قصة مول الحانوت خارج عن المألوف!

 

واحد الوقت كان مول الحانوت للي مطييّاح الثمن فشِي بّرُودْوِي! نهار تايسووّلوه عشرانو في الحرفة: “مالك أصاحبي على حالتك؟”

كان كايتحجّج بكثير من الفهامة والفلسفة، أنه وفي إطار الماركوتينگ وداكشي ذيال فنون التسويق: “غير تايْلِيكِيدِي السلعة بذاك البّرُودْوِي”!!

اليوم حيث الأسعار ذيال جميع البّرُودْوِيّات مرتافعة إلى السماوات السبعة! ما بقَى غير هاذ مول الحانوت هو اللي معروض بأقل الأثمنة! وكل المؤشرات تؤكد أنه مطروح ومؤهل باش يتّلِيكِيدَا مع السلعة!! وما تسمع من الغُرف والتنظيمات المهنية في مثل هاذ المواسم غير: رِيكْـلام رِيكْـلام!! يالله رُولْ.. ما عندُو بـاگـاج!!

ربما يكون التنبؤ ببلوغ هذا المصير الذي آلت إليه تجارة القرب، ومعها أوضاع الدائرين في فلكها، واحدا من الدوافع التي ساقت صديقا لي إلى أن يخوض غمار تجربة عجيبة غريبة! تلخص خطوطها العريظة قصة غاصة بالكثير من العبر باطنا، ومحاطة بالكثير من الغموض ظاهرا!!

تحكي أطوارُها أن صديقي هذا، وتجمعني به معرفة ممتدة من أيام الدراسة إلى حدود اليوم، قد أقدم على اتخاد قرارات جريئة وغير مألوفة، تتنافَى بشكل قاطع، وتتعارض جملة وتفصيلا مع الأعراف المعمول بها في أوساط مالين الحوانت على مرّ التاريخ، إلى درجة اعتقاد أنّ ما أقدم عليه، قد يمكن تصنيفه في خانة التمرد عن سبق إصرار وترصد، بنية قلب الأوضاع رأسا على عقب!

ينحدر صديقي مول الحانوت من أصول أمازيغية بجنوب المغرب، ولكنه مزداد بالرباط، ونشأ بها، جامعا خليطا من الثقافات النابضة بالحياة، انبثقت عنها هواية العزف على آلة الهجهوج، ووَلعُه وتعلقه بأدق تفاصيل عالم كناوة، وما يرافقه من طقوس! وقد شاءت الأقدار أن ينقطع عن الدراسة في مستوى الإعدادي، ثم يخوض بعد ذلك غمار تجارة القرب مبكرا، حتى أنه استطاع أن يترَقى أيام العز مع مرور السنوات من مسير محل تجاري لحساب الغير إلى صاحب محلّين تجاريّين بالحجم المتوسط، يشتغل معه في كل فترة محددة بعقود، مُسيّرَين يعيلان عائلتين عن بعد. ولكن مع تبَدّل أحوال التجارة، وكثرة الإلتزامات وارتفاع المصاريف وأفول نجوم الثقة! قرر دون سابق إنذار أن يستغني عن دكانَيه دفعة واحدة، ثم يعود بالتالي مرة أخرى إلى الإشتغال كمسير محل تجاري عند الغير، مقابل نسبة من الأرباح السنوية، كما كان عليه الوضع في ما مضى دون أدنى حرج! بل إنه وفَوق هذا كله، فقد توفق في عزمه على الإقتران من أم عياله حسب المعايير التي كان يرجوها. رفيقة العمر تنحدر بدورها من أصول أمازيغية، وتقطن بتمازيرت. لذلك لم يتوانى هو الآخر في بناء عش الزوجية، محققا حلمه بتشييد مسكن للإقامة الدائمة، يحمل مواصفات عصرية في قلب الدوار، يستقر به مع أبنائه، بالرغم من أنه يمتلك منزلا بكامل تجهيزاته في قلب الرباط!

ربما يكون صديقي مول الحانوت الوحيد الذي قادته الأقدار للقيام بهاته الهجرة العكسية، من المدينة إلى البادية، وبمثل هكذا مواصفات جريئة، على خلاف المعهود والمتداول! والحق يقال أنه كان كلما حاولتُ التعمق معه في مناقشة هذا الموضوع، يبرّر بشكل عجيب مواقفه، مستندا إلى دلائل ومعطيات منسجمة مع عقليته وطموحاته! وطبعا، لأنه حرّ في قراراته ومسؤول عنها، ودائما ما يبدو مرتاحا هادئا غير مكترث، ولا منزعج بشكل ملفت، أجِدُني على الدوام في آخر كل مطاف بعد نقاشاتنا المتوالية مجبرا على احترام وجهة نظره، رغم أنني لا أقوى على الإقتناع بما يحيط بها من جزئيات ظلت في قرارة نفسي مبهمة!

العديد من الأسباب تَتَداخل في حالة هذا النموذج الفريد من مالين الحوانت، ولهذا تصعُب قراءة حالته المعقدة من زاوية أحادية الجانب، ومن هذا المنطلق، ارتَأيت أن أشاركها معكم بقدر من التأني المتاح، لعل وعسى نعثر لها بينكم على تحليل منطقي! وليس مستبعدا أن تتواجد بيننا نماذج من جنس صديقي هذا، إلا أنهم يعيشون هجراتهم المعكوسة مُرغمين! بخلاف صديقي مول الحانوت الذي انغمس كسلطان غرام في ملذاتها، ولكأنها قصة رومانسية، يعيشها بهيام وعن طيب خاطر!

بالنهاية وَجّهَ نائب برلماني سؤالا كتابيا إلى وزير الرياضة، يستفسره حول غياب حمد الله من تشكيلة المنتخب! متجاهلا مصير ما يربو عن مليوناي مول الحانوت يلعبون ضمن منتخب منسي في ظروف مزرية، ضد الأوضاع المتردية للقدرة الشرائية دون سقف زمني! وربما يعجز مثل هذا المسؤول عن رؤية هؤلاء، لأنهم بالنسبة إليه في عداد الأشباح، وسيادة النائب المحترم وأشباهه غير ملامين ولا ملومين، على اعتبار أنّ الناجين من مالين الحوانت، ما لم يُصَرَّفوا بأبخس الأثمان، فمآلهم إذن هجرة معكوسة، سيقوا إليها إجبارا لا جَبراً، وللّه الحمد على كل حال!!

الطيب آيت أباه من تمارة


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني