طلعة العيد

بقلم : محمد حسيكي

بعد ان كانت الحياة البشرية تعتمد في معاشها العام على الفضاء من مداره العام، او مداره الموسمي، كانت تقضي الأيام في الكد، وتنتظر رؤية يوم للعيد، يهل استهلاله، وتلوح أفراحه، ويعم يومه على الكبير والصغير، بأجواء تستطيبها النفس ويحلو بها الجمع، وترحب بها الساحة بالحركة بين الكبار والمرح بين الصغار من طلعة النهار بيوم العيد بعد استهلاله من قريب .

ومن ثمة تكون طلعة العيد من استهلال الفضاء به، والطلعة الشمسية من يومه .

العيد :

العيد في الحياة البشرية لدى الامم والمجتمعات والافراد، محطة تواصل وتوادد وتراحم، تجري بها القيم العامة من الحياة التي تحيا عليها الانسانية، في أجواء لائقة من الأفراح والألفة بالتآخي من العيد، وحسن الجمع والمؤانسة من الفرد والجماعة .

والعيد كان دينيا أو اجتماعيا أو فرديا، لا يتعدى الاحتفال به يوما واحدا يعرف بيوم العيد، وفي عصرنا تطور إلى يوم عالمي، من العمال حاملي معول الشغل ومشعل العمل، وكذا إلى أممي من مجموعة الدول صانعة القرار .

وهكذا نرى انطلاقة العيد من رؤية دينية، إلى اصطلاح اجتماعي، ثم إلى تهذيب فردي، وتوافق دولي بالمحيط العالمي، ومنه إلى أممي .

العيد من الوجهة التاريخية :

العيد في المراجع التاريخية، هو بداية التاريخ، الذي يرمز إلى حياة الأمة واستمرارها في شخص مؤسسها من النظام الكوني، أو النظام الاجتماعي، أو مدار الحياة الفردية الخاصة .

والعيد في تقويمه العلمي، ينسب إلى التقويم التاريخي الذي ينهجه المجتمع، تقويما شمسيا، أو قمريا، او عرفا بشريا ساريا على الحياة الخاصة قبل العامة

والأعياد الدينية هي أولى الأعياد في حياة الأمم والشعوب، على اعتبار أن العقيدة سابقة الحكم في حياة الانسان، يحافظ على صيرورتها، وإن أضحى يحكم نفسه بنفسه، ويتخذ لحياته أعيادا، دون الاستغناء عن أخرى .

والعيد هو يوم يجدد فيه الانسان علاقته الانسانية مع ربه بالإيمان، ومع سائر أهله بجميل المعروف والعرفان .

ومن ثمة تأتي الأعياد شمسية أو قمرية، أو ائتلافية، كما تجري تباعا :

الأعياد الدينية :

تخضع الأعياد الدينية إلى التقويم القمري، او ما يوافق التقويم الشمسي، إذ تثبت الرؤية من غياب الشمس، ويثبت العيد من طلعتها

لذلك يجري العيد من أصله بالتوقيت القمري، أخذ أهله بذات التقويم، أو بالتقويم الشمسي، الذي يخضع للتقويم من الحسابات الفلكية .

والفرق بين التقويمين أن التقويم الشمسي خاص بالحياة اليومية من اليابسة، بينما التقويم القمري يفصل بين السنة الشمسية، والسنة الضوئية الخاصة بالفضاءات الكونية، إذ دورته من جهتي الاستواء، أقرب من الدورة الشمسية على جهتي القطب . لذلك نراه من قرب عند مغيب الشمس .

وفي الدين الاسلامي، هو طلعة يوم شمسي من نظام فضائي، تخضع فيه كل الأعياد الدينية إلى التقويم القمري، بما فيها عيد المولد النبوي الذي يجري الاحتفال به من العام الهجري .

وهو عيد يجدد فيه المسلمون العلاقة الحية التي تجمعهم مع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، من الدين، وتوحدهم من العقيدة مع الديانات السماوية، التي يتواصلون بها مع ربهم من يومهم وأعيادهم .

الأعياد الاجتماعية :

هي أعياد ذات نظام اجتماعي من مجريات الحياة الدولية، تخضع للتقويم الشمسي الموحد، تحييها المجتمعات احتفالا بيوم عام يرمز إلى كيانها الاجتماعي واستقلالها الوطني وعضويتها من المجموعة الدولية، تعلى يومه الأعلام الوطنية، وتضيء الليل بالأنوار الكهربائية، كما تقيم الحفلات العامة وتستعرض المنجزات بمفاخر في الحياة، على نغمات وأناشيد المعزوفات .

ومن إحياء حفلات العيد، بالأصداء الوطنية من الساحة الاجتماعية، تتلقى التهاني والمباركة الدولية من مختلف الجهات .

العيد العالمي :

هو العيد الذي يوحد بالأفراح والتطلعات إلى الحياة الكريمة، كل مجتمعات المجموعة الدولية والعمال من جميع بقاع العالم، يجري من الحكومة توجيه خطاب تهنئة للعمال ليلة الاحتفال به، من الفضاءات الرياضية وبالساحات العمومية، حيث تلقى على أسماع الأفواج العمالية الخطب النقابية، التي تستعرض المكاسب العمالية في مجال تحسين ظروف العمل، والوضعية المادية والاجتماعية للعامل، والتي تتقاطع من الجمع بالشعارات العمالية، والتصفيقات الجماعية، ثم تخرج متماسكة الصفوف إلى الشارع العام في مواكب استعراضية، تعلوها أعلام التنظيم النقابي، واللافتات المعبرة عن الحياة العمالية والحاجيات الاجتماعية .

وعيد العمال العالمي الذي ترعاه منظمة العمل الدولية، تحت أرضية النقابات الاجتماعية، هو العيد الذي يوحد عمال العالم من يومهم لا فرق بين غربي وشرقي، ولا فوارق طبقية بين مياوم ومستخدم، أو يميني ويساري، تشارك فيه على السواء، المرأة والرجل على قدم المساواة من المؤسسة المشغلة والقطاع ..

وفي البلدان الديمقراطية، تحظى النقابات العمالية بتمثيل نيابي من المجالس البرلمانية، لطرح قضاياها من الشغل والاستثمار ومجريات الحوار من التماسك الاجتماعي مع المحيط الدولي .

العيد الاممي :

هو عيد كل البلدان المنضوية تحت راية الامم المتحدة، التي تعمل وتجعل من بين أهدافها، تحقيق مبادئ السلام العالمي، ونزع فتيل الحروب بين الدول، وحل الخلافات بالتوافق من الطرق السلمية، أو عن طريق القانون الدولي، الذي ينصف أساسا من غير مجال لاستعمال القوة بين أطراف الخلاف.

ومن ثمة يعتبر العيد الأممي هو عيد مبادئ السلام العالمي، خاصة وأن تأسيس منظمة الأمم المتحدة، حل محل عصبة الأمم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي من تأسيسها سهرت على استقلال العديد من البلدان التي عانت من الحقبة الاستعمارية .

الأعياد الشخصية :

هي أعياد الميلاد التي يحييها أشخاصها، في أجواء من الصداقة التي ينسجها الفرد مع محيطه الاجتماعي، ومن وسطه العائلي، يتربون عليها من قبل أسرهم، يتعلمون منها كيف يفرحون بأنفسهم، وسط إخوتهم وأصدقائهم، مع تقبل الهدايا المعبرة عن التهاني القلبية في أجواء أخوية وحميمية، يزين فيها مكان الحفل بالألوان اللامعة والأضواء الوامضة، كما تضاء فيها الطاولة المستديرة بالشموع المنيرة، على كعكة الميلاد الطرية، وأصوات الموسيقى الراقصة، وأنشودة الميلاد بالحياة السعيدة، فضلا عن التقاط صور الذكريات المجيدة

وقبل اختتام الحفل، يقبل المحتفى بميلاده على إطفاء شمعة الميلاد، والدعوة إلى الشروع في توزيع وتناول قسط من الكعكة وكوب من المبردات العذبة .

ومن طرائف الأعياد الخاصة، بالحيوانات الأليفة، المرافقة للإنسان، أن شخصا أوصى قبل موته، ان لا يحرم كلبه بعد وفاته، من حفل الميلاد الذي تجري العادة على تنظيمه له، من كل سنة يحل فيها الموعد مع الكلاب الصديقة .


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني