جماعة العدل والإحسان وظاهرة المساجد السرية

 

عندما تدخل جماعة مرحلة العمل السري فإنه الإعلان الصريح بأن رصيدها في العمل السلمي الصوري قد وصل طريقا مسدودا بعد أن طالت المدة التي تنبأ بها مرشد الجماعة لقيام ثورة على هدي الثورة الإيرانية، وبذلك يسقط شعارها الزائف”اللاءات الثلاثة: لا للعنف لا للسرية لا للارتباط بالخارج الذي رفعته طيلة عقود لإيهام المجتمع بأنها جماعة تعمل في وضح النهار وعلى مرأى من العالم وفِي توافق مع قوانين الدولة.

 

وإن كانت وقائع الأيام تدمغ ادعاءها؛فهي مارست العنف بفجور وشبق في الجامعات المغربية، وارتبطت بأنشطة معادية للوطن مع ايران وتركيا من خلال خلاياها في الخارج ولازالت، وأعمالها السرية في الرباطات والمجالس الخاصة لم تتوقف لحظة.

 

لكن الحقيقة أن الجماعة ظلت دائما تحتفظ بجانبها المظلم الذي لا يراه الإعلام ولا يظهر في الصورة التي جهدت في ترويجها كحركة معارضة مدنية تشتغل بانسجام مع آليات ومبادئ النهج الديموقراطي، جانب طقوسي مخيف يتوارى خلف الأقنعة المتمدنة والخطاب المنفتح الموجه إلى الفرقاء السياسيين و “الفضلاء الديموقراطيين” الذي يمشي به أعضاءها المبرزون في المجتمع وعلى خشبة المسرح السياسي والإعلامي.

 

في وثائق ومخطوطات النصوص اللاهوتية والأدبية القديمة التي يدرسها الأركيولوجيون ونقاد النصوص الثيولوجية، هناك مصطلح دارج يطلق عليه lower textما تحت نص أو النص التحتيفي الوثيقة نفسها، ويحتاج للكشف عنه تقنية X-RAYلأن المخطوط يكون قد غسل أو محي ورُقِم عليه نص آخر، ويسمى هذا النوع من المخطوط المغسول palimpsest.

 

 

في أعمال الجماعات الاسلامية نمط من هذا القبيل؛طبقات ظاهرة تخفي تحتها طبقات مطموسة المعالم لا تشخص للنظرة العابرة ولا تبرز إلا عند التدقيق والتحقيق.

 

في مصر حيث ولد تنظيم الاخوان المسلمين ثبت أنه كان تحته تنظيم آخر هو التنظيم الخاص،أعضاءه لا يظهرون للعلن، لا يدلون بتصريحات،يخضعون لتلقين دوغمائي مركز وخاص لا يتمتع به عادة من هم في الطبقة الظاهرة،أولئك لهم مكانة اعتبارية وهم من الجماعة زبدتها وصفوة مخلَصيها.. المجاهدون المستعدون لإهراق الدم المقدس وإزهاق الروح.. أرقى أنواع الأعمال المنذورة للسماء والشاهدة على قوة الانتماء وأشرفها عند الإسلاميين.. حيثما كانوا وتحت أي اسم.

 

مؤخرا كشف الرئيس التونسي الباجي السبسي عن التنظيم الموازي لحركة النهضة الاسلامية، واتهم الحركة صراحة بالوقوف وراء اغتيال قيادات يسارية ذات شعبية وتاريخ طويل من النضال، بل محاولة اغتياله هو شخصيا، يقول هذا وهو رئيس للجمهورية تحت يده معلومات استخباراتية لا يمكن الاستهانة بها أو التقليل من شأنها.

 

في المغرب أدركت الجماعة وأدرك مرشدها قبل ذلك كما تشهد كتاباته أن “القومة”(المصطلح الذي يعادل مفهوم الثورة وهو بالمناسبة من ترجمة مثقفي العصر الليبرالي في مصر قبل أن يستقروا على مصطلح ثورة) أو قلب نظام الحكم والسيطرة على السلطة لإقامة حكومة إسلامية قُطرية تطبق الحدود وتفرض اللباس الشرعي وتؤسس لجهاز الشرطة الدينية لا يمكن تحققها دون امتلاك ناصية الدعاية في مساجد المملكة.. منابر الجمعة.. وحصائر الوعظ.. وكراسي الدعوة…

 

هناك وهناك فقط يمكن الاستقطاب على أوسع نطاق.. هناك وهناك فقط طريق الاسلاميين للقواعد الشعبية العريضة.. وهناك فقط يمكن للجماعة أن تشكل رأيا عاما يخرج من أبواب المعابد الى قبة البرلمان..

 

 

كان يدرك ذلك جيدا. فالمساجد بالنسبة له ليست مجرد دور عبادة واتصال بعالم السماء وغسل صدأ الروح؛بل يراها مراكز التجمعات الشعبية الكبرى التي يمكن استغلالها لنشر الأيديولوجيا، هي فضاءات للبروباغاندا.. مغرية هي المساجد لكل متنبئ عبر العصور..

 

فيها يجمع الأتباع وعلى حصيرها ينسج الآمال والأحلام..الآذان هناك لينة وطيعة لكل من يحدثها باسم الله.. والقلوب مفتوحة على قدسية المعنى والمبنى..كيف لا يأخذها داهية مثل ياسين على حين غرة..

 

ومثلما كان وزير إعلام هتلر يستغل قاعات السينما لإذاعة التعاليم النازية قبل عرض الأفلام..حاول ياسين ركوب المنابر منذ أول يوم نزل عليه فيه الوحي، تماما مثلما ركب هتلر الألمان من منابر الفن السابع.

 

من تلك الأفكار الدعائية التي كان يقصف بها غوبلز المواطنين الألمان من رواد السينما: معاداة السامية، وتلقين مبادئ الحزب الوطني الاشتراكي، وحجب المرأة في البيت، و ما يسمى بFührerprinzipأو مبدأ الزعيم والمرشد.

 

ومعناه أن كلمة المرشد هي فوق كل قانون مكتوب، وأن سياسات الحكومة وقراراتها وأعمال الإدارة تعمل كلها لتحقيق تلك الغاية: كلمة المرشد و إرادته.

 

وجرثومة هذه الفكرة تكمنفي اعتقاد أن بعض الأشخاص الممتازين عن البقية خلقوا ليحكموا، وهي فكرة مؤسسة على الدارونية الاجتماعية، لكننا نجدها أيضا في الخطاب الذي يؤسس فيه ياسين لهذا المعنى ويبوئ نفسه مكانة الإمام المجدد والقطب الخارق الذي تتمحور حركته الاجتماعية والفكرية على بلوغ منصب الحاكم، والمرشد السياسي والديني الأعلى، وتشديده على الحق في الطاعة المطلقة والخضوع التام من مريديه.

 

واستمر غوبلز على نفس النهج الدعائي حتى سقوط الرايخ الثالث حيث كان يعرض فلمKolberg  الذي يتناول نجاح مدينة Kolberg  في مقاومة حصار الجيش الفرنسي خلال الحروب النابوليونية عام 1807وصمودها حتى نهاية الحرب وتوقيع اتفاقية TILSIT.. كان يأمل غوبلز في معجزة مماثلة فيتراجع السوفييت والحلفاء كما تراجع الفرنسيون في حصار KOLBERG كان يعرض الفلم في ما تبقى من قاعات برلين وهي تلفظ أنفاسها تحت الرماد والخراب الشامل.

 

“نركز معركتنا في الطلب بحقنا في مساجد الله. لا حق لأحد أن يمنعنا من ذكر الله فيها. لا حق لهم أن يخربوا روح المسجد ورسالة المسجد مع تزويقه وتأثيثه. 

إنهم يتخذون عمارة جدران المساجد وسيلة للدعاية أنهم متقون. ويتخذون من بين أثاثها خطباء ووعاظا وقراء إمعات محترفين. فاسترجاع حقنا في عمارة المسجد من أولويات معاركنا…” (مجلة الجماعة -10-).

 

يسميها معركة ويزعم له ولجماعته “حقا” دون باقي المواطنين المومنين في المساجد، ويدس في أثناء الكلام عبارات ومعاني مغلوطة ومحرضة فيقول للقراء:”انظروا!!إنهم يمنعوننا من ذكر الله”.

 

ورغم أن هذا الزعم في حد ذاته غريب وبالغ الحقارة والاستغفال؛ فإنه خطاب مُشفَّر بينه وبين مريديه؛ لأن ذكر الله هنا ليس بالمعنى المتبادر إلى الذهن بديهة، بل هو ذكر الأيديولوجيا والحق في التجنيد والاستقطاب الدوغمائي للجماهير المتعبدة..

 

 

ثم لا يكف عن استعمال الألفاظ المحرضة والمستفزة للقارئ فيصف الاعتناء بالمساجد وتزيينها “تخريبا” لروح المسجد!! وكأن دور العبادة الاسلامية كتب عليها أن تلبس البالي من الحصير، وتلتزم مظاهر القبور وقباحة العمران ووساخة الجدران، وهو عين الموقف الوهابي السلفي المتصحر الرافض للهندسة البديعة والصناعة الحاذقة والجمال الخلاق في كل مظاهر الحياة.

 

ورغم ذلك، فإنه لا يخفي إعجابه في أحاديثه الأخرى، وفِي سياقات التعاجب والتفاخر بمعالم الحضارة الاسلامية؛أن يتمثل بجلال مسجد قرطبة الأعظم، ورونق مئذنة الخيرالدا وتوأمتها الكتبية، أو زخرفة آيا صوفيا و المسجد النبوي والروضة الشريفة…لكنه في معرض التحشيد والاستعداء ضد النظام والاستنفار ضد الدولة فهو يشوه كل أعمالها ويحقر جميع أحوالها..

 

الدولة بالنسبة له كيان جاهلي مستباح يحق له التمثيل به وتشويه معالمه وتقطيع أوصاله وفقأ عيونه على صعيد اللغة إذا هو عجز عن حمل السيف والسلاح.

 

خطاب الرجل اللغوي بالغ العدوان والسادية والهمجية اللفظية، لا يمكن إلا أن تعكس أحوال شخص متوحش الطبع ذو نفسية شديدة الاضطراب والقلق والنشوة في ممارسة الانتهاك على عدة مستويات معنوية ومجازية. رحمة الله من رجل يدعو إلى باب السماء بهكذا تكريه وتبغيض.

 

ثم تخونه إضمارات نفسه وما يختلج فيها من أغراض وأطماع فينطق عقله الباطن -بتعبير فرويد- على سِنِّ قلمه ويستعمل نفس اللفظة التي تدور في ذهن من يريد من هذا النص أن يكون محفزا على استعمال المسجد للغرض الدعائي فيقول: إنهم يتخذون عمارة جدران المساجد وسيلة للدعاية أنهم متقون!

 

وهو لنفس الغرض يريد تجريد المساجد من زينتها وعمرانها وإلباسها خرقة خشنة من خياله الجاف الكاره للفن والعمارة وسيلة للدعاية بأنه زاهد”متقي” فكانت الاستراتيجية أن كل ما تقوم به الدولة على الجماعة أن تقوم بعكسه نشازا و عنادا ودعاية لا احقاقا لحق أو اتباعا لرشد.

 

ثم لا يفوته أن ينكل لغويا ومعنويا بأعدائه الأزليين: القيمون على مساجد البلاد، فيرميهم بالسباب والشتائم”إمّعات محترفون”!. أولا؛ لأنهم يرصدون عناصر التجنيد التي تشتغل في المساجد رصدا دقيقا فيحبطون آمالهم العريضة في الاستقطاب ويقفون حجر عثرة أمام أجنداتهم..ما أشد ما يمقتهم ويكثر النباح في وجوههم!.

 

ثانيا لأنهم يقفون في وجه الايدولوجيا منطلقين من نفس المرجعيات ومستدلين بذات النصوص التي يحشدها الناقم عليهم في معرض حملاته المسعورة على الدولة.

 

هذا مقتطف قصير من ضمن آلاف النصوص المنثورة في مؤلفات ومنشورات عبد السلام ياسين التي تشير إلى حاجته المحمومة إلى دور العبادة، وأن السيطرة عليها هي من أولويات معارك الجماعة (بتعبيره) في طريقه نحو الخلافة والدولة الدينية التي كان يود أن لا يدركه الموت قبل أن يرى ذاته المتعالية في كبرها المتغطرسة في صلفها ونرجسيتها تتربع على عرش الحكم، بينما يتولى مريدوه وزبانية مجلس الإرشاد تسيير الدولة بالحديد والنار وأساليب القرون الوسطى ونمط محاكم التفتيش.

 

هل هذا كل شيء؟

 

 

فشلت إذا معركة المساجد العمومية، نجحت الدولة في تحصينها خطابا وعبادة، فأدارت الجماعة بعد جهد و يأس مخالبها إلى ما بات يعرف بالمساجد السرية، مساجد “ضِرار” ذاتية التجنيد، أقبية للتلقين الظلامي تحت جنح الظلام وفِي غفلة من الرقباء، حانات للزنا بالأفكار والعقول وغسلها بمياه الأيديولوجيا الفاشية.

 

أقبية للتخطيط والتدبير على مهل، تبدأ بمقر من طابق تحت أرضي وطابقين فوق الأرض في ما يشبه الفيلا، يسع ثلاثين شخصا من الجنسين ومزود بالدوشات والخدمات التي تجعله حصنا تجنيديا مثاليا وقلعة لتخليق خلايا بالغة الضرر والخطورة..

 

يلِجُ العضو من باب الوكر ولا يخرج إلا بعد أربعين يوما شخصا راديكاليا مختلفا تماما.. صورة تذكر بمشاهد الزومبي الذي لا إرادة له ولا قدرة على التحليل والنقد.. كائن مُوَجَّه لغاية ومبرمج لهدف، الجثة المتحركة التي أثارتها وسائل سحرية..منومة ومجردة من الوعي.ثم إذا غضت الدولة طرفها نبت مقر آخر أكبر منه في منطقة أخرى ثم آخر وآخر حتى تعم هذه المراكز ربوع البلاد.

 

لسنا من الغباء حتى نردد كالببغاوات ما يقال من أن الوكر المشمع كان بيتا سكنيا بريئا من أية شبهة، فأعضاء الجماعة لا يكفون عن بناء المنازل طيلة السنة دون حرج أو مضايقة، ولكن هناك فرق بين منزل للسكن ووكر للتجنيد لا تدركه أو هي تحاول تجاهله شخصيات-غالبا يسارية- مثل: حنان رحاب وَعَبد الرحمن بن عمرو وَعَبد الإله بنعبد السلام وغيرهم ممن تهافتوا على الفخ العدلاوي الحقوقي الذي تنصبه الجماعة، و الذين يجدون نوعا من الفحولة والرجولة في التنديد الميكانيكي الساذج بتشميع أوكار الإرهاب..وما دامت الجماعة “كبرات بيهوم” وطلبت تنديداتهم فمن واجب الحقوقي أن يكون في مهنة الفاشي وخدمته، ألم تكن الديموقراطية طريق هتلر إلى الحكم؟!.

 

بديهي أن الجماعة لم تمول بناء هذا المركز التجنيدي الذي يبدو متطورا عن غيره من المنازل “العادية” التي يمارس فيها الأعضاء رباطاتهم الغريبة والمثيرة للتساؤل والفضول، و في منطقة تنشط فيها خلايا الاسلاميين ومن الجماعة خاصة بقوة، المنطقة الشرقية عموما..

 

 أقول، لم تمول الجماعة بناء مسجد لعباد الله المصلين، وإلا لفعلت ذلك في العلن وتبرعت كما يفعل المحسنون ببناء مسجد لله، لكنها تنفر من جو المساجد، لا يوائمها، لأنه فضاء مفتوح، بيت عمومي للمواطنين القاصدين أبواب السماء للتعبد..مكان مثل هذا هو أبعد الأماكن التي يفكر فيها ذوو النيات المبيتة والأغراض المشبوهة لأداء مهامهم…هو موقع مثالي للتجنيد الأولي إذا سمحت الظروف، لكنه لا يصلح لطرح الأيديولوجيا المعمقة والدوغمائيات الصلبة.

 

 فهم في حاجة إلى بيئة مغلقة متوارية خلف الأبواب الموصدة والأسوار العريضة، لأنهم يدركون أن ما يقومون به من أعمال وما يتداولونه من آراء هو مما سوف يؤلب عليهم المجتمع..

 

فما يمارسونه تحت السطح في نواديهم السرية ليس كالمواد التبشيرية اللطيفة والخفيفة (لايت) التي يصدرون بها واجهات مواقعهم على الانترنت، فمن العته فعلا أن يعتقد المرء أن الجماعة تجتمع على تلاوة القرآن أو قراءة الأغاني للأصبهاني، ولو قدر لنا واطلعنا على محاضر ومضامين الاجتماعات السرية لكانت صدمة حقيقية لمن لازال يظن أنهم اسلاميون غير الاسلاميين.

 

ولست في حاجة إلى ضرب الودع أو لعب النرد لأقول أن ما يتداولونه ليس إلا ما جاء من تعاليم تكفير المجتمع والكيد له والحقد على أسلوب حياته المخالف لتوجهات التيار الاسلامي..شروح معالم في الطريق لسيد قطب، والمنهاج النبوي للمرشد، والمصطلحات الأربعة للمودودي وما شابه من كتب الأيديولوجيا الفاشية والمحرضة على العنف بكافة أشكاله..

 

ايديولوجيا لا تقبل باختلاف الرؤى والأنماط والاختيارات، ولا ترضى إلا بالأحادية والإقصاء وإعدام مظاهر الإرادة الحرة.

 

كذلك تقول الأيديولوجيا فتلك طبيعتها، ولا تحتاج إلى تفتيش في الضمائر فهي عالم متاح للعموم و مصنفات تباع في المكتبات ومواعظ وخطب ومحاضرات على الانترنت، ولا يملك من تشبع بها إلا أن يحقد على التعددية والحق في الاختلاف.

فالرجل يعلنها لكم صراحة تكاد تعمي الأبصار وتصم الآذان:

 

جند الله:

 

تربية وتنظيما وزحفا..زحفا هذه، ماذا تفهمون منها معشر المنددين والمنددات؟ فماذا يفعلون في تلك الأوكار غير التربية والتنظيم على الزحف.

 

الملكية هي الحل

 

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني