إهمال قضائي

كشفت حادثة انتحار سجين بالقنيطرة، أمس الثلاثاء، شنقا في زنزانته، عن جانب مظلم وواقع مر في
تدبير النيابة العامة لملفات قضائية معينة.

معطيات الملف، حسب مصادر مؤكدة، تشير إلى أن الأمر يتعلق بسجين مختل عقليا، وصدر أمر قضائي بإحالته على الخبرة الطبية، ولأن النيابة العامة هي المكلفة بالسهر على التنفيذ، فقد أسندت إليها مهمة عرض الظنين على الخبرة الطبية لدى مستشفى الأمراض العقلية الرازي بسلا، إلا أنها وضعت الملف جانبا، وتركت السجين في وضعية اعتقال غامضة لا تتماشى ونصوص المسطرة الجنائية، ليدخل ملفه طي النسيان، إلى أن أقدم على الانتحار بسبب اليأس والإحباط، بعد مرور ثلاث سنوات وهو على تلك الوضعية.

القضية إذن كشفت عن وجه آخر غير مشرق في العمل القضائي، فلو كانت النيابة العامة مهتمة بتطبيق القانون والسهر على تنفيذ الأمر القضائي الصادر، لتم عرض السجين على الخبرة الطبية العقلية، ولتم الحسم في ما إذا كان يعاني مرضا عقليا أو نفسيا أثناء ارتكابه الجريمة التي يتابع من أجلها، أم أنه كان في حالة غير طبيعية وغير مدرك لما اقترفه، حتى يتم الحكم بإعفائه من المسؤولية الجنائية، طبقا للقانون.

الخطير أن هناك العشرات من السجناء الذين يوجدون في وضعيات اعتقال غير مفهومة قانونيا، ولا يوجد في الترسانة القانونية المغربية ما يبررها أو يفسرها، ومع ذلك يتركون في السجون بشكل غريب.

وللتوضيح أكثر، فإن هناك نزلاء آخرين صدرت لفائدتهم أحكام قضائية بالإعفاء من المسؤولية الجنائية، وأوامر بإيداعهم في مصحات للأمراض العقلية أو النفسية لعلاجهم، طبقا لما هو مقرر بالقانون، إلا أن النيابة العامة لم تسهر على تنفيذ هذه الأحكام والأوامر، ليظلوا في وضعية لا هي بالاعتقال الاحتياطي، مادام الحكم بعدم الإدانة قد صدر لصالحهم، ولا هي بالعقوبة الحبسية أو السجنية النهائية، لأن الأحكام القضائية الصادرة تأمر بإعفائهم من العقوبة، وإيداعهم بمصحات مختصة للعلاج.

وكثيرون من هؤلاء السجناء، وهم مختلون عقليا، من يقضون الشهور وراء الشهور، والسنوات تلو السنوات، رهن ما لا يمكن أن يكون إلا “اعتقالا تعسفيا”، أو “تحكميا”، المنفذ في حقهم قسرا بدون أي موجب أو سند قانوني.

الإشكالية الخطيرة تستدعي مساءلة جميع المسؤولين المباشرين عن هذه الانتهاكات الإنسانية الخطيرة، وفي مقدمتهم وزير العدل والحريات، بصفته رئيسا للنيابة العامة، والمندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، الذي يتوصل بنسخ من جميع الأحكام والأوامر والقرارات القضائية الصادرة لفائدة النزلاء الذين يوجدون في سجونه، ويعلم بأن المعنيين صاروا في وضعيات اعتقال غير قانونية، ومع ذلك يسمح لمديري سجونه باستمرار احتجازهم تعسفيا، دون أن يحمل النيابة العامة مسؤوليتها في تنفيذ الأوامر القضائية بإيداعهم في المصحات المختصة.

مدير الموقع


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني