تجاوز ورطة عصر العتمة

 

الحسين بوخرطة

عبد السلام الفخراني رجل رأسمالي. ورث عن أبيه الإقطاعي ثروة كبيرة، تجاوزت المليارين من الدراهم. تأثر بثقافة الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن العشرين. ألم بمنطق القوى الإمبريالية التي اجتاحت بلاده المغاربي. يقظته الدائمة وتاريخه الشخصي جعلاه يعتقد نجاعة ومردودية النمط السلطوي في التدبير الأسري والمقاولاتي.

حقق نجاحا مبهرا ميز أنشطة وحداته الصناعية والفلاحية. الثقافة التقليدية السائدة في الوحدات الترابية لوطنه كانت سندا له في تحديد أهدافه وتنفيذها بيسر وبدون معاناة تذكر. اعتمد الصرامة الممزوجة بأسلوب أبوي بنفحات إسلامية، مستغلا قناعة وسذاجة سكان جماعته الترابية. عاش سيدا، ووسيطا ترابيا، ونخبة استحقاقات محلية وإقليمية وجهوية وبرلمانية. مثل سكان منطقته، الحامدين الله على قدرهم وأحوالهم، لمدة تفوق أربعة عقود.

توفي عبد السلام في بداية التسعينات، عن عمر تجاوز المائة سنة. ورث عنه ابنه الوحيد رونق ثروة مادية وعينية لا تحصى، تضاعفت قيمة وهيبة مع مرور العقود. إنه شاب متعلم عبقري مختلف تماما عن أبيه. عشق الأدب والفنون الجميلة عشقا جنونيا. لم يكن ميالا للنزعات الرأسمالية. عبر عن تضايقه مرارا وتكرارا من ترديد خطابات النظام العالمي الجديد. استخف مستهزئا لسنوات من نزعة القومية العربية والقطر المركزي عربيا. كان متيقنا من قوة العلاقة السببية بين عملة الدولار وجبروتها واقتراب سقوط نظامي صدام وتشافيز. كان مقتنعا أن الوحدة العربية لن تتحقق إلا من خلال مجموعات اقتصادية إقليمية قوية ومتضامنة تحترم السيادات القطرية.

حزن لوفاة أبيه. وجد نفسه في عالم جديد بثروة يعجز أي لسان النطق بقيمتها المالية الأسطورية. إنها إمبراطورية صناعية وفلاحية ومالية عملاقة. ميولاته الأدبية والفنية دفعته لتفويض تدبيرها لعباس الماضوي، أبرز المقربين لأبيه، وحافظ سره. تابع عباس تسيير المشاريع والأعمال بنفس منطق ولي نعمته. تصلب التدبير بعد مدة قصيرة، وكثرت العراقيل وتكررت بوثيرة لا تطاق. أصبح العالم قرية صغيرة، وتغيرت الثقافة اليومية للعمال والمستخدمين. أخبر عباس رئيسه بمعضلة استمرار تقلص الإنتاج والمداخيل المرتبطة بها بالرغم من الزيادة في ساعات العمل. اشتد الكساد بحدة دفعت رونق لتغيير أسلوب حياته، طامحا في حماية أمجاد أسرته.

وقع رونق في ورطة نهاية القرن العشرين المشوبة بالأزمات الاقتصادية والمالية. فكر، ودبر، ولم يجد من حل سوى الاستسلام للاعتكاف في فيلا الأسرة الثانوي على شاطئ من شواطئ البحر الأبيض المتوسط البهيج. عمق بحوثه في فكر تطور المنظمات ومنطق الفاعلين. اهتم بالموازاة بتطور أنماط الإنتاج، والتقنيات، والأساليب التدبيرية. اقتنع أن لكل مقام مقال، ولكل زمان ثقافته ورجاله.

مسلحا بمنطق التدبير الاستراتيجي زمن منظومة المقاولة المنفتحة. جدد كل الهياكل والبنيات التقليدية لوحداته الإنتاجية. سبر أغوار تدبير الموارد البشرية ومستلزماته وقواعده. عمم التدبير الاستراتيجي في زمن قياسي. حول التسيير الديمقراطي التشاركي إلى منبع فوار للعقلانية والابتهاج والتحفيز والمواطنة.

استغل خبرته الأدبية والفنية، وأعطى لأسلوب تدبيره طابعا وطعما خاصين. أصبح في زمن قياسي مقاولا نموذجيا بمنطق تجاوز متطلبات العصر وعيا ومعرفة بالتحديات والرهانات.

رسخ في عقول العمال والمستخدمين معنى الانتماء للوطن عبر الانتماء للمقاولة. أبرز بجلاء تفوق أسلوب المشاركة الديمقراطية في التدبير. ارتقى التحفيز وحب العمل والتنافس في المردودية إلى درجة حولت ظاهرة التغيب عن العمل إلى صفة ذميمة داخل منظماته. لقد شيد فضاءات اجتماعية نشيطة داخل شركاته الكبرى. اشتد التسابق بين فاعليها للتعبير عن النفس بالإبداع والجودة والإتقان وخفض كلفة الإنتاج.

انتعشت التجربة بالتكوين المستمر. تراكمت ثروة رونق بمستويات قياسية في سنوات معدودة. تزامن تحقيق هذا المجد مع ارتقاء مسؤولية واستقلالية الفاعلين. أصبح رونق رمزا عالميا في قيادة التغيير داخل المنظمات. أصبحت مقاولاته الإنتاجية فضاء زاخرا بالأنشطة الاجتماعية. تفاعل كل عنصر بها نفعيا مع محيطه، واشتد عزمه ألا يدخر جهدا في تحقيق الأهداف والقيم الإستراتيجية المشتركة.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني