفيف الخطوات، دقيق طرفي النظر من خطاه لا ينبش التربة ولا يقترب من الزرع، بل يلتقط بالنظر قوته الموسمي بالتربة، من وراء المحراث لفترة تواجده الوجيزة .

طبيعة تواجده :

تتواجد فراخ الأم آسية من البراري الموسمية، وقت عملية الحرث من وقت الامطار الخريفية، بحثا عن أحياء التربة وليدة التساقطات المطرية، التي تتكون من اختمار الارض بعد ارتوائها بالأمطار الموسمية، والتي يكشف عنها المحراث للطير من شق الارض، من خلال عملية الحرث، التي يجري من ورائها فرخ الطير، وبين خطوط الحرث اليومي، وهي من ذلك الرعي لا تقترب حبوب الزرع، ولا يلتفت إليها المزارع من وقت عمله خلال فترة التواجد .

وتنسب إلى الفترة الموسمية من الفراخ اللاحمة، التي تعيش على ديدان التربة واليرقات الحية، تتواجد من فترة رطوبة التربة من عملية الحرث، وحين تجف التربة من الشمس، أو تتجدد عليها صبابة الامطار ترحل عن المكان، بل كانت تتواجد بأعداد وسراب خلال عملية الحرث بالمحراث طيلة الفصل الخريفي، وعهد المكننة الفلاحية والحرث بالجرار، تقلصت مدة مكوثها الموسمية من فترة الحرث السريعة .

ومن الوجهة التاريخية، يرمز اسم الأم آسية، من فراخ الحرث الخريفية، ووجودها في الطبيعة الموسمية من عملية الحرث، إلى الحياة الزراعية الأولية، التي يشق فيها المزارع الارض بالمحراث الخشبي من وقت الحرث، والمرأة من ورائه تبدر الحبوب بالزرع من الارض .

وبالنسبة إلى الام آسية من عهدها كانت تشرف على عملية الحرث من وقتها، تتابع عملية الحرث الجماعي المسماة بالتويزة من دورة تكوينية للمزارعين، لإحياء الارض من عملية الحرث، والمزاوجة في الانتاج بين الرعي والزراعة، وينتهي حضورها من المتابعة والمعاينة بانتهاء عملية الحرث .

وتشريفا لمباركتها عمل المزارعين من عملية الحرث الموسمية، خلد المجتمع الزراعي ذكرها الحي، في اسم طائر الام آسية، أي أن حضورها هو لوقت عمل معين من مدار عام .

فراخ العمران :

هي فراخ على علاقة من الطبيعة، وذات علاقة خاصة من العمران المعمور الغير المهجور السكن، منها فراخ الطبيبة القيصرية، وفراخ أبو طريش البهلوانية .

والنوعين من الفراخ يبحثان عن عيشهما من الطبيعة، وبالجوار، ومن يد الانسان، كالطبيبة القيصرية، ومن الطبيعة وبناء العش من سقف السكن لدى الانسان .

فراخ الطبيبة القيصرية :

فرخ صغير الحجم، رمادي الوجه والطوق، مائل إلى الصفرة من الحمرة التي تكسو بقية الجسم، يألف القرب من بيت الانسان، ولسانه ينطق، ويط .. طبيبة، يعني طبيبة القرب من البيت، والتي لها علاقة بالطب من البيت العائلي مع المرأة، حين الوضع على يد الطبيب من جراء العملية القيصرية بالبيت القيصري، أول عملية جراحية على بطن المرأة في العهد القيصري، على يد الطبيب من تاريخ علوم الحياة الطبية، التي أنقدت حياة المرأة وجنينها، من حالة الولادة العسيرة، التي استلزمت تدخل الطبيب، بعد أن كانت عملية الوضع من الوجهة الشرعية شأن نسوي تتولاها النسوة، لأسباب تتعلق بالتحفظ على العورة البشرية، وهو ما يلتزم به الطبيب من حياته المهنية، من خلال القسم الطبي، الذي أصبح ساريا بالمجال الطبي قبل الشروع وقتها في مزاولة العملية القيصرية، وعهد عائشة الصديقية رضي الله عنها، سئلت عن حياتها مع الرسول، صلى الله عليه وسلم، فقالت : ما رأيت منه، ولا رأى مني .

ومن الوجهة الشرعية لا خلاف بين الجانبين، إذ لا حياء في دين، ولا حياء في علم، رفعا للضرر عن الانسان، إذ الدين تربية وخلق ومعاملة، والعلم عمل ينتفع به، وهو مصدر تقدم البشرية، بتزكية من الدين، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا .

ومن وجهة حياة القرب من الطير مع الانسان، يعيش هذا النوع بالحواضر العمرانية، والقرى إلى جانب الانسان من الحواضر العتيقة، ومن الطبيعة القروية، ويسكن معه بالتجاويف المعمارية من شكليات البناء بالبيت، يوم كان البناء يجري بالتربة الجوفية المبللة الخرسانة والمرصوصة بألة الدك الخشبية ذات الاستعمال اليدوي، على أشكال من الألواح الخشبية، أشكالا مستطيلة شكلا على شكل، إلى أن يستكمل البناء شكله النهائي .

وخلال عملية التساكن يزور الطير على عرف العادة أهل البيت، بحثا عن قوته، وقت إطعام فراخه، وتجديد صلة المجاورة بالبيت وتفقد أهله ولسان حاله ينطق، ويط.. طبيبة البيت، يكتسب الحرمة من عائلة البيت، ويتلقون حضوره بالابتهاج المرح الذي يسبق قدوم الضيف الجديد من عملية الوضع، ومن وراء الإخطار بمقدم الضيوف المباركين، ينطق باللسان مدويا، وبالقدمين راقصا .

فراخ أبو طريش :

ذاك هو الاسم الذي يعرف به لدى طرف من القرويين، من حركة جناحيه كما يجري على لسانهم، طائر مسلي من حركة طيرانه، جميل الهيئة، يخطف النظرة من السرعة، طويل الجناحين، متموج الحركة متدني الطيران من الأرضية، بهلواني الحركة من المتعة .ينسب من العمران إلى العهود البابلية، العالية البنيان، الرفيعة القوام، من الاصلاح بالأيادي البشرية، يبني عشه في شكل قوس مفتوح على السقف، من عجين الطين بالسقوف الخشبية من البيوت العالية، ويفترش داخلها بالصوف والوبر والشعر الناعم، لفراخه من حياتها الناعمة .

وحين يكتمل من بناء العش، ويتهيأ لتأثيثه من الداخل بالأفرشة الرطبة من الأصواف، يقترب من الماشية، ومنها يطلق عليه اسم الخطاف من علاقته حينها مع الأغنام والماعز، من الوسط الرعوي .

ووقت تربية فراخه وحال الاقتراب إلى العش بالطعام، يوقظها من الغفوة بالوطوطة لتلقي اللقمة، يستأنس الساكنة بالبيت من بناء عشه الذي غالبا ما يتم من مياه الأمطار، وفي مكان آمن معلق من أعالي السقف بالمباني الفخمة، والاستمتاع بصوته المتوالي والمدوي حين إحضار الطعام لفراخه، وأيضا وقت الطيران وبهلوانية مرحه بالطبيعة، من الفضاءات الرطبة .

وتنسب فراخ أبو طريش من الطيور الأولية، التي سكنت البيوت مع الانسان الرفيع العمران، قبل أن يهتم الانسان بتربية الطيور الزقزقة المغردة، ويخصها بالرعاية والمكانة المميزة من البيت، ومن العيش لإمتاع السمع والنظر من أحياء الطبيعة، بالحواضر العمرانية .


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني