رحلة الشتات الأخيرة.. قصة قصيرة من أدب الحرب.. دراسة سيكولوجية الشخوص بمناطق القتال

 

بقلم
محمود سلامه الهايشه
كاتب وباحث مصري؛ [email protected]

رحلة الشتات الأخيرة..
قصة قصيرة من أدب الحرب.. دراسة سيكولوجية الشخوص بمناطق القتال

تمر أيام عصيبة على الأوطان، وأصعبها ظروف الحرب، فيعيش الناس داخل مدن وقرى هذا الوطن حياةَ الحرب وويلاتها، وليس كل ما يُنشر عنها من أخبار كل الحقيقة، بل جانب ضئيل جدًّا من المعاناة الحقيقية، فيأتي الكُتَّاب والأدباء لتسجيل مشاهد وفصول من يوميات الأفراد والأسر الذين عايشوا هذا الواقع المؤلم، في صورة قصائد شعرية أو قصص قصيرة أو روايات قصيرة أو طويلة فيما يسمى بأدب الحرب، وقصة الكاتب العراقي “محمود السامرائي” المعنونة بـ “رحلة الشتات الأخيرة” والمنشورة في المجلة العربية، السعودية – العدد (545)- فبراير 2022 م- رجب 1443هـ، تقع تحت هذا النوع من الأدب، فهي ترصد جانبًا من محاولة فِرار أسرة عراقية تعيش في الموصل أثناء احتلال الدواعش فيما يُعرف بالدولة الإسلامية، والهروب إلى خارج الحدود إلى تركيا، قصة واقعية وعميقة ترسم الجوانب النفسية والإنسانية للأب المسئول عن أسرة بها أربعة بنات ماتتْ أمُّهم منذ أشهر قليلة، فكيف للقصة أن تقوم بتخيُّل حدث يفوق كل خيال؟ كيف لها أن تمسك بتلابيب سرد ما يستعصي على السرد؟ لذلك لم يكن أمام القاصِّ إلا اللجوء إلى السيرة الذاتية التي تأخذ شكل الشهادة على الأحداث.

يعود تاريخ أثر الحرب على الأدب إلى عصور ما قبل الميلاد (ق.م)، ونرى بالبحث في أقدم نصوص الأدب العالمي أن الحروب القومية والإقليمية لعبت دورًا مباشرًا في سرد الروايات الأدبية في تلك الفترة، ومن أبرز تلك الروايات الأدبية التي تتحدث عن عدد من الحروب التي وقعت ملحمتا «الإلياذة والأوديسا» للشاعر اليوناني «هوميروس»، وكذلك «معركة طروادة»، ولكن هذه الأمثلة تختلف كثيرًا عن الروايات التاريخية التي ظهرت في عصور ما بعد الحداثة.

ترصد قصة “عصا المكنسة” إحدى قصص المجموعة القصصية “آن له أن يبوح” للكاتبة المصرية الدمياطية “شافية محمود معروف”، أحوالَ المرأة والبنات العراقيات خلال حرب غزو العراق، والقتل والتشويه والتعذيب على يد الجيش الذي جاء رافعًا شعار (جئنا كي نحرركم، نُعلِّمكم أصول الديمقراطية، وننشر ثقافة حقوق الإنسان، لا بدَّ أن نضمن حقوق الأطفال ونُمكِّن المرأة من قيادة المجتمع، سننصرف بعد وضع أسس الديمقراطية واستتباب الأمن…)، فالقصة تحكي قصة نساء تحت النيران.

وينبغي علينا العمل على نشر الأدب المثالي والموضوعي لرفع كابوس الحرب وإزالة القلق من أذهان الشعوب، وهذا ما كتبه “محمود السامرائي” على لسان البطل الراوي: (إنه يعلم ما تخفي القلوب من هلع وجزع، ولعل مئاتٍ من أمثاله يتوافدون ويقفون وقفته الحائرة هذه، إنه يجلس مبتسمًا، تقرقر أرجيلته دون اهتمام، يدرك كيف تمطى الخوف والوساوس في قلبه، وكيف شطحت في رأسه وصورت له الأفاعيل الشنيعة التي سبق أن رآها. سوق النخاسين، فجأة شطحت صورة بناته في ذلك السوق وهن باكياتٌ، ملتحٍ يفتش أعضاءهن وخبايا أجسادهن.)؛ فقد لجأ الروائي العراقي “أحمد سعداوي” إلى رسم شخصية «فرانكشتاين في بغداد» (2014) الذي يظهر في المدينة إثر كمية الدماء التي سالت ليُجسِّد المفهوم التجريدي للرعب. . تظهر شريحة جشعة من البشر أثناء الأزمات والحروب داخل الأوطان تتسلق على اكتاف ضحايا تلك الحروب والأزمات وهؤلاء هم عادة من محدثي النعمة وأصحاب المال المجهول المصدر، وهذا بالضبط ما دار في حديث الأب رب الأسرة والتاجر المهرب بقصة “رحلة الشتات الأخيرة”: (- سأنقذكم من الموت، وأنتم كثُر، خمسة أنفار، ألا يستحقون أن تدفع لهم هذا المبلغ؟! إنَّك لرجلٌ جاحد!… اللعنة على الحروب التي تجعل تجارها وعاظًا.. هتف في أعماقه.).
تقول الحكمة “إذا مات القلب ذهبت الرحمة، وإذا مات العقل ذهبت الحكمة، وإذا مات الضمير ذهب كل شيء، وكان الله في عون الشعب العراقي الذي يعاني الأمرَّيْنِ من هؤلاء الجشعين تجار الحروب والأزمات الذين أُثْروا من دمائه ودموعه وآلامه، (- لو كنت أطلب أجرًا لما عملت هذا العمل، نحن نسترزق على الحروب والضيق. ثم إني سأنقذ روحك، وأرواح بناتك، وهذا المبلغ ليس بكبير في سبيل إخراجك من الجحيم، لا يغُرنك الهدوء العميم الذي يغمر الموصل..)؛ في ظل الحروب والأزمات التي تواجه الشعوب، يبرز على السطح نوع خاص من البشر، فقدوا ضمائرهم أو باعوها بثمن بخس لتحقيق مكاسب مادية خاصة بهم، نظير قيامهم بأعمال وممارسات سياسية أو تِجارية غير أخلاقية وغير شرعية أو إنسانية، تعتمد على استغلال الأحداث والظروف السيئة والصعبة التي تواجه مدينة الموصل والتي تمرُّ في أوقات الحرب والأزمات (- سمعتُ أنَّ الجيش وقوات التحالف قد وضعوا الخطة الأخيرة والاستعدادات النهائية لمعركة تحرير الموصل بقيادة عبدالوهاب الساعدي، ولا يغُرنك بطولات هؤلاء علينا، فهي خاوية، أبي لا يقدر إلا على أمي، وما أن يأتي الجيش حتى يغدوا كالفئران، ولكنهم سيشعلون الموصل أوارًا على أوار، وسيهدمون البيوتات فوق ساكنيها، أنت رجل كهل ومضى من عمرك الكثير، فإذا متَّ لم يتحسر أحد عليك، ولكن بناتك ما ذنبهن؟.. ثم عاد متكئًا وهو يدخن نرجيلته..) . وفي ظل الأحداث والظروف السيئة التي يشهدها وطن جريح نجد ونلمس تأثير تلك الفئات عديمة الضمير من تُجَّار الحروب وصُنَّاع الأزمات؛ ولا شك أن هؤلاء التجار يسهمون بشكل مباشر أو غير مباشر في إزهاق العديد من الأنفس البريئة، وإراقة الدماء العراقية؛ بأفعالهم وتصرفاتهم البعيدة كل البعد عن قيمنا وتعاليم ديننا الإسلامي، والبعيدة أيضًا عن كل المعايير والقيم والأعراف الأخلاقية والإنسانية، وخير دليل على هذا الكلام الحِوار الذي دار بين هذا الأب الكهل بطل قصتنا وهذا التاجر المهرب:
• لكنني رجلٌ معدم، وهذا حالي الذي تراه، أين لأمثالي هذا المبلغ ونحن لا نكاد نقيم أودنا!

فقال بلا مبالاة:
• استسلم للموت إذن!

• ببساطة!

• هذه تجارة، بيع وشراء، اذهب، استدن، (ثم بصوت خفيض) الناس تطمر مالًا جسيمًا، سلني، أعرف أناسًا مدقعين، لم أتخيل أنهم يملكون دينارًا، وإذا بهم يطمرون آلاف الدولارات.

تترجم هذه القصة واقعًا بشعًا، ألا وهو الحرب، وكل جزء من أجزاء القصة يدور حول أحداث ومخاوف وضغوط نفسية، يتعرض لها هذا الأب الكهل وخوفه الشديد على بناته بأن يباعوا في سوق النخاسة على أيدي مقاتلي داعش، ومحاولاته العديدة في التفاوض مع المهرب، وتهريبهم الخمسة من الحرب وويلاتها، والخروج من مكان الحرب إلى مكان آخر آمن؛ من أجل التغلب على هذه المخاوف والحياة بصورة أفضل (كرَّ عائدًا وقد تمطى الخوف والتوجس في جنبه، فأفسد فرحته العابرة عندما أخبروه أن هذا المهرب سيستطيع تهريبهم إلى تركيا، ومن هناك سيعيشون حتمًا عيشة آمنة، وإن لم تكن يسيرة رخية، ولكنها بعيدة عن الفزع والأيام المليئة بالممنوعات، وجد نفسه يتخطى عتبات البيت مهمومًا مكدودًا، دخل إلى غرفته وأشرع خزينته فلم يعثر إلا على ألفين وخمسمئة دولار وهي آخر ما تبقى لهم، راتبه التقاعدي لم يستلمه منذ دخول داعش المدينة، ما العمل؟ لم يبقَ إلَّا ذهب المرحومة التي أهداها يوم زواجه منها، أيبيعها عند أوَّل ضائقة دون أن ترتديها إحدى بناته؟ وهي على أي حال لا تسوى أكثر من ألفي دولار. فكر أن يفاوض المهرب بأن يعطيه ما تحت حوزته ثم يدفع له الباقي عندما يصل إلى تركيا ويستلم راتبه المتراكم، ولكنه لا يثق به ولن يقبل.). كان الله في عون بنات هذا الرجل، فكما هو واضح بأنه تقاعد منذ سنوات؛ مما يعني أنه تخطَّى سن الستين، وقد ماتت عنه زوجته منذ شهور، وهذا يعني أنه وزوجته وواحدة أو أكثر من بناته قد تعرضوا لعدة حروب سابقة مرت بها العراق، كالغزو الأمريكي للعراق وسقوط نظام صدام حسين (لحظة غزو العراق واجتياح بغداد، تحديدًا في 9 نيسان- إبريل 2003)، والحرب العراقية الإيرانية، ولصوت صفارات الإنذار وللخوف؛ ولذا فقد عاشوا فترات طويلة (الطفولة، الصبي، والشباب) تحت تأثير الحروب المتكررة والمتتالية.

تقول الحكمة “الشعور بنكران الجميل ممن تحسن إليه سم تذوي عليه فضائل الروح”، وهذا ما حدث بالفعل من قبل أبي محمود أخيه الأصغر، عندما نصحته ابنته الكبرى بالذهاب إليه وطلب العون منه (- ولماذا لا تذهب إلى عمنا أبي محمود، لك أفضال كثيرة عليه، ألم تقل إنك دفعت له حق ذهب زوجته يوم كان فقيرًا ويريد الزواج؟ حتمًا لم ينسَ هذا الجميل لك، اطلب منه وهو ما شاء الله أمواله في فوران وزيادة.)؛ وبحكم أنه الأكبر سنًّا والأكثر خبرة بالناس ردَّ على ابنته قائلًا: (- يا بنيتي، ذلك عهدٌ ولَّى، والناس تنسى المعروف كأن لم يكن.). ولكنه في النهاية خضع لاقتراح ابنته رغم أنه مُتيقن من رده، فإنكار الجميل هو أن يكسر الأعمى عصاه بعد أن يبصر (كان الرجل يعرف أخاه، مشى إليه متئدًا متوجسًا، أفضى بشيء يشبه الرجاء، زعق أخوه بوجهه، وقال مستنكرًا:
• أتهربون من أرض الإسلام بعد أن منَّ الله عليكم بها وبنعيمها الذي لا ينقطع؟ إنك لأوَّاه شكَّاء، تسمع كلام طفلات لم يختبرن شيئًا من الحياة.). كأن السرد يتساءل عن الوحش الكامن داخل المدينة، ثم انطلق فجأة ليقضي على الأخضر واليابس، فيهدم كل المعرفة المسبقة عن المدينة، ويبني مكانها قصصًا لا تتوقف عن الموت والتعذيب والاعتقال والخوف والتهديد والتجسس والفضح (- الحرب لن تصل لك، لنا رجال عُتاة، وسيردون الأوغاد كما طردناهم أوَّل مرة.).

فنكران الجميل، أشد وقعًا من السيف (انقلب إلى أهله وقد ازداد شحوبًا، ها هو يرى المصائر الضبابية تزحف نحوه غاضبة، يرى نفسه بلا حيلة، لا رحلة تلوح، لا كوة تشق الجدران الموصدة.)، فقد غزا الرجل الإحباط والشعور بالهزيمة.

وهنا جاء دور الابنة الكبرى المحبة لأبيها وأخوتها للتضحية بنفسها من أجلهم، بأن تقبل بالزواج من “قصي” ذلك الشاب الثري جدًّا ويحبها حبًّا جمًّا (- أجل، ما به قصي، ثري وله مال ويحبنا، ومستعد أن ينفق ملايين في سبيلي.)، ولكن قد رفضه أبوها من قبل عدة مرات؛ لأنه يراه غير مسئول وغير جدير بها (- يا أبتِ، علينا أن نضحي، حتى نعيش، ولن نرحل من هنا دونما تضحية حقيقية، أرجوك.)، ولكن “قصي” يرفض الزواج والارتباط بأخرى في انتظار أن يُغيِّر أبوها رأيه (-بل عناد؛ لأنك تكرهه، طردته مرة، ولكنه لم ييأس، ما زال يطلب وصلي، وعمته زارتني قبل شهرين تعزيني بوفاة أمي، وأسرَّتْ لي أنَّه عازف عن الزواج إلا مني..)؛ إنه كابوس أشد وطأة بسبب ركوده وقتله للروح وهدمه للنفس أمام ذات تشاهد وتشهد على احتضارها، أو بالأحرى اختناقها (دخل حجرته والهم يأكله، كيف له أن يرتد عن كلمته وصرامته بمنع ذاك العاطل عن الخلق الكريم من الاقتران بابنته؟ كيف له أن يقطع دابر كلمة اتخذتها المرحومة؟ سيقف غدًا مذلولًا، يشحذ بعد أن كان صارمًا لا يقبل وده، تُرى لمَ تختار الأيام أن تمرغ أنفه في التراب؟ وهو يسعى للهرب، كيف سيعيش إن نجح في الهرب من هذه الذلة؟ ما أقبح العيش بلا كرامة! ما أقبح العيش حين يتحكم به الأوغاد!).

عاش الأب حياة طويلة يسعى فيها لتربية بناته بشكل جيد، ثم سعى سعيه للهروب بهم خارج حدود الوطن؛ للحفاظ على حياتهم من القتل، أو أسرهم وبيعهم في سوق النخاسة كسبايا؛ فكانت نهايته موت القهر الذى تختنق فيه الـ «آه» بين الضلوع وفي الحنجرة، فلا يستطيع الموجوع الصراخ بها، فتتحول الـ «آه» من وسيلة للتفريج عن الكرب إلى أداة تقتل المكروب (تأخر في حجرته، لم يخرج حتى العاشرة، دقت ابنته باب غرفته، ليس من طبعه المكوث حتى العاشرة، دفعت الباب ببطء، رأته هامدًا، حركته، لا حراك به، صرخت لاطمة. وبينما اجتمعن حوله سُمِعَت أصوات القنابل والرصاص والقصف، إيذانًا ببدء معركة التحرير.)؛ فالعراق الذي تفتت إثر الغزو الأمريكي ثم الصراعات الطائفية كان وطنًا مزدهرًا فيما سبق!!


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني