حقيقة الدولة القوية العادلة

الحسين بوخرطة
بلا أدنى شك، الحقيقة كمصطلح تشكل مثلا أعلى وغاية أسمى بالنسبة للإنسانية في مختلف الحقب الزمانية والمواقع الجغرافية. ونظرا لهذه المكانة المتميزة، شاع استعمالها لتشمل كل مجالات الفصل في صدقية الأحداث والظواهر من عدمها. ونظرا للمبالغة في استعمال هذا المصطلح في كلام الناس، أي تعدد مجالات البحث عنها على المستوى العامي وارتباطها بالأحداث العادية، وقلة تداولها على المستوى الفكري، أصبحت مفهوما غامضا وملتبسا، ليبقى نظريا مجالها الرائد، القادر على الحفاظ على قيمتها المعرفية، مرتبطا بالتطور العلمي والتكنولوجي.
وعليه، ونحن لا زلنا نعيش محنة انتشار وباء كورونا المستجد، أبرزت الأحداث المتتالية والمتراكمة حاجة شعوب بلدان الجنوب، في إطار استعدادها لما بعد المحنة، إلى حوار تشاركي مستمر يتناول الإشكالات والقضايا التي تفضي إلى خلاصات تمكن الأفراد والجماعات من التمييز بين الحقيقة والرأي والوهم. وبما أن المنهج يعد ركن أساسي من أركان نجاح المشاريع في الوصول إلى تحقيق أهدافها المسطرة، أعتقد أن الإجماع في شأن آليات التدخل والوقاية على مستوى كل الأقطار الكونية تقريبا، الذي تحقق في التعاطي مع هذه الجائحة، يجعل منه فضاء يزخر بمقومات تقوية التفاعل الفكري، الموضح لمفهوم “الحقيقة”، وتحويله إلى نواة صلبة موجهة للتفاعل المجتمعي في تعامله مستقبلا مع كل مشاريع البحث عن التغيير وقيادة أوراشه وأنشطته. لقد تدخلت الأنظمة السياسية وأبان مسار قيادة مواجهة الأزمة عن ارتقاء مفهوم جديد للدولة، تجاوز الأسس والمبادئ الليبرالية وشعارها “دعه يعمل دعه يسير”.
إن الجهد الذي تم بذله قطريا، ولا زال يبذل بدرجة أخف، في محاربة انتشار هذا الوباء الفتاك، والذي لقي استحسانا وتشجيعا أمميا، وما حققه إلى غاية اليوم من نتائج تستحق التقدير، كان بالنسبة للمتتبعين حافزا لتحويل كتاباتهم إلى دعوة إلى تضافر الجهود بدون أي قيد أو شرط، لتتحول المجتمعات، في تفاعلها الباحث عن الحقائق النافعة، إلى قوة دائمة النشاط لا يتبادر ولا يفوح منها إلا المصطلحات ذات النكهة والرائحة الزكية، المحفزة بعطرها للعمل والكدح في السراء والضراء، حاضرا ومستقبلا. بالطبع هذه الدعوة ليست نابعة من فراغ، بل تجد لها مبررا نظريا في كلام المفكر ميشيل فوكو، وحقلا تجريبيا فيما تعرفه دول العالم من تفاعلات وإجراءات احترازية وتطبيبية. الحقيقة، بالنسبة لهذا الفيلسوف الكبير، لا توجد خارج السلطة ولا تخلو من سلطة، أي أنها ترتبط بالسلطة التي أنتجتها. لقد أسهمت تطورات هذه الجائحة وما قابلها من تدخلات وسياسات احترازية في إبراز مقومات نموذج الدولة الصينية في التنمية وبحثها الدائم لإرساء دعائم السلوك الحضاري للأفراد والجماعات.
فما أبرزه نموذج الدولة الصينية من تفوق مستجد وبوتيرة متصاعدة يعتبر حقيقة واضحة في عالم اليوم، حقيقة فرضت على المحللين مقارنة هذا النموذج مع النموذج الأمريكي الأروبي الليبرالي والحديث عن مقومات تقاطب عالمي جديد في مجال ارتباط السياسة والمعرفة والإيديولوجيا والاقتصاد المعولم. حقيقة النظام الإنساني الصالح إذن لا يمكن أن يكون إلا مطابقا لمفهوم الحقيقة الفلسفية بأبعادها العقائدية العقلانية. إنها الحقيقة التي يعتبرها فوكو نتاجا للمجتمع ونظامه المؤسسي والأعمال المرتبطة به، حقيقة نسبية لا يمكن فصلها عن المؤسسات السياسية والتربوية والاقتصادية والعسكرية. إن طبيعة الحقائق وتطورها تشكل إلى حد بعيد معيارا لتقييم المسار التطوري الذي تقوده الدولة كبنية مستوعبة لمجتمعها وضامنة لاندماجه وإسعاده. لذا، فالطموح المنتظر، الذي يستحقه أي وطن حضاري، لا يمكن أن يكون غير تطوير الثقافة بالشكل الذي يجعل من إنتاج الحقائق ونشرها بين الناس، تبعد الأفراد والجماعات عن الوهم والخرافة والتفاهة، وتجعلهم يلمسون الوقع القوي لتكامل الحقائق العقلية والحقائق التجريبية في أفق تأهيل الواقع، والسعي لتحقيق تطابقه مع الفكر ومسارات تطور المعارف العلمية المختلفة والمتنوعة. لقد بدأ انطباع يترعرع في أذهان جماهير العالم، انطباع يعتبر قوة الدولة مرادف لقدرتها على ترسيخ العدل والمساواة والتضامن وتساوي الفرص والتشبث بسلوك إنساني معبر عن أقصى مستويات المردودية والخصوصية الحضارية.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني