المدار المناخي للزراعة البرية بالمغرب

 

بقلم : محمد حسيكي

المناخ هو الفضاء العام الذي يحيط بالأرض، من السطح البحري الأدنى، الذي يشكل الغلاف الفضائي من الأجواء العليا، يمد الارض بالهواء اليومي، والأمطار الموسمية، مصدر الحياة على سطح الارض من البرية، والساحل بالمياه البحرية .

والمناخ الذي يسري على الارض، ذو مدارين، شمسي من مدار سنوي، بين مدار السرطان ومدار الجدي، فضائي من مدار اليابسة والمتجمدة دورة قمرية .

ومن ثمة تأخذ الحياة البشرية بالمغرب مسارها الطبيعي، من تطور النشاط البشري، الذي يرتبط بنظامه الغذائي، والذي انطلق نباتيا من العيش بالمناطق الخصبة، مع الحيوانات العاشبة التي تتنقل بين مصادر العشب ومجاري المياه .

ومن ثمة نسج علاقات أليفة وبدأ الحياة من التحول مع القطيع، إلى التعايش والتنقل مع الحيوان، حيث انطلقت علاقته مع الاحياء من عصر الرعي، وتطور غذاؤه من النباتي إلى اللبون ثم اللاحم .

وحين تحول الرعي، من جنبات الأودية والسهول المهددة بالفيضانات، إلى الأحراش والهضاب من مواسم الأمطار، بدأت الزراعة البرية الموسمية تظهر بالمناطق الرطبة، التي تستعصي على الرعي من فترة فصول الأمطار السنوية .

كان ساكنة عصر الرعي وقتها، يتخذون من شعر وأصواف الحيوانات ووبرها، خياما للسكن المتنقل مع القطيع، وملابس يلتحفون بها من حرارة الشمس، وضربات الرياح، وهطول الأمطار وتساقط الثلوج .

وعصر الزراعة وشبه الاستقرار الموسمي، أقام الانسان الأكواخ الزراعية، من فروع الأشجار والقصب والقش النباتي، كما اتخذ من الأخشاب، مراكب خشبية على مصبات الأنهار من عرض البحر، الذي أصبح يتغذى منه بالمنتوجات البحرية، كما نسج منه علاقات بشرية ومبادلات مع المحيط الخارجي عن المناطق البرية، بادل معه الحيوان بالحبوب الزراعية، ومبادلة المياه العذبة البرية مع المراكب البحرية بمواد أخرى، وكذا مبادلة المنتوجات اليدوية والمواد البرية، من الذهنيات والفخاريات بمواد جديدة وغير متوفرة لدى الجماعات البشرية، المحدودة الحركة من المياه البحرية .

العصر الزراعي :

يستمد العصر الزراعي بالمغرب نشأته مما تنتجه الطبيعة الموسمية، والبيئة المحلية، وهي تختلف باختلاف مناطق البرية من البلد، إذ بالمناطق الساحلية تنتشر الزراعة الموسمية الخريفية، وبالمناطق الجبلية تنتشر الزراعة الربيعية، وبالواحات تنتشر الزراعة المسقية من مجاري الأودية الموسمية بالمنحدرات الجبلية والهضاب الموسمية .

ومن هاته الطبيعة المتنوعة، تنتشر بالمغرب الزراعة البرية والمسقية من مجاري الأودية بالسهل، ومن بين الجبل والفيض نحو الواحة .

الزراعة بالسهل :

هي زراعة تنحدر من المبادلات الساحلية، اشتهر منها القمح الصلب والقمح اللين، المسمى عرفا الرومي، والذي يعود إلى عهد المبادلات مع الروم .

فضلا عن الفول الرومي، من عهد البرتغال الذي حل محل فول السودان الافريقي، المسمى فول قناوة، الذي تراجع من مناطق بني هلال إلى مناطقه بالواحات، وأيضا الذرى البرية، التي تعد من الزراعة الربيعية .

الزراعة الجبلية :

تشتهر المناطق الجبلية بالزراعة الربيعية، لعوامل مناخية ناتجة عن التساقطات الثلجية، وهي زراعة تركزت بالسهل من سافلة الجبل، بينما الجبل تحول إلى مناطق رعوية، غير أن المناطق الجبلية اهتمت بالغراسة من أشجار الفواكه، أكثر من الزراعة، خاصة الزراعة الزيتية، منها البرية المستخرجة من شجرة الأرجان الأرجوانية بالجنوب، وشجرة الزيتون البري الجبلي، الذي تم تلقيحه مع الزيتون شمال البحر المتوسط، الذي أعطى زيتون بري محلي، ذي خصائص بيئية، تعتمد على التربة والمناخ، والذي ينتشر بالشمال من الجهة المتوسطية، فضلا عن أشجار اللوز والجوز من الأطلس الكبير .

مناطق الهضاب :

أغلب الهضاب حافظت على الطبيعة الرعوية للساكنة، والهضاب منها الرطبة والشبه غابوية، من غناها بالنباتات الرعوية الدائمة الخضرة، التي تنمو بجنباتها حشائش الربيع والأعشاب الموسمية .

ومنها أيضا من المناطق الرعوية هضاب الأحراش، الممتدة من منطقة أسفي إلى منطقة الأطلس المتوسط، وهي من المناطق الشبه الجافة .

وعهد التحول من العصر الرعوي إلى العصر الزراعي، انتشرت منها زراعة الشعير العربي، الذي يتحمل المناخ القاري، وهو نوع من الحبوب المغذية، والتي يتغذى منه الانسان والحيوان، وخاصة الجواد العربي، والشعير يتحمل الخزن الباطني من جوف الأرض لأكثر من سنة، تعرف خزائنه بالمرس الفلاحي .

الزراعة بالواحات :

هي زراعة تعتمد على الفيض من الأمطار الخريفية، وعلى السقي من فصل الربيع حين ذوبان الثلوج وانحدار السيول المائية نحو الواحات، التي تشتهر بزراعة النخيل، والحبوب من الشعير، والذرى، وفول قناوة، ونبات الحناء، وهي زراعات عربية إفريقية مصدرها العربي والافريقي من جهات دجلة والفرات من بلاد الشام، والنيل من مصر والسودان الافريقي .

وهكذا نرى أن عصر الزراعة بالمغرب يرتبط بالتاريخ الاسلامي الذي شرع له قوانين وأحكام من الزكاة الشرعية، على المال والحيوان، والأعشار الجارية على الانتاج من الحبوب الزراعية، فضلا عن الحقوق الواجبة عن الغلال من الأغراس المثمرة من تمور وزيتون إلى غير ذلك من منتوجات العصر الزراعي .

وعصر الزراعة الحديثة، حلت الضريبة الفلاحية السنوية عن الانتاج، والتأمين الفلاحي عن مخاطر الجفاف، وأعراض الكوارث الطبيعية، من الفيضان وجائحة الجراد، وعواصف البرد بالمناطق الجبلية .


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني