الكفاية بالحديث عن نموذج الطرفاية

مفهوم الجهاد في الجبال والوهاد ومواصلة تحرير الأوطان بعد عودة السلطان

محمد أكعبور
باحث في الخطاب والإعلام الديني
تــمــهــيــد :
بمناسبة ذكرى استرجاع مدينة طرفاية : يوم 15 أبريل 1958والتي نخلد هذه السنة 2022عامها ال 64 ، وهي مفتتح استرجاع المناطق الصحراوية المغربية التي ما فتئ المغرب يجنح في سياسته لتحرير أراضيه بصحرائه هناك إلى السلم المدني والحوار ، الخاصية التي طبعت سياسة المغرب على الدوام من كونه أرض سلم وأمن .
هذا ، وتعتبر طرفاية قلعة من قلاع الصمود في منطقة الجنوب المغربي ، وما دب إليها يوما الجمود ؛ بل ظلت على الوفاء للعهود كما في مناطق المغرب في الجبال والوهاد خلال الحقب التاريخية المتنوعة للمستعمرين المتعاقبين لأرض المغرب ، ما بين برتغالي وانجليزي مرورا بالفرنسي والإسباني في العصر الحديث ، كما كانت مناطق المغرب ومنها طرفاية ؛ حاضرة بقوة من خلال دورها في الكفاح الوطني السلمي منه في كثير من الأوقات وهو كفاح ملحمي ، اتخذ صورا دينية وتربوية ووطنية وكذا اجتماعية ، كما للجهاد المسلح بتأطير الدولة في شخص السلطان نصيب حينا.
وفي مرات وخلال توالي الكرات ، طلب شيوخ القبائل الصحرواية وعلماؤهم وشيوخ الزوايا الصوفية هناك من السلطان المغربي بنا على روابط كثيرة بالعرش المغربي ومنها رابطة البيعة وخصوصا في العهد العلوي ، إمدادهم بما يلزم من العتاد الحربي فكان السلاطين لا يترددون في الاستجابة للطلب المرفوع من لدن الوفود بناء على رابط الوفاء بالعهود .
و سأتناول الموضوع من زاوية الجهاد العلمي والصوفي والوطني ، وفاء لروح الجماعة والقبيلة هناك بالصحراء التي كانت تربطها بالملوك والسلاطين العلويين الأشراف كما قلنا روابط دينية ووطنية وسياسية ، وسأعرض لمعالمه وبعض أعلامه من النساء من أهل العلم والتربية الصوفية ودور هذا الصلاح العلمي والتربوي في إذكاء روح التحرك الجماعي من أجل تحرير البلاد ونصرة العباد ،كما سأعرج على مفهوم الجهاد الدبلوماسي والنتائج التي أفرز عنها في العهد المحمدي .
إذن أعرض للموضوع من خلال المحاور التالية :
أولا : محطات تاريخية لاستكمال الوحدة الترابية عقب الاستقلال
الجهاد بالمغرب إبان فترة تواجد المستعمر بأرضه مما حل به فلم يرضه في طوله وعرضه كان بمثابة قوة اجتماعية روحها العمل الديني والوطني فسلك المغرب مسلك التدرج في استرجاع أراضيه المغتصبة من لدن المستعمر وتحقيق وحدة الشمال بالجنوب والشرق بالغرب وهو مسلك متطور يسير وفق استراتيجية محكمة يتم الإعلان عن تلكم الخطة الاستشرافية التي يعلنها السلطان عند كل زيارة لمناطق المغرب عقب عودته مباشرة من المنفى ف” قبل أيام من زيارته لمناطق ورزازات وزاكورة، ألقى جلالته، رحمه الله، خطابا بعرباوة يوم 16 فبراير 1958 جاء فيه: “وإن مجيئنا الرمزي إلى هذا المكان ليؤذن بأنه لن يبقى بعده شمال وجنوب إلا في الاصطلاح الجغرافي العادي وسيكون هناك فقط المغرب الموحد”.
• و في الـ 25 من فبراير 1958قام جلالة المغفور له محمد الخامس بزيارة إلى محاميد الغزلان، بوابة الشمال نحو الجنوب مؤكدا على ” العلاقات العريقة والوثيقة التي لطالما وحدت ساكنة الأقاليم الجنوبية بالملوك المغاربة ” في خطابه التاريخي لأهل الصحراء الذين حملوا لجلالته في استقبال كبير خير بشارة بأبلغ إشارة وأوجز عبارة وهو التشبث بالعرش العلوي من خلال التعبيرات السلوكية المضمنة في التقاليد السياسية السلطانية .
“ففي سنة 1958 ، استقبل وجهاء وشيوخ وممثلو القبائل الصحراوية جلالة المغفور له محمد الخامس لتجديد البيعة والولاء ،زيارة ملكية ميمونة كانت تعبيرا واضحا وقويا عن عزم الشعب المغربي بقيادة العرش العلوي المجيد على استكمال استقلاله هذ ما أكده بشكل صريح جلالة المغفور له محمد الخامس في خطابه السامي إلى سكان محاميد الغزلان ومن خلالهم إلى الأمة المغربية والعالم أجمع “وإننا نُحَيِّ نفوسهم الأبية وعزماتهم القوية ونرحب بهم في وطنهم وبين أهليهم وعشيرتهم ونؤكد لهم بدورنا وليبلغ الشاهد منهم الغائب أننا سنواصل العمل بكل ما في وسعنا لاسترجاع صحرائنا وكل ما هو ثابت مملكتنا بحكم التاريخ ورغبات السكان ” وذلكم كله منْبتُه الأرض الوطن – المغرب ومنْبعه الدين .+
• جلالة المغفور له الحسن الثاني ، سيقوم بزيارة لمحاميد الغزلان يوم 11 أبريل 1981 وسيخطب هناك خطاب التجديد والتأكيد الذي سيعقبه التأييد على حيازة كيان الأمة المغربية حيث قال رحمه الله ” إن الذاكرة ترجع بنا إلى الوراء، ترجع بنا إلى سنة 1958 حينما زاركم والدنا المنعم محمد الخامس، وإننا لنذكر تلك الزيارة باعتزاز ……. لأن من هنا انطلق صوته رحمة الله عليه مطالبا باسترجاع الأراضي المغربية حتى تتم الوحدة الوطنية، ونَذْكرها بتأثر لأنها لم تكن صيحة في واد، بل كانت نداء وجد أعظم صدى، وكان درسا في السياسة والصبر والمصابرة ، ها نحن اليوم نجني ثماره”.
ثانيا : الجهاد العلمي والصوفي في منطقة الجنوب المغربي
المقصود به هو تعليم العلم ونشره في الناس ، والعلم هنا هو العلم بضرورات الدين مرتكزا على العلم الديني ذي الخصائص المغربية في وحدة المرجع والأداء ويأتي القرآن الكريم وحديث رسول الله في مُقدَّم ذلكم إلى جانب العلم الشرعي بما تصح به العبادات على المذهب المالكي وفي الجانب التربوي سلوك الإمام الجنيد في التصوف المفضي إلى اتزان الذوات فرادى وجماعات ما خلق وحدة دينية منسجمة في الإلقاء والتلقي عن الأكابر من شيوخ العلم والصلاح الصوفي ببلادنا وبالجنوب المغربي خاصة ،فـــ” الزوايا الصوفية التي هي رمز الجهاد وشعار الكفاح … كان من أوكد واجباتها في ذلك الظرف الحساس توحيد الصف وجمع الكلمة .”
ولقد كان بالجنوب كل الطرق الصوفية التي عرفها المغرب خلال فترة تواجد الشيخ ماء العينين حيث ” انتسب إلى هذه الطرق كلها وعرف بذلك واشتهر به حتى شرع في إعطاء الأوراد فيها جميعا على تعدادها واختلافها .” كان هاجسه توحيد الطوائف الصوفية لوحدة هدفها ووجهتها وهو ملازمة ذكر الله واختلافها ينذر بزوالها وتوغل المستعمر في الفكر المغربي وتمديده حين ذاك سيسهل تهديد للأمة المغربية الملتفة حول الدين الجامع لها المانع لها عن كل الشرور فكان الحكم العدل في الخلافات بين المتخاصمين بتوجيهه المقاصدي للخلاف وقد كان شفيعا للخلق عند السلطان في عصره وتدخل لنصرة المظلوم ومقاطعة الظالم وذلك فيما يعرض له من خلافات قبلية ليحسم في حكمها بالعدل الديني والاجتهاد العلمي والقضائي تخرج من المحظرة /المحضرة الظاعنة والزاوية المتنقلة التي أرسى أسسها ووضع أسها عبد الله بن ياسين ، حيث “يؤرخ الخليل النحوي بداية النشاط المحضري بتأسيس رباط عبد الله بن ياسين حوالي سنة 431هـ/1039م، فقد اعتبر هذا الرباط محضرة وفقت في جعل الفقه بأمور الدين زادا ووقودا وسلاحا للمجاهد إذ قوى الدين بالعلم وقوى العلم بالدين .”
ثالثا : الصلاح العلمي والصوفي بالطرفاية : معالمه وأعلامه
كانت الصحراء المغربية أرض دين وعلم وصلاح وتربية ومن يستقرئ التاريخ يجد نصوصا وشاهد تحدثه عن ارتباط أهل الصحراء بالملوك العلويين الأشراف ارتباط الدين والأرض وصيانة العرض فالبيعة كانت الرابطة الدينية التي تربطم بملوكهم “فالجنوب المغربي كان له دائما دور سياسي وحاسم في بناء الكيان السياسي المغربي كدولة لها حدودها وهويتها منذ الفتح الإسلامي إلى عهد الدولة العلوية، …….حيث تمكن أولئك المجاهدون والشرفاء الصالحون من تأسيس رباطات وزوايا وقبائل واصلت مهمة الجهاد والدفاع عن بيضة الدين وحوزة الوطن. ”
” ومن المؤكد أن منطقة الساقية الحمراء قد أصبحت منذ القرن 10هـ/16م قاعدة للجهاد ورباطا لتوحيد الصفوف ومقاومة الاحتلال، فسيرة سيدي أحمد العروسي وأبناء عمومته بالمناطق الصحراوية حافلة لمواقفهم الثابتة لترسيخ الوحدة الوطنية ونبذ الاختلاف والتشرذم، حيث طغى على عالمهم البعد العلمي واتجهوا نحو تعميق قيمة الجهاد بين أتباعهم ”
وبذلك يمكننا القول إن معالم الجهاد العلمي والصوفي بالجنوب المغربي عموما ومنطقة الطرفاية تحديدا : العلم والصلاح والتصوف والقرآن الكريم وحضور الزاوية العالمة وكذا إسهام المرأة الصحراوية إلى جنب شقيقها الرجل في الإلقاء والتلقي .
صور من الجهاد العلمي للنساء الصحراويات : نماذج من العالمات الصوفيات
” وبما أن مرجعية العلم بالمجال الصحراوي كانت دينية بالأساس ،فقد عرف مجال طرفاية فقيهات حافظات لكتاب الله ،إلى جانب أخريات اشتهرن بالتصوف والصلاح ……”
سنتعقب في هذا العنوان : “مشاركة المرأة الصحراوية في الحياة العلمية بمجال طرفاية ” بإيراد أسماء م+ن مثل :
⎫ ميمونة منت عبد الفتاح : شقيقة العالم محمد سالم ولد عبد الفتاح الذي ترجم له المختار السوسي في المعسول حافظة للفرآن الكريم حبث كانت تدرسه للفتيان والفتيات في أغلب مناطق الساقية الحمراء كما كانت تعلمهم التجويد عرفت بأدبها وجمالها وعفتها ومتانة دينها توفيت بطرفاية ودفنت بها ….وكان النسوة العالمات في المنطقة متنقلات ظاعنات لأن المجتمع حال مرتحل وهو ما يعني أن العلم بالصحراء ظاعن مع أهله حيثما وليت وجوههم فلا ينفكون عنه ويعتبر عملهن هذا مصدر عيش أغلبهن والذي يعرف بالمشارطة .
وما يمكن استخلاصه ….فإن النسوة اللاتي قمن بتحفيظ القرآن الكريم بمجال طرفاية كن ينحدرن في الغالب من قبائل الزوايا /أهل العلم .
⎫ خديجة منت محمدن : كانت فقيهة حافظة للقرآن الكريم …وقد تنقلت لتعليمه في الساقية الحمراء خاصة في مدينة العيون وفي منطقتي تافودارت وطرفاية وما بينهما .
رزقت الفتح في تحفيظها وتفقيهها كانت تسلك طريقة القادرية في تصوفها …..تحكى عنها كرامات كثيرة …توفيت وعمرها حوالي 80 بالطرفاية ودفنت بها لها تلاميذ من الذكور يروون عنها في خواصها التربوية والعلمية .
⎫ أما فاطمة : المجاطية ، ولية صالحة واردة على قبيلة مجاط بمجال الساقية الحمراء ….دخلت على إحدى خيام هذه القبيلة بنواحي طرفاية سرا وقامت صاحبة الخيمة بإكرامها ……فنزل بأهل الخيمة خير كثير .
رابعا : الجهاد الدبلوماسي في العهد في العهد المحمدي : رصد ونتاثج
حقق المغرب في ظل العهد المحمد مكاسب دبلوماسية تاريخية بفضل سياسة جلالة الملك ومن ذلكم محطات كبرى للنجاحات الدبلوماسية المغربية بقياد جلالة الملك محمد السادس نصره الله في جهاده دبلوماسي الذي يقوده .
⎫ اعتماد القنصليات والتمثيليات الدبلوماسية أو السفارات المصغرة بأرض المغرب بالصحراء المغربية.
⎫ الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء وسيادة المملكة على جميع أراضيه.
⎫ موقف مملكة اسبانيا من القضية الأولى وطنيا الصادر مؤخرا
كنت قد كتبت ناشرا مقالا موسوما ب: الدبلوماسية الجديدة وعوامل التغيير الدبلوماسي: تحليل ونقاش في زمن كورونا.
أرجع إلى تقاسمه مع المتابعين كلما جد جديد في الدبلومسية المغربية وإذ أعيد الكرة اليوم فبناسبة الموقف السياسي والسيادي للجارة الإسبانية والعودة الفعلية لتأمين الفعل الدبلوماسي بين المملكتين : المغربية والإسبانية .
إن المغرب شريك دبلوماسي دولي – سياسة اليد الممدودة – والشراكة الدبلوماسية التي تعترف بالوحدة الترابية والسيادة الوطنية للملكة المغربية على أراضيها واحترام قرارتها وترافعاتها بوابة أي دولة لأي شراكة أجنيبة مغربية .
إن الدبلوماسية الاقتصادية والدينية بالمغرب المرتكزة على نوايا الموقف السياسي من القضايا السياسية والسيادية لدول الجوار والدول الشركاء حول القضية الوطنية –والمملكة المغربية نموذج في الباب- هي الجيل الجديد من الفعل الدبلوماسي الذي يستشرف آفاقا مستقبلية واعدة للدول، لأن الاقتصاد سبيل للتنمية المادية والقضاء على الفوارق المجالية والاجتماعية والطبقية واستفادة الشعوب منها عن طريق تطوير قدراتها ومكتسباتها العملية في بناء الأوطان ، أما الدبلوماسية الدينية فتنمية للروح المعنوية والقيمية الأخلاقية للإنسان في حب الأوطان والأديان والتشبع بالقيم الكونية والإنسانية المفضية إلى التسامح والاعتدال والانفتاح والوحدة بدل خطاب العنف والتطرف والكراهية والدماء والقتل والتشهي للأفعال الشيطانية ولعلني صادق في القول تأكيدا على ما سبق أن المستقبل هنا يبدأ : الاقتصاد والدين والسياسة .
وقد شهد الشهود والمحللون والإعلام والمتابعون الجهود المثمرة للمغرب بإفريقيا في العهد المحمدي في استمرار للسياسة المغربية العريقة بالقارة السمراء على جميع الأصعدة ويبرز الدين عاملا قويا لتاريخيته..
وما دمنا نهتم بمجال الجهاد العلمي لتحرير البلاد ونصرة العباد وخصوصا في السياق الذي نحن فيه وهو : تحرير العقل والفكر الديني وتصحيح العقيدة وتدبير المشترك الديني بين المغرب وافريقيا ومن باب الاذكار نذكر الابتكار المولوي في تأسيس وتسمية أمير المؤمنين محمد السادس لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة والتي كانت جذورها منبة في اتحاد علماء العاصمتين الرباط ودكار المعروف باتحاد علماء المغرب والسنيغال الذي كان يقدم أمينه العام برقية ولاء مشفوعة بإخلاص بحضرة أمير المؤمنين مختتم الدروس الحسنية .
مفهوم الجهاد اليوم ، هو “المبادرة “وتقوم بها المؤسسات الوطنية الرسمية والمدنية ومؤسسات المجتمع المدني والأفراد بإشراف لكم المؤسسات أو بتنسيق مع تلك الفاعلة في المجال من :
تعليم وتربية على القيم والمواطنة التعبدية والتربية الاجتماعية والقيم الكفيلة بتحقيق الكفايات الضرورية في الحياة وكذا تصحيح الدين وتعليم أحكامه وهو ما تكفلت به بالأقاليم الجنوبية المجالس العلمية المحلية لتأطير المواطنات والمواطنين دينيا لتحقق لهم الكفاية الدينية والوطنية وتأمين الخطاب الديني وترشيده وفق السياسة الدينية للمغرب التي يقودها أمير المؤمنين محمد السادس نصره الله في ظل الثوابت الوطنية والدينية التي يصدر عنها الخطاب الديني بالمغرب .
حفظ الله المغرب ملكا وشعبا وآدام علينا نعم الأمن ووفقنا للاتفاف حول العرش العلوي المجيد والاصطفاف خلف جلالة الملك محمد السادس نصره الله .


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني