أسرة وتحديد مصير

الحسين بوخرطة
في أول يوم من شهر غشت الصيفي الحار، وصلت زينب إلى مطار محمد الخامس بالدار البيضاء عائدة من أمريكا على الساعة السادسة صباحا. عمرها لا يتجاوز السابعة والعشرين سنة. حصلت على الدكتوراه في الإلكترونيات والإنتاج الصناعي الرقمي. تعمل مديرة البرمجة ومراقبة الإنتاج الروبوتي للسيارات الفاخرة الكهربائية في شركة أمريكية عابرة للقارات. أجرتها الشهرية مرتفعة للغاية، ارتقت بها، وبقيمة فضاء عملها المبهر والجذاب بوسائله وتقنياته وأنماط تدبيره وتواصله، إلى أعلى المراتب. التحقت بالطبقة المتحضرة، ووضعت قدمها في فضاء سمو العلاقات الاجتماعية المنتجة والقيادية لمجتمع بلد إقامتها. إنها تعيش عالم المتعة العارمة بامتياز.
خرجت من باب المطار. تملصت من حقيبتها وأغراضها أرضا، وانطلقت جريا، وارتمت في أحضان أبيها سيدي ناصر وأمها للا حليمة. دام العناق وتبادل القبلات أكثر من خمس دقائق. ضمت إلى صدرها بعد ذلك أخاها سليم بقوة شغب وولع. شاب وسيم، طويل القامة، أنيق الملبس، ويصغرها بسنتين. لم تنتظر برهة حتى سألته عن التخصص الذي اختاره بعد تفوقه في نفس السنة كطبيب داخلي بالرباط، وعن خطيبته رميساء زميلته في الدراسة والعمل. لقد أشرقت الوجوه فرحا بتتويج مسار أسري وتربوي وتعليمي ناجح.
التحقوا بمنزلهم بالقنيطرة عبر الطريق السيار. وجدوا مربيتهم دادا كبورة في انتظارهم. لقد أعدت لهم ما لذ وطاب، مزخرفة مائدة الفطور في الحديقة، احتفاء برجوع أميرة ونجمة الأسرة. التصق الجسدان شوقا. جسد وردة يافعة، منحوت بعناية الرب، ومتوج بعقل التحق بمصاف النوابغ، وجسد أعيته السنين بعدما جاهد لعقود لنصرة قضية المؤسسة الأولى في المجتمع. لقد شكل سيدي ناصر وللا حليمة ودادا كبورة مدرسة نموذجية للتعاقب الراقي للأجيال بالسلاسة والمعرفة المطلوبتين.
ابتسمت زينب في وجه مرجع وجودها، ثم قالت بكل ثقة وافتخار: “أشكركم يا أبي وأمي والداد على عنايتكم المعرفية بي وبأخي. ترعرعت جسما وعقلا في أجواء سليمة، ونضجت معرفة وعلما بأفضالكم. أخبركم أنني اخترت رفيق حياتي مؤخرا، بعدما خبرت شخصيته بما راكمته من تجارب ومعارف الحياة الفاضلة”. أخرجت حاسوبها المتطور، عرضت صوره المختارة بعناية، مجسدة بذكاء خارق حياته منذ الصبا، مرورا بالدراسة والتخرج، ووصولا إلى أنشطته المهنية الرائدة في “ناسا”. لم ينتظر سيدي ناصر كثيرا حتى هنأها، طالبا منها أن تربط معه موعد لقاء أسري عبر الويب في ساعة مواتية في نفس اليوم.
أغلقت زينب حاسوبها متأثرة بثقة أبيها فيها، لتستسلم لسلطة دموع الرحمة والمعزة الساخنة، ثم ارتمت مجددا في حضنه، ثم أسرت له بعبقريته التي أنقذتها من الانزلاق في عمر المراهقة. استرسلت في الكلام لتجد كالعادة الآذان الصاغية. وأنا أسترجع سنوات تلك الحقبة الصعبة، كنت أتذكر دائما كيف كنت تعاملني بمنطق الأب الحنون، لم يسبق لك يوما أن صرخت في وجهي، أو واجهت سلوكي الصبياني بالعنف والعقاب. كنت عبقريا في الالتزام بالروية والهدوء والحذر والوقاية من الانحراف عن الأهداف البناءة في تلك السن الخطرة. بحثك المتواصل لإيجاد السبل المعقولة لإقناعي بالخطأ كان يغريني، وينبهني أنك لا تفكر إلا في مصلحتنا أنا وأخي. لم أشعر يوما أنك تنهرني وتتحداني حتى وأنا غاضبة. لقد كنت لنا جميعا قدوة يحتدى بها.
كنت دائما أقف مشدوهة، وأنا في مقر عملي في أمريكا، عندما أتذكر ما حكته لي أمي عندما تجاوزت السن الحرجة. لقد أقنعتها يا أبتي، بالدليل والبرهان، أن المراهقة من المراحل المهمة في حياة كل فتاة، وهي مرحلة دقيقة تقتحم خلالها عدة تغيرات كل مستويات حياة الإنسان. بها تبدأ مشاعر وسلوكيات الشباب في التغير. لقد علمتها أن تبتهج عندما تجدني أبالغ في الاهتمام بمظهري. أكثر من ذلك كانت تغمرني دائما بالشجاعة الكافية لوأد الخجل المؤذي ومناهضة الميول إلى العزلة.
لقد تغيرت أحوالي جسديا ونفسيا ما بين سن الثانية عشرة والثالثة عشرة، وانبعثت في أحشائي تغيرات هرمونية وجسدية مزلزلة للحياة الاعتيادية. وأنا أعيش هذا الاضطراب المفاجئ، علمتني أمي تأجيل الشعور بالإعجاب بالجنس الآخر. لقد أفهمتني أن هذه المشاعر جد طبيعية لدى البنات في تلك المرحلة، وأن الحل ليس في الاستجابة لها، بل يجب التعامل معها بذكاء وبأسلوب سليم. عاملتني بحنان، وكانت لي ملاذا وصديقة. كانت تستمع إلي بإمعان أكثر ما توجهني. أنعم كل يوم باحترامها لمشاعري ولا تسخر منها. فعلا كانت محقة عندما صارحتني في سنوات نضجي أن ما تحس به المراهقات ليس حبًّا، بل هو مجرد إعجاب، أو رغبة في التعرف على الجنس الآخر. كلما علمت بأمر من هذا القبيل عبر قنواتها السرية، لم تسمح لنفسها يوما اللجوء إلى العناد أو التوبيخ. لقد كانت تراقب تصرفاتي بحكمة ورعاية بدون أن أشعر بذلك. عاملتني وناقشتني دائما بهدوء واحترام تامين كناضجة لا كطفلة.
لم تتقاعس ولو لحظة واحدة في تقوية ثقتي بنفسي وتشجيعي. كلما مرت الأيام، أحس أنها قدوتي الأفضل في القول والفعل. أصبحت أحس بها صديقة مقربة مني جدا، تحدثني بدون خجل عن مشاعر الحب، حتى توضح لي بجلاء الفرق بين الحب والإعجاب. أعطتني الثقة الكاملة حتى أصبحت صريحة معها في جميع أمور الحياة. كانت دائما مبتهجة ومسرورة وهي تستمع إلي بالانتباه المطلوب. علمتني المعنى الحقيقي للحرية والاستقلالية. أمي الجميلة الحنون، كانت دائما تحافظ على هدوئها وسط عواصف الغضب الشبابي. تعاملت معنا بدون انقطاع، أنا وأخي، بالنضج الكافي، وازنة الأمور بصورة منطقية لإزالة التوتر وتهدئة الأوضاع الصعبة، محافظة بذلك على رباطة جأشها. كانت تعيرنا شجاعتها في هذه اللحظات الحرجة، وتثير انتباهنا إلى كيفية التعامل في حالات التوتر. لم تقف ساكنة أو حائرة من أمرها عندما تشحن الأوضاع غضبا، بل كانت تهدئ، بوعي تام، من روعها وتحتفظ ببرودة أعصابها، وتفتح باب التفاوض والتفاهم بتقنيات نوابغ علم النفس في الوقت المناسب. تنتظر أن أفرغ ما بجعبتي من توتر وقلق وانشغال، وتحول باحترافية عواطفي الجياشة إلى موضوع معرفي يهب من كلماته نسيم اللوم والعتاب الدافئ، المغمور بالدروس والعبر.
لم تمر شهور على ظهور عواصف المراهقة في حياتي، حتى وجدت نفسي أتعامل مع خصوصيتها بمعرفة عالية. عوضتني أمي بتوددها وحبها وحنانها، وأبهرتني بمفاجآتها السارة المباغثة. لم أعد أحتاج لحب آخر سوى حب الأسرة والعمل المضني من أجل المستقبل. قبلات أمي وأبي الحانية على جبيني كان منبع قوة خارقة. تعلمت كيف أستغل وقت فراغي فيما يفيدني. لقد اقتنعت بمنهجية علمية صرفة أن الحب مشاعر جميلة، خلقها الله داخلنا، وهي ليست عيبًا، لكن يجب أن تكون في الوقت المناسب وللشخص المناسب.
عدؔل سيدي ناصر جلسته على أريكته الوثيرة. زم شفتيه متأثرا ومشدوها متعجبا بكلام ابنته المنتظم الراقي، وفرك يديه مزهوا باسترجاع ألفة السلوى الاعتيادية التي غمرت مجددا جلسته العائلية، اختار أن يختم الجلسة مستثمرا في الرمز الدال في المعنى والمغزى، ثم قال: “بسلطة جودة المؤسسة الأولى في المجمتع، الأسرة، تتحول مجالات الحياة الفردية والجماعية إلى ينابيع إبداع وخلق وابتكار فوارة ودائمة”.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني