أعراف وطرائف

بقلم : محمد حسيكي

الحياة العامة منها ما ينسب إلى الشرع، ومنها ما ينسب إلى الوضع، وأيضا منها ما ينسب إلى الأعراف الاجتماعية التي تعيش عليها البشرية، من قديم يغيب نحو الاندثار، وجديد من الحاضر مستأثر، مثل ظاهرة الوشم التي عرفت قديما، وعادت إلى الظهور الخافت من الشكل الحديث، وهو من ذلك منه العائلي القديم، ومنه الفئوي الحديث .

ومن هذا الموضوع، نتطرق في هذا الباب إلى الوشم، من وجهة أعراف الحياة الجارية، من أهالي عصور ماضية إلى مستجدات أجيال الحياة المتحولة .

الوشم :

من أول عهده بالظهور، هو زينة تجميلية لمعالم وجه المرأة، بين الحاجبين، والذفن تحت الشفتين، والأيدي من المعصمين، والأرجل من الكعبين، افتتن بزينته الفتية من بيوت أهلهن عهد تخطيهن سن الطفولة إلى سن البلوغ، قبل وصولهن لاستعمال مساحيق بيت الحياة الزوجية .

ومن الوجهة التاريخية، أخذ المغاربة الوشم عن أهل الشام، الذي ينحدر منه الاسم، وشام الشام، على يد العرب الأزديين اليزيديين أتباع اليزيد بن معاوية بن أبي سفيان، من عهد صالح بن طريف بن زيان، والمسمون أمازيغ، منهم الأمويون ومنهم الأدارسة العلويون .

والوشم شكل تزيين نمقي من النقش الفني، يتم جراحيا بالإبر وخزا على الجلد بمواطن معينة من الجسم، وتضميد الجرح بالسواد من زينة الكحل، أو من الحمم المترسب من موقد الطهي، اللصيق بإناء مطرح الخبز من الكن، أو من حمم قدر المرق، يضفي حمم الوشم على الجسم لونا مخضبا من أشكال الزينة الوضاءة، التي تهم الأطراف من مقدمة الرأس إلى معصم اليدين، وكعب الرجلين .

أنواع الوشم :

لجأ الانسان إلى الوشم من الحياة في الطبيعية، وهو من المظهر العام ثلاثة أنواع، منه ما يهم جانب الأنوثة وهي المبتدئة، وينصب على ثلاثة أطراف من الجسم، ومنه ما يهم الرجل، وينصب على قمة الأنف، ومنه ما يهم ابن الحرة من منبت شعر ذقن الوجه تحت الأذنين.

وشم الأنثى :

هو زينة الفتاة لإبداء وسامة وجهها من فترة البلوغ، وقبل سن الزواج، تختص به نسوة يحملن اسم وشامة، جرى العمل به لدى الأسر المجتمعية، قبل ظهور المساحيق الصناعية .

ويعرف الوشم من أشكال الزينة اللصيقة بالجسم، يبدي محاسن الجمال عند الأنثى، ويتخذ من بين الحاجبين شكل معين ذي رسم هندسي .

بينما يتخذ من معصمي اليدين شكل أساور فنية، قبل الوصول إلى مرحلة التحلي بالحلى النسوية، كما تتخذ من محل الكعبين شكل عقال الرجلين ذي دلالة خاصة على مرابطة المرأة خباءها من بيتها .

وشم الرجل :

عرف هذا النوع بشكل خاص عند عرب عيون الأزد من الأطلس لدى الأمازيغ من عمرو بن عاصم، أتباع صالح بن طريف بن زيان، ويستعمل على ظهر الأنف، دلالة على أنفة الرجل وشيم أخلاقه الموروثة آنفا عن آنف .

وهناك المرأة الحرة ربة البيت الخالية الوشم من اللون، التي تسم وليدها، من حنكة الرضاع على لحى الوجه بمشرط المهر من الفضة، من وقت الولادة دلالة على أنه ابن السيدة الحرة، كما ولدته أمه حرا من النسب، شريف الحسب ذو مكانة من الرجولة .

طرائف الوشم الاجتماعية :

يتخذ الوشم المغربي، شكل الوشام السائد من الساحة الترابية بالعالم العربي، إذ الشكل المعين بين الحاجبين يتخذ رسم هرم هلالي، ومن المعصمين يتخذ شكل الأساور التي أتى بها عرب الأحمدي عبر الساورة، ومن شكل العقال على الكعبين إلى عرب عقيل .

بينما ذوو وشم الأنف من الشيم والأنفة، غير بعيدين عن أهل مناطق الربع الخليجية، وإن تلتقي أصولهم من العرب الابراهيمية بالبلاد الشامية .

ويعرف من تاريخ الأسر الاجتماعية المغربية، أن شراكة الحياة الزوجية كانت تقوم على التعدد، ومن ثمة جاءت النسوة بأشكال للوشم تخص جهتهن متعدد ومركب على الجسم من هرم هلالي قائم على الحاجبين، إلى أساور المعصمين، وعقال الكعبين، ناهيك عن الوشم الذي يخص حياة الأنفة وعزة النفس من وسط الأسرة .

الوشم الحديث :

غزا هذا النوع من الوشم، حياة أصناف محدودة من شبيبة فئوية، من الأجيال التي تنجذب ميولتها الفنية، نحو السينما والموسيقى والرياضة، لغاية التميز عن العموم، وهو وشم يسري على الجسم كالمادة الشمعية ظاهريا، يتم وشمه بآلات خاصة ورسومات من أشكال، في صورة الزواحف المزخرفة الألوان، تكسو البطانة الجلدية للجسم بطابع تشكيلي كجلد الثعبان، وكأن الشخصية تتقمص جلدا غير جلدها، كخلوة هينة مع ابن عمها، من ارتداء جلود الهنود الحمر، من عهدها مع رعاة الرحلة والزيارة، إلى مواطن الساكنة الامريكية .

ومن أشكال هاته الوشمات، اللصيقة والغير السهلة الزوال عن الجسم، وكذا منها المركبة لأجل، من حين إلى حين .

وتبقى ظاهرة الوشم كظاهرة تجميلية لدى المرأة، وشيمة أنفة وتحرر لدى الرجل، التي ظهرت بالمجال البشري من الحياة على الطبيعية، يدوية بالنقش على الجلد، ومحبذة عند أسرة مجتمعات العصر الزراعي .

بينما ظهرت الظاهرة، وبتقنيات آلية تكسو الجسم وتغطي الجلد، عند مجتمعات العصر الصناعي، في أوساط شبيبة الأضواء والمتميزة، من هواة الفن والموسيقى والرياضة .

غير أن زخرف الوشم الآلي، البعيد عن الوشم الطبيعي، ليس بغرض إضفاء الجمالية على الجسم، بقدر ما هو نوع من صورية الإثارة والشهرة والتميز ولفت انتباه المتتبعين من العموم .

 

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني