في ذكرى استرجاع سيدي إفني

سلام من قبيلة إيميتك إلى قبائل آيت باعمران..

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وبعد”:
يشرفني أصالة عن نفسي ونيابة عن قبيلة إيميتك، إحدى قلاع المقاومة والكفاح ضمن جيش التحرير في منطقة طاطا، وكما هو الحال أيضا بالنيابة عن عائلة آيت أباه. يشرفني أن أساهم بهاته الكلمة وفاءً لذكرى استرجاع مدينة سيدي إفني سنة 1969.

إنه لمن دواعي الفخر والإعتزاز أن تستمر روابط المحبة والمودة قائمة بيننا، بفضل صيانة الذاكرة المشتركة وتأصيل روح الوطنية وقيم المواطنة، في وعينا، وفي نفوسنا، كمغاربة بشكل عام، وكأبناء أسرة المقاومة وجيش التحرير بشكل خاص. ففي كل مناسبة مثل مناسبة اليوم، يجري الحديث عن الذكريات الوطنية كفُرصٍ مواتية للقيام بفسحات بين أمجاد الماضي واستحضار روائعه، بِرّاً بأبطال تلك اللحظات التاريخية، وإكراما لهم، وحفاظا على رسالتهم، وإخلاصا لفحواها، باقيةً متجددةً، تتناقلها وتتوارثها الأجيال المتعاقبة بكل أمانة ووَفاء.

وإذ نقف اليوم عند هاته المحطة التاريخية الكبرى، ونحن في أوج الروح الوحدوية والتوحد بين العرش والشعب كالبنيان المرصوص. فلِأنّ لِقبائل آيت باعمران صفحة رائعة ضمن أروع الصفحات في مواجهة الوجود الإستعماري. قبيلةٌ انخرطت في جميع المعارك بصلابة وصمود تحت قيادة العرش العلوي المجيد. فقد كانت منطقة سيدي إفني هدفا استراتيجيا تطمحُ قوات الإحتلال إلى السيطرة عليه، طمعا في الإستحواد على المميزات التي يتسم بها موقعها الجغرافي، كمنفذ بحري وممر بَري يُسهل من مأمورية الإنزال العسكري، إلى درجة إعلان واجهة سيدي إفني من قِبَل القوات الغاشية آنذاك عاصمةً لحكومة “إفريقيا الشمالية الإسبانية”. الشيء الذي ألهبَ انتفاضة قبائل آيت باعمران، بِأَن قلبت السحر على الساحر، عندما حوّلت قوات المستعمر بآلياته المتحركة من جيش كاسح إلى مجرد عصابة محاصرة بين تحالف أهل المنطقة وشِعابها.

كثيرة هي تفاصيل الجهاد الذي خاضته قبائل آيت باعمران بقيادة العرش العلوي المجيد، تجسدت في مواقف الشجاعة والنضال بحيثياتها المشوّقة والمثيرة. تحققَت معها هزيمة المحتل الغاصب على مدى استمرار ملحمة التحرير، في ظل تماسك جميع جهات المملكة الشريفة، من خلال خلايا المقاومة وأسراب جيش التحرير، المُلتَفّة حول رائد الكفاح الوطني ووريث سره موَحّد الأمة، المشمول بعفو الله جلالة الملك محمد الخامس والمغفور له جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله مثواهما.

فبالرغم من الإنزال العسكري الذي توَهّم به الإحتلال تنفيد السيطرة المطلقة على المدينة منذ سنة 1934، ثم بالتالي، التوسع على امتداداتها الشاسعة بعد أن جعلها مقرا للحاكم العام، لم تخبو شعلة الجهاد. بل ظلت مُتّقِدَةً تنير هدى المجاهدين المؤمنين بقدسية الدفاع عن عزة الوطن وكرامته، إلى أن تحققت الإنتفاضة الكبرى سنة 1957، مكبّدة قوات المستعمر أفدح الخسائر وأنكر الهزائم. وهكذا ظلت واجهة الكفاح منفتحة على وفود أبناء المنطقة، كساحة للتعبير عن إلتِحامها بالعرش العلوي المجيد، تَعزّز هذا المشوار البطولي بمحطات تاريخية، منها إعلان إستمرار ملحمة التحرير ضمن الخطاب الملكي السامي بمحاميد الغزلان في 25 فبراير 1958، وهي السنة التي استعاد فيها المغرب منطقة طرفاية إلى حظيرة الوطن.

بالموازاة مع اتساع نطاق وحركة المقاومة على الميدان، خاض المغرب حملة ديبلوماسية متواصلة بقيادة حكيم عهده جلالة المغفور له الحسن الثاني، الذي تمكن بفضل حنكته وعبقريته من أن يرقَى بمطلب المغرب في استرجاع أراضيه المحتلة إلى مستوى القضية التي تحظى بالصدارة في المحافل الدولية. فكان بذلك سدّاً منيعا في وجه كل المناورات، تكللت مجهوداته الجبارة بإسترجاع مدينة سيدي إفني في 30 يونيو من عام 1969.

إننا اليوم، ونحن نستحضر هاته اللحظات التاريخية الزاخرة بالأمجاد والبطولات، فذلك سعياً منا إلى التعريف بروائع هاته الوقائع والملاحم البطولية والأمجاد الوطنية، كَلَبنات تؤسس لورشٍ وطني شامخ في الذاكرة والوجدان، بجذوره المنغرسة في أعماق الماضي، وفروعه المستشرفة للمستقبل، كما جاء في النطق السامي لجلالة الملك محمد السادس نصره الله: “إن من حافظ خلال مدة يسيرة على ذاكرة الماضي، آخِذاً من دروسها عبراً، ومن معانيها نبراساً، لا بد أن يكون قادراً على صنع ذاكرة المستقبل”.

لقد كان لحركة المقاومة المغربية إرتباط خاص بالمقاومين الباعمرانيين وبمنطقة سيدي إفني وبكافة الأقاليم الجنوبية، الشيء الذي خوّل لهاته المنطقة أن تكون من أهمّ المصادر التي تُزوّد جيش التحرير في الشمال بالسلاح وبالذخيرة الحربية وبالرجال، ما أهّلَها لأن تتحوّل فيما بعد إلى مركز قيادي بالغ الأهمية، يستقبل المجاهدين واللاجئين.

عدالةُ قضيّتهم الوطنية قَوّت الإيمان بها في نفوس الباعمرانيين، وأجّجَت فيهم الرغبة في التحرر من الإستعباد والإستغلال، فدَخلَت القبائل في معارك طاحنة ضد الإستعمار الغاشم. لَقّنته خلالها دروسا بليغة في الإستبسال والصمود والحنكة العسكرية، على الرغم من قلة العدد ومحدودية العتاد. قامت على إثرها العديد من المعارك، نذكر منها على سبيل المثال: “تبلكوكت، بيزري، بورصاص، تيغزة، أمللو، بيجارفن، سيدي محمد بن داوود، ألالن تموشا ومعركة سيدي إيفني..”.

إنه مسار الكفاح الوطني الذي خاضه الشعب المغربي بقيادة العرش العلوي المجيد من أجل عزة الوطن واستكمال وحدته الترابية. ولأننا نؤمن بأهمية المرحلة في التاريخ وللأجيال القادمة، لا يسعنا إلا نفخر ونعتز بمشاركة أبناء طاطا في معارك هاته الوحدة. وفضلا على أنهم خاضوها بكل تفانٍ جنبا إلى جنب مع إخوانهم في ربوع المملكة الشريفة، فقد جعلوا من منطقتهم أساسا لوضع اللبنات الأولى في عملية تأسيس جيش التحرير.

ويكفي هذا الجيش العتيد فخرا بالخطاب السامي الذي وَجّهَه المغفور له الحسن الثاني قدس الله روحه إلى ممثلي جيش التحرير عند استقباله لهم بمدينة مراكش في يناير 1983، حيث قال تغمده الله بواسع رحمته: “.. قليل من يعرف ما قام به جيش التحرير في جنوب المغرب، وإن كان أحد يعرف ما قام به جيش التحرير منذ 1958 وقبل سنة 1958، فهو خادم هذه البلاد. وأعتقد في آنٍ واحد أنكم لم تُنصَفوا كما يجب أن تُنصَفوا، ولكن المغرب ليس ببلد عاق، المغرب بلد من جملة خصاله أنه ربّى أولاده كي يكونوا بارّين بمن خدموه، ومن ضحوا في سبيله، وقد عرفتكم منذ كنت وليا للعهد، وعملت معكم مباشرة، وعملتم تحت إمرَتي منذ سنة 1957، والحمد لله أن يفتخر المغرب بأبنائه سواء في شماله أو في جنوبه..”.

الطيب آيت أباه
إبن المرحوم محمد بن احمد آيت أباه من قبيلة إيميتك عمالة طاطا الحامل لبطاقة مقاوم رقم 527423


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني