حِوَارِيَّة راشِدَة.. بَيْنِي وَ بَيْنَ نِصْفِيَ الآخرُ؟!

بقلم عبد المجيد مومر

كانَ الوَسَخُ مِدادَ القلَمِ، و قد صارَت شَّاشَةُ اللَّمْسِ مَلْسَاءَ بيضاءَ. فأنها لوحة التَّعبيرِ رَقْمِيةٌ، بينما هندسةُ المشاعرِ نَقرَاتُ “أَلَمٍ ” و”مُتْعَةٍ “. كَتلْكم الأَجْسَادُ كَانت رَتْقًا، و الفَتْقُ بُعيْدَهَا مجَسمات إِنْسِيّةٌ. و ذي تأملات نفسٍ بَشريةٍ، أما الجَوابُ قد لاَ يَحْتَمِلُهُ ذكاءٌ إصْطِنَاعِي!. وَيْ: حوارية نشأة أُخْرَى .. فتحيةٌ مِنِّي- إِلَيْكَ نِصْفِيَ الأخَرُ!.

مرحى بكِ مُنْيتي .. مهْما طالَ زمنُ الأخطاءِ، و لاَ بُد مِنْ تَشْغِيلِ مُنَبِّهاتِ النَدَمِ. هكذا يتمثل زمنُ التَّصْحيحِ مَحْسُوبًا كَوَقْتٍ بَدَل ضَائِعٍ. يالها دقائقُ الإِسْتدْراكِ وَ عَلَيْنَا الكَرَّةُ من جديدٍ. و هكذا الإسترسَالُ عند دَوَّامَة زَمَنِيَّةٍ، فَحِينها الفراق وَارِدٌ بين بني الإنْسانِ.

كيفَ و متَى؟!. ويا حبيبتي؛ لاَ مُبَرِّرَ للتَّمْوِيهِ عَبْرَ طَرْحِ الإِسْتِفْهَامِ من خَارِجِ الأسئلةِ!. بِالمُقابِلِ أَقْتَرِحُ عَليْك إِعَادَةَ صِياغَةِ السُّؤال: لماذا الإِسْتِرْسَالُ الزَّمَني دائري؟. كَبِكُلِّ التَبْسِيطِ المُمْكِنِ، أنَّه الشكل الهندسي المُتَاحُ لِتَنَاوُبِ مُفَاعِلاَتِ التّحَوُّر الذاتِي. أو بِالتزَاوج تُدَارُ مَعاني الأخطاءِ، حتى نخرج من دائرة شؤم النَّدمِ. فاضْغَطي علَى زِرِّ التّصحيحِ، كَيْ نتَمَكَّنَ مِنْ إِعَادَةِ ضَبْطِ بَيَانَاتِ البَرْمَجَةِ الطوعية. أو المَرْجُو الإِنْتِظار! .. علّنا ننْطَلِقُ من جديدٍ.

وَ أنْ أكونَ أَحْسنَ منَ النَّاسِ؟، أمْ أنْ أكونَ مُحْسِنًا مَعَ جميع النَّاسِ؟ .. فالأُولَى نكسة مَرَضِيَّةٌ، بينما الثانيةُ إمتحانُ تَزْكِيَّةٍ!. وَ هُنالِكَ الثالِثةُ من لُوغَارِيتْمات السَّلاَمِ : أي إِحْسَانُ الغريبِ بينَ الناسِ، سيرة الزاهد في أَخْذِ مَا عِنْدَهُمْ، وَ مسيرة الصبور على أَذاهمْ. و كأنها معادلة الدَّالَّةِ العَكْسِيَّةِ، التي علينا حلُّها إِنْ أَرَدنا ملامسة التَّعَارُفِ بينَ كُلِّ النَّاسِ. وَ لاَ نتَغَافلْ! إذ ثَمَّةَ شَرٌّ عَمِيقٌ و الفؤاد حَامِلُهُ مَعَكِ!. فَلنُحَاذِر! أنْ نصيبِ بِهِ أَخْيَارَ الناسِ، أَوْ نصِيرُ – عندها – مِنْ أَسْوَءِ الناسِ، فيُصِيبَنَا نَصِيبُنَا مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ..

حتما، و أنَّكِ لنْ تَسْتَرجِعي الماضِي. لاَ داعِي للْمزيدِ منَ أَلمِ الحسْرة! . حتما و أنك لنْ تُسَيْطِري علَى القادم من الزمان. فلا داعِي للمزيدِ منَ أَلَمِ الخوْف.
وَيْ أنَّ لَنا الوَاقِع فَلْنُرَكِّزْ جيّدا!. لِنَنْظُر، هل نحن فاعِلون بِهِ أو فِيهِ؟!. ذلك قبْلَ أنْ يَتَحوَّلَ إلى مَاضِينا ثُمَّ يَحْضُرُ الذِي كنا نُسميه بِالمُسْتَقْبَلِ.

هكذا جالسٌ أنا أُفكّرُ، و أنت تتكلمين، تَتَورَّطين في قرضي. فتَمْرَضينَ، تَشْكِينَ، يُشَاعُ الخَبَرُ حتى تَنْهَارِينَ، وَ لاَ يَتَوَقَّفُ عَدَّادُ الدَّوَّامَةِ. فإنْ رَجَوْتِ رَبَّكِ .. قِوَاكِ تَسْتَجْمِعينَ، و إذْ بِكِ تُمْسِكِينَ خيوط المجادلة الرَّقْمِيَّة. وي: تَشْعُرينَ بِالفضولِ وَ تَنْفَكُّ عُقْدَةُ الأَحْلامِ. إِذْ لاَ مكانَ يَسْتَوْعِبُ أَسْفَارَ مَخْطوطاتِي، وَ لَنْ أَضْرِبَ مُواعدة مُسْبَقَة معَ الحلمات. سَتَسْتَمرُّ أَحلاَم اليَقَظةِ فَوْقَ إِحْدَاثِيَّاتِ المَكانِ وَ الزَّمَانِ !.

أما عني : أنا لَسْتَ مُتَشَائِمًا!. و كأنّما أنت قد إِسْتَنْفَذْتِ رَصِيدَكِ منْ مستشعرات التَّفَاؤُلِ!. بَيْنَمَا أنَا ولهان أُتابعُ مُناوَلاَتِ قَمَرِ الأمَالِ حينما يُنِيرُ سَرادِيبَ الأَحلامِ .. وَ سَيَظَلُّ الإصرارُ علَى التجْديدِ قَائِمًا رغم غَزْوِ المَلَلِ.

وَيحَ الإصْرارِ قريبٌ من شَحْنِ ثِقَتِي بِنَفْسِكِ، لِيَرْتَبطَ الرهان عند خَاتِمَةِ النِّهَاية، بِعَقْدِ بِدايةٍ جَديدَةٍ. و عند الاِدْراكِ العميقِ قد انبَهِرَ حَمَلَةُ المشعل عِندَ الرجوعِ إِلَى مُسَبِّبِ السَّبَبِ.

هكذا إذن .. ذات سُويْعَةٍ من ساعات الأيّامِ، قد تَزولُ المِحنةُ. لَكِنْ، لَا تَنسَيْ أَفْضَالَ المِحْنَةِ عَلَيْنا؛ مِحْنَتُنا أَلَمٌ فذَا أَوِّلُ الوَعْي، و أَوْسَطُهُ عِبْرَةُ و آخِرُهُ النِّعْمَةُ أيا ضَيِّ. و عند نِسْيانِ الأَلَمِ، تَذَكَّري أَنَّ الجُحودَ بِالنِّعمة كعَدَمَ أَخْذِ العِبْرةِ، أنها إرهاصات تِكْرَارٍ غَبِيٍّ لِلمِحْنَةِ الأَلِيمَة.

كأني بها صيِغَةُ تَعْبيرٍ جَميلَةُ التَّبْلِيغِ. فلاَ تَجْزَعي، أي لِكُلٍّ مِنَّا نَصِيبٌ منْ فَيْءِ الأَمَلِ. إِنَّمَا أَنتِ تتَحَدَّيْن خوفَكِ وَ لاَ تُلَبِّينَ دَعوَة اليَأسِ. فَكيْفَ نَتَشَبَّتُ بِالأملِ ، ثُمَّ كَيْفَ؟!. وَيْ إِفْتَحِي قَلْبَك أَوَّلاً، بِالحُبِّ يَمْكُثُ الأَمَلُ. و بَرْمِجي عقلَك ثَانيًّا، نعم بِالذِّكْرِ يَسْتَنِيرُ الأملُ. ثم ثَالِثًا جَدِّدي أَمَلَكِ بِالرَّجَاءِ فيَحْيَا الأَمَلُ. أرجوك، لاَ تَقْصِمِي ظَهْرَ الخيال بِأَحْمَالِ اليأسِ الثَّقِيل. إِنَّ الأملَ إختيارٌ و صمودٌ، بَلْ أنه إيمانٌ قَوِي بانتصار الأملِ. بِمَا أَنَّ القرين مَوْجُودٌ فَأَنْتِ حَامِلَة الأَمَلِ.

و لاَ تَسألينِي عنْ صُدفَةِ الحظِّ .. وَ لاَ تَنْشَغِلي بِمَا لاَ يَعْنِينا!. إنما الإِختيارُ مُقَدَّرٌ وَ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنّا دعاءه المُيَسَّرُ، و تبقى الإسْتِجَابَةُ رَحْمَة مُهْدَاة. نَعَمْ، إِخْتِيارُكِ مُقَدَّرٌ فَاسْأَلي الله فِيهِ اللُّطْفَ. و عَملُكَ مُيَسَّرٌ بِعَزْمِكِ لاَ لِغَيْرِكِ ، فَتَوَكَّلي كمَا أَنْتَ حُرّة. و عساها الإِسْتِجابَة مَشْروطةٌ بالصِّدْقِ عند الدُّعاءِ.

يا رفيقتي .. الخيرُ خيرٌ و الشرُّ شَرٌّ. ثُنَائِيَّة القَدَرُ جِذْعٌ مُشْتَرَكٌ من الخَيرِ و من الشرِّ . و لن أتَمشّى فوق الأَرْضِ إِنْتِقائِيًّا. و لسوف أجْعَل رَأْسَ مَالِي وَ الرِّبْحَ فِي كفة الرِّضَى، كي لاَ أحيا أَنَانِيًّا وَاقِفًا عَلَى حَرْفٍ. ففِرِّي يا مُنيتي منْ قَدَرِكِ، وَ لَنْ تَفِرِّي إلاَّ إِلَيْهِ. وحده المَلْجَأ و المَنْجَى، كما الخَيْرُ بَيْنَ يَدَيْهِ و الشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْهِ. إذ كَمْ مِنْ خَيْرٍ يَزُفُّهُ الشرُّ، وَ كَمْ مِنْ شَرٍّ يَلُفُّهُ الخيرُ!. هكذا البينة من التَّنَاقُضِ المُعْجِزِ عند رَسْم المُتَغَيِّرَاتِ المَجْهولَةِ.

و لَنْ تَسْتَفِيدي منْ سَخَاوَةِ العَرُوض إِلاَّ بِوَضْعِ الأسِّ فوق الأَسَاسِ. وَلْتَكُن أَحْلاَمُكِ رَحيمةً إذَا ما رَجَوْتِ أَنْ تُرْحَمينَ !.

أما الخوف فَمسكوتٌ عنْهُ بِشَهادةٍ غير عَدْلِيَّةٍ بَيْنَ الإِنْسِ وَ الجَان. فلاَ تُعانِدي نَفْسَكِ طَويلاً، تَعَامَلي معَ الخَوْفِ كَمُحفِّز لِتَحْصِيلِ الآمَانِ. كلا ليْسَ كَدافِعٍ لِقَتلِ رَقْمِكِ كَإنسانَة حرة. أعتقد لَوْلاَ إِحْسَاسُ الخوفِ لَمَا تَحَاورَ الإِثْنَانِ!.

و هي النَّفْسُ تَثْأَرُ بِنَفْسِهَا مِنْ نَفْسِهَا، كذي أخبارُ حَوَادِثِ الانْتِقامِ يَرْوِيهَا مُذيعُ الزَّمَنِ الذِّي مَضَى. فلاَ تجْعلي أَكْبَرَ هُمُومِكِ حِقْدٌ عَلَى ذَاكَ الذِي كانَ وَ مَضَى .. خُذي بِعُرْفِ الكَاظِمِات غَيْظَهُنّ!.

كَهَلِ الوَحْدَةُ إِنْفِرادٌ إِخْتِياري بالنَّفْسِ؟، أَمْ أنه ضُعْفُ الإنسانِ قد يُلزِمُهُ لُزُومَ الجَماعَةِ؟. سُؤالٌ يُؤْرِقُ بَالَ إِعْتِكَافِي!.. سَأَعِيشُ الإِغْتِرَابَ دُونَ دَارَةِ إِلِكْتْرُونِيَّةٍ معيبة، وَ لنْ أَسْتَهْلِكَ الإِسْتِغْرابِ المدبلج. كما لنْ يُفْنِينِي إِعْتِزَالُ آياتِ الناسِ، وَ كذلك لنْ يَحْمِينِي مِنْ إِلْحاقِ الضَّرَرِ بِنَفْسِي. إِنَّها آلامَ الوَحْدَةِ تَقُودُ إلى تَمَرُّدٍ داخلِي يُعْلَنُ ضِدّي وَ عَلَيَّ. أم ذي بُؤْرَةُ الإِشْكالِ الصَّعْبِ! أي أَنَّكَ لنْ تَعيشَ الوَحْدَةَ دُونَ نصفك الآخر؟.

و أنا راجعٌ على بدءٍ، أن الوَحْدَةَ جَلْسَةُ تَسْوِيَّةٍ هَادِئَةٍ مَعَ النَّفْسِ. أيْ لاَ تُكَلِّفيني مَا لَنْ تسْتطيعين معَه صَبرًا!. و فكُرَةُ المزاجِ الجميلِ قدْ تتَدَحْرَجُ إلَى جَمْرَةِ أَلَمٍ. فرَجاءً ؛ لاَ تُهَيِّجي ذِكرياتِكِ، إذ مَا أَعْمَقَهَا حُرُوقُ الإِحسَاسِ؟. نعمْ ، كَدُمَلِ النَّدَمِ عِندَ ضياعِ الحبِّ وَسَطَ دَوَّامةِ البحثِ عنِ المُتْعَةِ. آهٍ وَ كمْ مِنْ آهٍ يُمكنُ أنْ تَكْفيكِ ؟!.. ها قد إِنْتَهتْ رِوَايةُ المُتْعَةِ وَ تَمَظْهَرَتْ إِسْتِمْرَاريَّةُ الأَلَمِ. و هكذا صَلَّيْتُ صَلاةَ الحَاضِرِ عَلَى مَنْ يَرْبِطُنِي الحنينُ و الاشتياقُ بِهِم.

كمْ أودُّ مُلاَقَاتِهم منْ جديدٍ ؟! .. طبعا .. أَنَا أعْلَمُ أَنَّهم لَيسُوا هنالِكَ، في ذاكَ الزَّمَكَانِ الذي أَجِدُني فِيهِ أتَذَكَّرُ. فَمِنْهُنَّ مَنْ أنْجَبتْ حياةً جديدةً وِ مِنْهُم منْ لازالَ يَنتَظِرُ. مِنْهُنَّ منْ تاه قَلْبُهَا، وَ مِنْهُم مَنْ لِسَبْقِ المَعْروفِ لاَ يَتَنَكَّرُ. أَنَا اليومَ شَاعِرٌ بِحَدِيثِ المًشاعِرِ أُصَارِحُهُم أمامكِ : ” أَنَا آسِفٌ .. كُنْتُ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ مَعَهُنَّ “.

فإِلى الغائبة/الحاضرة، قَدْ تكونينَ اليَومَ نَاسِيَّةً كمَا كنتُ النَّاسِيَ عند الماضِي. و هَا أنَذَا مِثْلَمَا عَهِدَنِي قَلْبُك، أبوحُ بِالأَحاسِيسِ دُونَ ظروفها الزَّمَكَانِيَّة. و أنه الحُبُّ طاقةٌ غيرُ قابِلَةٍ لِلتَّحَلُّلِ. فقد تَقِلُّ مُهَيِّجَاتِ المُتْعَةِ دونَ أنْ تَنْقَضِي كَرَامَاتُ الحُبِّ.

يا منيتي .. كذاكَ العقلُ بَرْمَجَةٌ عاطفية تَعْشَقُ الحياةَ، و تَفْزَعُ عندَ سَماعِ نُوَّاحِ المَوْتِ. فلاَ يَجُوزُ إِخْتِزال الفَزَعِ في ظُلْمَةِ المكانِ (القَبْرُ). ذلك حتى لاَ تُحْجَبَ عَنِ العَقْلِ إِنْعِكَاسَةُ نُورٍ عِنْدَ الزَاوِيَّة السَّابِعَةِ في أَسْفَلِ القَبْرِ!. آهٍ .. أُنُوفٌ تَكْرَهُ رَائِحَةَ المكانِ، بينما القَبْرَ شَاهِدٌ عَلَى مَوْتِ العقلانية، كتلكَ بُشْرَى المِيلاَدِ مَعلومَة منْ بَعِيدٍ. و إِذَا كانَ أَجَلُ المَوتِ قَرِيبٌ مَجْهولٌ، فَلِمَ -إِذًا- نُحِبُّ المَعْلُومَ رَغْم وُجُودِ شَرِّهِ، وَ نَكْرَهُ المَجْهُولَ دونَ إِحْتِمَالِ خَيْرهِ؟. يا نصفي الآخر: إِنَّهُمَا مَعًا زَوْجُ الحَقيقَةِ.

عبد المجيد مومر
شاعر و كاتب رأي


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني