النهضة العلمية في الإيالة المغربية إبان الحماية الفرنسية.. العلامة القاضي سيدي محمد بن ادريس نموذجا

أمين بن محمد الشبيهي الموقت

كنت, كعدد لا يستهان به من أبناء وطني, لا أحيط بكثير من الاهتمام علماء المغرب الذين صادفوا بداية القرن العشرين, ذلك أن ما يهم المثقف العادي إبان تلك الفترة هو تاريخ المغرب مع الحماية الفرنسية و ما رافقها من تقدم علمي و تكنلوجي, حتى يتخيل للمرئ أن ما دون ذلك لا يسترعي اهتماما, فبقدر ما كانت العلوم و التيكنولوجيا رصيدا يحسب للمستعمر بقدر ما كان التخلف و الجهل يحسب على الطبقات المتعلمة المغربية, و هذا بلا شك يرجع أساسا للجيل الثاني من رجال القرن العشرين الدين نالوا قسطا من التعليم الفرنسي العالي و الدين كانوا ينظرون بشيئ من الترفع و التعالي, لكي لا أقول الاحتقار, العلوم و المعارف المغربية المتداولة من خلال التعليم العتيق الوطني و التي كانت على قدر كبير تتناول أساسا العلوم الدينية و الشرعية.

و كم كانت دهشتي كبيرة حين أتيحت لي الفرصة للتعرف على الجانب العلمي المعرفي لأحد الأعلام المغاربة الذين عاصروا النصف الأول من القرن العشرين, وهو العلامة القاضي سيدي محمد بن إدريس العلوي العبدلاوي, و دلك من خلال مطالعتي لمؤلف الدكتور أحمد إشرخان ” قضايا في الفكر المعاصر” و الدي يتناول من خلاله بالدرس و التحليل سيرة العلامة القاضي سيدي محمد بن إدريس.

و مما لفت انتباهي هو مثابرة القاضي بن ادريس على تجديد الفتاوي الشرعية و إغناؤها بمتطلبات العصر, مع التشبت الصارم بتطبيق التعاليم الإسلامية دون هوادة أو لين, و كان من بين نتائج ذلك عزله من خطة القضاء من طرف سلطات الحماية التي لم تكن ترى بعين الرضى رجلا يقول, عن حق كلمة, لا

.

بالطبع لا يسعنا المجال هنا, لتناول مؤلف الدكتور إيشرخان بكامله, ولكن أود أن أشاطركم بعض الأفكار التي جاء بها العلامة القاضي في شرح بعض الأيات القرأنية على ضوء الاكتشافات العلمية التي عرفتها نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين, وهو بذلك يكون المؤسس الفعلي أو على الأقل أحد رواد ما صار يعرف حاليا ب علم “الإعجاز العلمي في القرأن و السنة” و هو فرع من العلوم الإسلامية التي ازدهرت في الأونة الأخيرة و التي تلقى إقبالا كبيرا من طرف الشباب المثقف المسلم, الذي يجد فيها ما يثبت عزيمته و يقوي إيمانه ولو تخصص في مجالات العلم الحديث و الدي لا يتعارض, بل يوافق كليا, ما جاء في كتاب الله و السنة المطهرة الشريفة.

سأقدم أولا, وباقتضاب شديد, نبذة عن حياة القاضي سيدي محمد بن ادريس ثم أتناول بعد ذلك ما جاء به  رحمه الله كتفسير لبعض الأيات الكريمة و الأحاديث الشريفة التي تنبؤنا باكتشاف السيارة و السكة الحديد و الراديو, مع إضافة ما أراه ملائما من الاكتشافات الحديثة, التي تسير على نفس الوثيرة  كما نبهنا لذلك فضيلة العلامة سيدي محمد بن ادريس.

ولد العلامة سيدي محمد بن ادريس بن محمد بن الحسين بن السلطان سيدي محمد بن عبد الله,  سنة 1305 ه/1887 مبمكناس (كتاب ” أعيان المغرب الأقصى” لمؤلفه كوفيون ص 668), فحفظ القرأن الكريم بالروايات العشر و المتون ( الألفية, المختصر, نظم بن عاشر…), بعد دلك تلقى العلوم الشرعية على يد كبار علماء مكناس. حصل على العالمية من القرويين بفاس سنة 1334/1916.

 تولى العلامة سيدي محمد بن ادريس خطة القضاء بكل من زاوية زرهون و نواحيها1922-1931, ثم سوق الأربعاء الغرب 1931-1933, ثم مدينة سلا 1933-1937, و أخيرا تولى خطة القضاء  بمدينة الدار البيضاء و الخطابة في مسجد درب السلطان سنة 1937 . و ثم عزله منها سنة 1944 و دلك بسبب مساندته للحركة الوطنية التي تقدمت بعريضة المطالبة بالاستقلال في نفس السنة..

في أحد خطب عيد الفطر, تناول الفقيه العلامة بن ادريس الاختراعات العصرية وقد جاء فيها بما يلي

” روى الطبراني عن حديث سمرة قال ” قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تقوم الساعة حتى تزول الجبال عن أماكنها و ترون الأمور العظام التي لم تكونوا ترونها”ففي هدا الحديث إشارة إلى سكة الحديد, التي تزيل الجبال من أماكنها في سائر الدنيا و في سائر البلاد الجبلية التي تمر فيها شرائطها”

و هكدا نلاحظ أن محمد بن ادريس يرى أن شق الأنفاق لإنشاء خطوط السكك الحديدية تفسر قوله عليه الصلاة و السلام بإزالة الجبال عن أماكنها إد أنها لا تبقى عائقا لمرور البشر و كأنها غيرت مكان تواجدها. كما يمكننا أن نضيف لما جاء به بن إدريس أن الأنفاق حاليا تتعلق بالسكة الحديد و كدلك بالسيارات.

“روى بن مسعود قال ” قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تقوم الساعة حتى لا تنطح دات قرن جماء, و حتى يبعث الغلام الشيخ بريدا بين الأفقين, و حتى يبلغ التاجر بين الأفقين فلا يجد ربحا” و في رواية ” لا تقوم الساعة حتى يكون السلام على المعرفة, و حتى تتخذ المساجد طرقا فلا يسجد لله فيها, و حتى يبعث الغلام الشيخ بريدا بين الأفقين, و حتى يبلغ التاجر بين الأفقين فلا يجد ربحا ” رواهما الطبراني و أصل الحديث في مسند أحمد, فإرسال الغلام الشيخ بريدا بين الأفقين و بلوغ التاجر بين الأفقين إنما هو بالطائرات, وهو واقع بكثرة, فإن غالب التجار اليوم ينتقلون بالطائرات, و منهم لا يربح شيئا, كما قال عليه الصلاة و السلام.”

يقول العلامة بن ادريس أن من علامات الساعة أن يرسل الطفل بريدا إلى مكان بعيد فيحمله إليه شيخ و أن يدهب التاجر إلى مكان بعيد و بالرغم من ذلك لا يربح مالا و قد فسر العلامة دلك أن الطائرة تحمل البريد و تحمل التجار إلى مكان بعيد فإذا بعث طفل رسالة وصلت بواسطة الطائرة إلأى مكان بعيد و بالطبع يمكن أن يكون  ربان الطائرة شيخا, أما التجار فيركبون الطائرة و يدهبون ألاف الكيلومترات و لكن ليس بالضرورة أنهم سيربحون مالا. و نزيد و نقول أن البريد الألكتروني حاليا و الذي يشرف على برامجه شباب و شيوخ يمكن أن يبعث من خلاله الصبي رسالة حيث يشاء. كما أن السلام حاليا لا يلقى إلا للمعرفة, فمن منا لا زال يلقي السلام على كل من صادفه في الشارع؟

يقول سيدي محمد بن ادريس كدلك “…في قوله تعالى “قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم” إشارة إلى الطائرات و الغواصات, بل هي ظاهرة في دلك, لا سيما وقد ورد “عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ” إنها كائنة و لم يأتي تأويلها بعد” رواه أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص. بل مع هدا الحديث يجزم بأن الأية الواردة في هذا لا في غيره مما ذكر بعض المفسرين, وهي أيضا شاملة للألغام التي تزرع في الأرض و تنفجر من تحت الأرجل. و كذلك قوله تعالى “وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا ( 1 ) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا ( 2 ) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا ( 3 ) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا ( 4 ) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا ( 5 ) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ( 6 ) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ” فإنه وصف للطائرات الحربية بجميع حركاتها, و أفعالها حين تعصف بقنابلها, و هي تحتمل معنيين في اللغة, تترك الناس كعصف ماكول, و تميل أحيانا عن هدفها, و هدا معنى العصف في اللغة, و تنشر المنشورات في ميادين القتال على الجنود, و في المدن على الأهالي و السكان, بالدعاية و الإخبار عن الحقائق تسترها عنهم حكومتهم, كما هو واقع, و تفرق بين الجموع و الكتائب فرقا, لأن الرعب بها و الهزيمة أشد من غيرها, بحيث لا يثبت تحتها فرد و لا جمع, بل بمجرد رؤيتها يقع الفرار و التخفي تحت الكهوف و الملاجئ, و تلقي ذكرا في المنشورات عذرا أو نذرا, تنذر و تخوف, و تهدد و تتوعد, و ربما اعتذرت من بعد ضربها للأماكن البريئة, كما هو واقع و مشاهد بالعيان, و لا ينكره إنسان…”

يظهر مما سلف أن القاضي العلامة جاء بتفسير جديد لأول أيات سورة المرسلات, مفسرا إياها بأنه إخبار من المولى عز و جل على ما سيصنعه الإنسان من طائرات حربية, و نلاحظ أن التفسير الدي قدمه سيدي محمد بن ادريس مطابق تماما للواقع و للدور الدي لعبته و لا زالت تلعبه الطائرات الحربية, كما يمكن تعميم تفسير الأيات الكريمة حاليا على الصواريخ الباليستيكية و الحاملة للرؤوس النووية, و التي تولد, بعد انفجار الكتلة النووية, ريحا تعصف بالأخضر و اليابس.

أما ما يخص السيارات فقد جاء على لسان العلامة بن ادريس ما يلي ” و أما السيارات على اختلاف أنواعها, فوردت فيها أحاديث كثيرة, مصرحة و ملوحة, فمن الأحاديث المصرحة ما رواه أبو يعلى بسند صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال  ” قال رسول الله صلى الله عليه و سلم, لا تقوم الساعة حتى يقترب الزمن, و تكون السنة كالشهر, و الشهر كالجمعة, و الجمعة كاليوم, و اليوم كاحتراق الحزمة” فهذا حال السيارات, و قدر طيها للمسافات. و ورد في بعض الأحاديث الإخبار بتقارب  الأسواق, و ذلك بسبب السيارات أيضا, و إن فهم بعض العلماء أن ذلك بكثرتها و قرب بعضها من بعض, و الواقع خلاف لذلك, لأنهم لم يكن في زمنهم سيارات حتى يحمل الأحاديث عليها كما هو الواجب, لأن الأسواق لم تكثر عما كانت عليه كثرة يقرب بعضها من بعض, بل لم تكثر أصلا, و لاتزال كما كانت, إنما قربت بسبب السيارات ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال” قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ينزل بن مريم حكما و عدلا, فليكسرن الصليب, وليقتلن الخنزير, وليضعن الجزية, و ليتركن القلاص فلا يسعى عليها” و القلاص  الجمال, و إنما يترك السعي عليها استغناء عنها بالسيارات”.

يبين القاضي في تفسيره للحديث الشريف عن اقتراب الزمن و حديث اقتراب الأسواق أن ذلك من فعل الوسائل العصرية للتنقل كالسيارات مثلا التي قلصت زمن قطع المسافات, كما رفض تفسير تكاثر الأسواق على أنه كثرة عددية بل قال أن اقترابها من بعضها يعود لسهولة التنقل بينها بواسطة السيارات. وواقعنا اليوم يشهد أن التفسيرين صحيحين و لا تناقض بينهما فقد كثر عدد الأسواق, عصرية كانت أو تقليدية, حتى ترى “مرجان”  بجانب  ” أسيما” و  يقابلهما ” كارفور”, و إذا أردت الخضر و الفواكة الطرية فما عليك سوى امتطاء سيارتك و التوجه لما شئت من الأسواق الأسبوعية. أما إن كتب الله لسيدنا عيسى أن يبعث في وقتنا الراهن فلا درو أنه لن يمتطي جملا و لا ناقة, بل سيركب في تنقلاته سيارة رباعية الدفع أو مروحية أو طائرة نفاثة بالنسبة للمسافات الطويلة.

و يقول كدلك الفقيه بن ادريس ” …. قال الديلمي في مسند الفردوس ” أخبرنا أبو الحسن و أخبرنا الكناني, حدثنا يعقوب ابن ابراهيم البزار, حدثنا علي بن مسلم, حدثنا ابن أبي فديق عن عبد الله بن أبي يحيى عن سعيد بن أبي هند, عن أبي هريرة قال ” قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تقوم الساعة حتى يخرج الناس من المدينة إلى الشام يبتغون فيها الصحة” فهذا لا يقع إلا في زمن وصول وابور السكة الحديدية من الشام إلى المدينة المنورة, فإنه كان كثير من أهلها ينزلون إلى الشام ابتغاء الفسحة  و الصحة, أما بدونها قلا يتصور الخروج من المدينة إلى الشام ابتغاء الصحة مع وجود التعب العظيم و مقاسات أنواع العذاب من حر و برد و عطش و جوع و ألم, بسبب ركوب ظهور الجمال ما يقارب شهر ذهابا و مثله إيابا لأجل ابتغاء الصحة”.

يفسر العلامة بن ادريس الحديث النبوي الشريف عن علامات الساعة “الصغرى” و التي يبشر فيه عليه الصلاة و السلام بسفر الناس ابتغاء الصحة و العلاج من المدينة المنورة إلى الشام (سوريا حاليا) على أنه إخبار بإحداث سكة القطار بين المدينة و بلاد الشام إذ لا يعقل أن يدهب المرؤ مئات الكيلومترات ابتغاء الصحة و الشفاء على ظهر البعير, و كما نرى فتفسير الفقيه بن ادريس يوافق الواقع الحالي و الذي يمكن تعزيزه بما عرفته المملكة العربية السعودية من طرق سيارة عصرية و من مطارات و التي تسمح بالسفر إلى أي مكان في العالم بغية الصحة و الاستجمام بدون أدنى تعب أو إرهاق.

و يختم الفقيه العلامة خطبة العيد بتفسير طريف للغاية للأية 53 من سورة سبأ تتحدث عن استشراف غيب المكان من خلال الإذاعة و التلفزيون  كما يفسر حديث نبوي شريف حول انتشار العلم في أخر الزمان بكثرة مطابع الكتب, ولعل هدا التفسير لم يقنع العلامة بصفة قطعية, فترك الياب مفتوح لتفسير أخر على غير عادته, في ما سلف من اجتهاداته في تفاسير الاكتشافات العلمية, ولعل سيدي محمد بن ادريس كان يقصد بدلك ترك باب الاجتهاد مفتوحا  حتى نقول نحن أن الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم أخبرنا منذ أربعة عشر قرنا عن  شبكة الأنترنيت الحالية التي تبت العلوم في كل مكان و لكل الأشخاص  و هي علامة أخرى من علامات الساعة الصغرى ,و في ما يلي أدعوكم للتأمل جيدا في أخر فقرة من خطبة العيد حول الاكتشافات العلمية, مذكرا إياكم أن هدا الكلام قاله العلامة بن ادريس منذ ما يناهز سبعين سنة, و مع دلك تبقى فراسته شاملة لوقتنا الحاضر في كل تجلياته التقنية و التيكنولوجية.

 “…و أما الراديو و التلفزيون فيشير إليها قول الله تعالى ” و يقذ فون بالغيب من مكان بعيد”.  بل هي ظاهرة فيها, و يشير إلى إ ذ اعة المقالات العلمية في الراديو ما رواه الدرامي في سننه ” أخبرنا مخلد بن مالكعن حجاج ابن محمد عن ليث ابن سعد عن معاوية ابن صالح عن أبي الزاهية برفع الحديث ” إن الله تبارك و تعالى قال ” أبث العلم في أخر الزمان, حتى يعلمه الرجل و المرأة و العبد و الحر و الصغير و الكبير, فإذا جعلت ذلك بهم أخدتهم بحقي عليهم”. و انتشار العلم قد حصل بسبب ظهور المطابع التي كثرت الكتب بطبعها, و صارت تدخل في يد الناس كافة. هذا و ستخترع أمور أخرى تظهر في المستقبل, و تشهد لها أيات قرأنية و أحاديث نبوية, لو تتبعناها لاحتجنا إلى زمن طويل, و إصغاء كثير, و لكن لشدة الحر اختصرنا, و خوف السأمة اقتصرنا, و لنصرف عنان القول لما يليق بهدا النهار.

  


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني