محمد أكعبور
مرشد ديني بإقليم الصويرة
باحث في الخطاب والإعلام الديني
يتحرك المفهومان _ البيعة وإمارة المؤمنين _ داخل المجال الديني والمجال السياسي في المجتمع المغربي مستمدين أسسهما وصياغتهما من العمل في زمن النبوة وزمن الخلفاء الراشدين وهما خير القرون كما حدث بذلك الصادق الأمين المبعوث رحمة للعالمين كما حكاه الله تعالى في الكتاب المبين بأن {رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا} (18) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةٗ يَأۡخُذُونَهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا} (19).[1]
يدعم ذلك الفكر القانوني الحديث بناء على فلسفة التشريع الإسلامي مما يدرس في باب السياسة الشرعية التي ألف فيها وأبدع المغاربة وما زالوا ولهم في هذا العمل سند متصل مبناه نص وحي صحيح مروي على لسان فصيح : ” ومن أسانيد تأصيل دور العلماء في السياسة الشرعية، هذا الحديث الشريف المروي عن جدكم المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، والذي جاء فيه: ” يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين”[2].
إن مما يختص به النظام السياسي المغربي العام كما النظام الديني العام كونه قائما على البيعة الشرعية، فالملك رئيس الدولة وهو أمير المؤمنين، والنظام الاجتماعي المغربي العام يتفاعل باستمرار لخلق “جنيسة اجتماعية” دينية ووطنية تذكر بزمن النبوة .
إذ ” تُشَكِّلُ البيعة بدلالتها الشرعية في سياقها التاريخي المغربي، خاصية من أهم الخصائص المكونة للهوية الوطنية المغربية. ومن ثَمَّ فإنه لا نجاح لأي خطاب ديني إلا بالدخول تحت ظلالها .
فإمارة المؤمنين بدلالتها الدينية – كما تحققت تاريخيا بالمغرب – قامت على بيعة أدمجت حق الله وحق الرَّحِم! تماما كما في قوله تعالى:(واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) .
فمذ تزوج المولى إدريس الأكبر كنزة الأمازيغية، في سياق بناء المجتمع المغربي، تحت بيعته الدينية بما هي حق الله؛ كان حقُّ الرَّحِم قد اندمج في هذا المعنى؛ مما شكل مفهوم “الأسرة الوطنية”! وهذا من أهم اللطائف في خصوصيات المكوِّن الديني للمجتمع المغربي.
واستمر المغرب في تطوره التاريخي على وفاقٍ مع المرجعية الدينية للسلطة السياسية في البلاد، تحت صيغة إمارة المؤمنين، بدلالتها الشمولية المذكورة، عقيدةً ورَحِماً؛ إلى عهد الدولة العلوية”[3].
فالأسرة الوطنية إذن متشكلة من الوحدة الدينية و الوحدة السياسية و الوحدة الاجتماعية؛ وهي شروط إقامة الحياة العامة المكفول حفظها وتأمينها لمؤسسة إمارة المؤمنين ، وفقا للأعراف والتقاليد المغربية المرعية في الأداء السياسي العالي .
ذلك أن مفاهيم من قبيل : البيعة وإمارة المؤمنين وهما مفهومان دينيان عقديين وسياسيين يستندان لعمل موروث وصف بالرضوان .
الرابطان أعلاه؛ الرابط السياسي والديني، نضيف إليهما الرابط الاجتماعي ممثلا في الزواج؛ زواج المبايع له المولى ادريس بسيدة من أصول أمازيغية، لتشكيل هوية مغربية ذات أبعاد دينية وسياسية واجتماعية.
” وقد جعلت إمارة المؤمنين المبنية على البيعة الشرعية على عاتقها هذا الواجب المقدس في تجسيد هذا الخير، وتحملت أعباء التقليل مما يضاده من الضَّيْر، تنفيذا لمقتضى العقد المتجدد، وتنزيلا لشرط البيعة المتجسد، الذي يرعى تناقل السمعيات، ويصون مقاصد الشرعيات، يربط بين الراعي والرعية، ويحرس الحقوق المرعية، ويصون العادات الجمعية، في أفق إقامة مظاهر الشريعة، وتثبيت جودة التدين بحسن الذريعة، وتعميم السلم الاجتماعي الذي هو من أكبر مهام إمارة المؤمنين، وترسيخ الأمن الروحي أجل مقاصدالتولي على المسلمين، الذي تحرص عليه بجدية متفردة، وتتفرغ له بعزيمة متقصدة؛ لأن الدين والسلطان في ثقافة المغاربة توأمان متلازمان، وعنصران يجتمعان ولا يتفرقان، ويتآلفان دوما ويتناصران، إذ لا قوام لأحدهما إلا بقرينه، ولا بقاء لواحد منهما دون قسيمه. وقديما قيل: إن مثل الملك والدين، مثل الروح والجسد، فلا انتفاع بالروح من غير جسد، ولا بجسد من غير روح.”[4]
بذلك، إذن يتحقق وصال رحم دينية وسياسية واجتماعية أنتجت وحدة مغربية في الأداءات الموحَّدة يدخل ضمن التدين الجامع [5] وهي وحدة أنتجت في بيئة التنوع والتعدد .
سنعرض للموضوع أعلاه وفقا لهذه الخطاطة:
أولا: مؤسسة البيعة؛ العمل المستمر والقرار المستقر
لعقد البيعة بالمغرب خصوصيات تحددت في الأدبيات السياسية والدينية والاجتماعية المغربية أيدها العمل الديني وساهم في ترشيدها العمل الفكري المغربي وبدعم من التشريعات القانونية من خلال استصدار تشريعات وضعية سامية تُدَّرس اليوم في القانون الدستوري والقانون المقارن كما في فقه القانون.
و تلك الخصوصيات كثيرة منها :
أولا : ” ومن خصوصياتها أنهم حافظوا عليها في صيغتها الشرعية ورسومها المرعية بقدر محافظتهم على إمارة المؤمنين نظاما لحكمهم وتدبيرا لشؤون دينهم ودنياهم لا يقبلون به بديلا، ولا يبغون عنه حولا، مع الأخذ بالطريف المفيد والمبتكر الجديد من اجتهادات أهل العلم والفكر والنظر، مما لا يتعارض مع شرع الله ودينه. “[6]
ثانيا : ” أن نظام البيعة في تقاليد أهل المغرب وأعرافهم يرتكز أساسا على مبدأ توثيق الحقوق والواجبات المتبادلة بين الراعي والرعية “[7].
ثالثا: «أن البيعة في المغرب كان لها طابع خاص، ذلك أن البيعة في المغرب كانت دائما مكتوبة.
نحن نعلم أنه في تاريخ الإسلام كان رؤساء القبائل يأتون للسلام على الأمراء والملوك ويضعون أيديهم على أيديهم أو على المصحف ويقولون إننا نبايعك على الكتاب والسنة، ونبايعك بيعة الرضوان الخ …
ولكن المغرب هو الدولة الوحيدة التي لم تكتف بالبيعة الشفوية بل ما ثبت في تاريخ المغرب وفي أي دولة مغربية أنه وقعت بيعة شفوية بل كانت دائما بيعة مكتوبة.”[8]
ومن المفاهيم المرتبطة بالبيعة وكذا بإمارة المؤمنين مفهومي :
السمع والطاعة، فالطاعة واجب شرعي والسمع استجابة وإجابة لخطاب الشرع القائل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ؛[9] يعقبها ثواب كثير في الدنيا والآخرة وفاء لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : “من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية”. ” [10]
إن موضوع البيعة بالمغرب شغل الأولين من العلماء كما المفكرين الباحثين اليوم فاتخذوا مبادرات أو استجابوا لأخرى فكرسوا الجهود وأمنوا المواثيق ونفذوا العهود فعكفوا ليالي ذوات العدد لبناء تصور عن مقتضيات البيعة بالمملكة المغربية وخصوصياتها وما يضمن استمرارها واستقرارها في النفوس ؛ نفوس الأجيال الصاعدة ، ذلك ما نجده مفعلا في لقاءات علمية تتخذ طابعا رسميا تنطلق من الجامعة المغربية العصرية الأولى ؛ جامعة محمد الخامس حيث قدمت توصيات في الباب وهي رسائل لذوي الألباب ومنها تلك التي قدمها الأستاذ أحمد التوفيق في محاضرة بعنوان : الدراسات الإسلامية إلى أين ؟ومن ذلكم :
” أن يكون في برنامج الدراسات الإسلامية درس يتناول البيعة في تاريخ الإسلام وفي تاريخ المغرب على الخصوص حيث بقي المغرب البلد الذي يحتفظ بنظامها سواء من جهة كونها تكتب من طرف العلماء الذين يوقعون عليها أو من جهة كونها تعاقدا مكتوبا على أساس التزام المبايع بالكليات الشرعية شرطا لقيام مشروعيته أو من جهة تجديدها من فوق منابر الجمعة أو تجديدها كل عام بحضور ممثلي الأمة. “[11]
ومن مقضى البيعة بالمغرب على الدوام، حفظ الدين والملة معا وهو العمل الموكول وفقا للدستور المغربي 2011، لمؤسسة إمار المؤمنين.
إذ بفضل البيعة ” بقي المغرب بحمد الله في أمن وأمان؛ لِمَا تحقق له من أمن روحي؛ بسبب هذه الطبيعة السياسية المندمجة في الفضاء الديني السمح، القائم على عقد البيعة. وما كان عقد البيعة في حقيقته إلا رابطا قلبيا على المستوى الوجداني، إذ الشعور الديني كما بيناه قائم على التعبد، وهذا إنما هو تواصلٌ روحي بين العبد وربه، وهو أهم ضمان وأقواه لاستقرار المغرب. حيث يمارس المؤمن عبادته بحفظ حق الله على المستوى السياسي المتمثل في حفظ عهد البيعة، والدفاع عنه بالغالي والنفيس.
وتلك هي المرجعية التي أذكت روح المقاومة في الشعب المغربي، وأخرجته من تجربة الاستعمار أقوى ما يكون.”[12]
ثانيا: مؤسسة إمارة المؤمنين؛ مقتضيات في بيانات
لمؤسسة إمارة المؤمنين بالمغرب _ وتسمى كذلك ؛ مؤسسة الإمامة العظمى ؛ ” مؤسسة الإمامة الجامعة “[13] _ تاريخ ممتد في الزمن الماضي مستمدا والحاضر مستقرا والمستقبل مستشفا ، فهي تشكل منظومة التفكير المغربي على الدوام فيما يحفظ للأمة كيانها ووجدانها ويرسم لها معالم هويتها السياسية والدينية والوطنية والاجتماعية ويضمن تماسكها ويحقق تساكنها ويضمن لها سيادتها الكاملة على المجال الترابي لها من طنجة نحو الكويرة ومن وجدة للصويرة .
وكون أمر الدين قد يقع فيه نزاع من لدن من سولت نفسه الخروج عن الجماعة وشق عصا الطاعة جعل الفكر المغربي أمر دينه وحماية تصريفه لله قربى منه وزلفى إليه في يد إمارة المؤمنين بناء على البيعة لذلك ” يجري تدبير الشأن الديني في المملكة المغربية بمقتضى عقد البيعة الذي ينص على أن أمير المؤمنين يحمي الملة والدين. “[14]
وقد ” وقع في العقود الثلاثة الأخيرة نقل عدد من التقاليد المرعية في تدبير الشأن الديني من صيغتها العرفية الشفوية إلى صيغ قانونية تنظيمية يسهل الاحتكام إليها في حفظ الثوابت وتدبير الخدمات الدينية. “[15]
ولعل من المفاهيم التي استؤمنت على تحقيق مناطه إمارة المؤمنين ؛ الأمن العام ويدخل فيه الأمن الديني وبالأخص الأمن الروحي والمعنوي ؛ الشريان المحرك للمجتمع المغربي المانع له من كل بلوى وعدوى والدافع له لكل غاية وجدوى لما يحققه من مقاصد مرعية في باب السياسة الشرعية ، فالبيعة عمل والعمل عبادة وبذلك فالبيعة عبادة فرضية وفردية بمنطوق النص ” من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتةَ الجاهلية”[16]
“ولأجل عظم قدر إمارة المؤمنين في صيانة أحكام الدين، وتأمين تجمع المواطنين، أجمعت الأمة على وجوب نصب الإمام، وتعيين من يضبط النظام العام”[17]
إمارة المؤمنين بالمغرب؛ ضامنة الفعل والأداء الديني والاعتبار الروحي والأمن المعنوي في النفوس، ولا يتحقق ذلك في مجتمع المؤمنين خارج سياق إمارة المؤمنين، وتأسيسا على ذلك ” فبوجود إمارة المؤمنين يشعر المواطن المغربي بأمنه الروحي؛ بسبب ما يجد من ضمانٍ لممارسة حقوقه الدينية، والتعبير عن مواجيده الإيمانية. فهذه المساجد المغربية، بعمارتها الأصيلة الراسخة، تعلن – وهي ترفع الأذان خمس مرات في اليوم للناس، كل الناس، الأمنَ والأمان، وتنشر السلم والسلام. وبذلك تنزل السكينة على القلوب؛ لأنها تشعر أن عقيدتها في حمى أمير المؤمنين.”[18]
ثالثا: وظيفة مؤسسة العلماء: المَوْقع والوَقع
وظيفة العلماء في مجتمع المؤمنين، وظيفة سامية مقدرة معتبرة لكونها وظيفة ربانية نبوية وهي التبليغ، أليس العلماء موقعين عن رب العالمين ومبلغين لما جاء به النبي الأمين بما أيده الكتاب المبين؟
وفي المجتمع المغربي يحضر علماء الأمة ضمن الهندسة الهرمية لتشكيل الوعي الجماعي المغربي والجمعي بحضورهم الوازن في الإشهاد والتوقيع على وثيقة البيعة الشرعية ضمن فعاليات التوقيع والتولية لأمير المؤمنين.
إن مما يختص به العلماء بالمغرب انتظامهم في مؤسسة رسمية دستورية _ المجلس العلمي الأعلى_للتفاعل مع القضايا العامة في سياسة الشأن العام وخصوا في باب السياسة الشرعية أو السياسة العالية إلى جانب مؤسسات الدولية الدستورية ينفي عنهم شبهة القول بغير علم وتطبع كلامهم المصداقية والقول الحق بناء على منطوق الوحي فيما يعرض عليهم من قضايا ونوازل ومستجدات وأحداث طارئة تخص الدين من جوانبه المعرفية والعلمية .
واليوم الديموقراطيات العريقة تدرس هذه المؤسسات وقيمتها من خلال النجاعة والفعالية التي تنطبع بها أداءاتها وتستدعيها للتشاور والتحاور والتداول في مسائل قد ينشأ عنها خلاف قد يفتك بالموطن والوطن في رقعة جغرافية ليس لعلماء الدين فيه رأي يذكر ولا يسمع لهم لا حسا ولا همسا.
وقد قدم الأستاذ المؤرخ والباحث المقتدر أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية درسا حسنيا في الموضوع بعنوان: “دور علماء المغرب في حماية الهوية الوطنية “[19]
ولعلماء المغرب حضور قوي ووازن فاعل يضمن فعالية ويحقق نجاعة في المواكبة العلمية والمصاحبة الدينية للمغاربة في مناسبات ومحطات ترسمت في التاريخ الديني المغربي.
ذلك ما سنقف عليه في جرد نماذج لمحطات تفاعل فيها علماء الأمة مع قضايا وطنية نموذج ذلك تأسيسا في المغرب الحديث: إسهامهم الفعال في صياغة وتفعيل مضمومات وثيقة المطالبة بالاستقلال التي تدعونا اليوم للاستمداد والاستلهام منها، ذلك أنها وثيقة مرجعية للاستمداد والاستلهام لاستمرار روح حماية العمل السياسي العالي والديني والوطني مما يحمي للأمة المغربية ثوابتها الدينية والوطنية.
ولو جاز لي الحديث لربط وثيقة 11 يناير1944، بالزمن الذي نحن فيه مما يقتضيه المقام وترتضيه الأنام في إبراز الدور المنوط بالعلماء بالمملكة قديما وحديثا، واليوم أصبح تشريعا بتسمية مؤسسة العلماء ببلادنا منوط بها حماية الملة والدين والهوية الوطنية والسياسية للمملكة المغربية يقول الأستاذ أحمد التوفيق في درس حسني رمضاني افتتاحي لعام 2017″فبالإضافة إلى مهامهم في التبليغ والإرشاد والفتوى والتعليم والتكوين، قام العلماء بنشر ثلاث وثائق هي:
” وثيقة عن المصلحة المرسلة في الفقه المالكي….
أما الوثيقة الثانية فموضوعها حكم الشرع في دعاوى الإرهاب…….
أما الوثيقة الثالثة فقد أراد بها العلماء تبصير الناس بحقيقة مصطلح أصيل يستعمل في هذا العصر في غير مضمونه، ألا وهو مفهوم السلفية ….” وخلال كل ذلك ، يسعى العلماء دوما لحماية كيان الأمة المغربي الديني منه والوطني والاجتماعي ، وقد صاغوا وثيقة تعاقدية بينية ” بينوا فيها مذهبهم في الولاء للإمامة العظمى القائمة بالكليات الشرعية وتمسكهم بالثوابت العقدية والمذهبية ونظرتهم الإيجابية لسبيل التزكية السنية المعروفة بالتصوف.” [20]
وثيقة _ كتاب “سبيل العلماء” الصادر 2016
وثيقة _ خطة “ميثاق العلماء” في صيغتيه القديمة التي دامت ما يقرب من أربعة عشر عاما مع توقف في زمن كوفيد-19والحديثة بإدخال التكنولوجيا الرقمية في إطار تنويع وتجويد سبل التبليغ العلمي لخطاب الثوابت في أفق النهوض بتأطير الجماعة المتعلمة في ربط الوصال العلمي بين علماء الأمة وأئمتها بمختلف النقط المسجدية على امتداد التراب الوطني.
وهي وثيقة تم الرقي بها للتفاعل الرقمي فعالم اليوم رقمي بامتياز ولا مندوحة للعلماء عن هذه التقنيات فـــ” إن العلماء يجدون في تكنولوجيا التواصل الحديثة ما يجعلهم أقدر على حماية الهوية، وهي ذات الوسائل المتوفرة للذين ينشرون الباطل من الجاهلين والمبطلين والمتطرفين، والمنتظر من العلماء هو حسن استعمال هذه النعمة بما يناسب مقامهم، وعليهم أن يقنعوا الناس بهذا المقام على مستوى المصداقية، حتى يلتفت الناس عن الفتانين الذين يستغلون حرية التعبير، وهذا ما يستوجب من العلماء حسن الظن بالناس في القدرة على التمييز إذا قدم لهم على قدر عقولهم ما يفرقون به بين الغث والسمين، و مع هذا كله يبقى حال العالم الملتزم الصادق وهو يعمل على درء الفتنة كالقابض على الجمر، حتى وإن أعرض عن الجاهلين؛ “[21] ولعل هذا التوظيف للتكنولوجيا الرقمية من لدن العلماء والأئمة المتلقين لتلك المعارف في باب خطاب الثوابت لتقدم نموذجا للعامة والخاصة في أن التكنولوجيا بالخيار نوظفها فيما ينفع الناس ولنا إسهام في رصد تجارب لمجالس علمية في التوظيف الرقمي الجيد للحسابات الاجتماعية [22]وبمضامينها
وثيقة “ميثاق العلماء الأفارقة” وهي الوثيقة المذهبية التي تم الإعلان عنها على هامش أشغال الدورة السنوية العادية الخامسة لاجتماع المجلس الأعلى لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة التي جرت يومي 6 و7 دجنبر2023.
وثيقة ” إمارة المؤمنين والخصوصية المغربية “وهي ندوة وطنية بمبادرة من علماء المغرب للتداول في الموضوع بعروض تأصيلية مقاصدية.
ومن صور الاستلهام من هذه الوثيقة؛ وثقة 11 يناير_وثيقة المطالبة بالاستقلالة.
ـ توسيع خارطة المجالس العلمية المحلية لتشمل كافة التراب الوطني والتي أتت في سياق حماية العمل الديني المغربي وبذلك تسعى لحماية الذاكرة الدينية للمغاربة المستندة إلى أصول علمية وعملية سنية مدينية؛ ومن يتابع عمل هذه المؤسسات اليوم وما تزخر به من طاقات دينية شبابية يشهد لذلك ما تُصدِره أو يصدر حولها من وثائق وبطائق سيجد أن خطاب الثوابت الدينية والوطنية يسير في الاتجاه الذي رُسم له في مشروع هيكلة الحقل الديني الذي نادى به أمير المؤمنين محمد السادس نصره الله في كثير من المناسبات التواصلية مع رعاياه.
“إصدار المجلس العلمي الأعلى فتوى الإغلاق المؤقت للمساجد يوم 16مارس 2020 مع الإبقاء على رفع الأذان.
انخرط علماء الأمة لشرح مقاصد الوثيقة المرجعية المؤسِّسة للخطاب الديني في زمن كرونا، وهي المرجع الأساس للمجالس العلمية المحلية والمؤطرة لعملها وخدماتها الدينية والعلمية والاجتماعية؛ فانشغلت بالفعل الديني والتأطيري والتأهيلي والتكويني ودروس الوعظ والإرشاد كما اشتغلت كخلية نحل لتقديم الخدمة الدينية اللائقة باللحظة الراهنة والمناسبات التي تتخللها.
وهكذا وجدنا علماء مفكرين سخروا إمكاناتهم للتبليغ عن بعد عبر توجيه الرأي العام فيما ادعى بعض من خرج في دعوات عبر قنوات في شأن جمع فيه بين الطاعة والمعصية بحسب كلام أهل العلم ببلدنا.
فقد كتب الدكتور ادريس ابن الضاوية رئيس المجلس العلمي للعرائش توجيها عمن أنكر الحجر الصحي على المواطنين وهو وقاء عملي يحفظ الأنفس ويريح الأنفاس” ومن أمثلة ذلك _ الكلام في مختلف الموضوعات بلا شرط ولا قيد ولا خشية عاقبة ـ ، جسارة بعض الناس للبث في شأن الأمن والخوف المتعلق بالنظام العام _ في واقعنا هذه الأيام تجرؤ بعضهم على إنكار الحجر الصحي على عموم المواطنين وتقنين تطلب المعاش على الراغبين الذي اقتضاه ضرورة هذا الطاعون الجارف المصطلح عليه بكورونا كوفيد 19، الذي لم تكد تخلو منه أرض في هذا العالم الفسيح، الذي ظهر عجزه إلى الآن عن دفع عدواه المؤلمة المتيقنة المترتبة عادة على اختلاط الناس بمن يحتمل أن يكونوا مصابين أو عن الاحتكاك بهم ظنا أنهم من المبتلين، واستهجان إغلاق المساجد في وجه المصلين، وتعطيل وظائفها إلى حين، حفظا لأرواحهم ودفعا لخوفهم وتحقيقا لأمنهم وسكينتهم؛ لأن ذلك في زعمهم مخالف لواجب تعظيم شعائر الدين وتخريب لبيوت الله المعدة للمتقربين ومباين لما يوجبه أصل حفظ شعائر أهل اليقين.
لذلك خاطروا بدعوة الناس إلى التمرد على قرارات حكومتهم وغامروا بالطعن في فتوى مشيختهم وشذوا بالخروج على إجماع بني قومهم الذي اقتضاه منهم الالتزام بشرط البيعة الشرعية القاضية بالحفاظ على أرواحهم وأمنهم وسكينتهم، والملزمة بالتقيد ببنود الطاعة الواجبة في حقهم نحو أميرهم…………………… ولو تبصر هؤلاء الأحداث المُحْدِثون الأحوال واعتبروا ببعد نظر أصل المآل ما دعوا من تحتهم من الأغمار للخروج عن قرارات أمتهم، ولا استقبحوا إغلاق أماكن تعبداتهم الراجع مؤقتا إلى حماية أرواحهم وأرواح أحبائهم وأقربائهم التي أعظم الله من شأنها.”[23]
فهذا الدكتور سعيد بيهي رئيس المجلس العلمي المحلي بعمالة الحي الحسني ، ينشر مقالا يتضمن التوجيه الشرعي للفعل الداعي برفع الأصوات بالذكر والدعاء عنوانه “نفثة مصدور بسبب التهييج للخروج من الحجر الصحي” ؛ والذي رصد فيها المخالفات الشرعية من الوجهة الدينية مؤصلا لها تأصيلا شرعيا بما تبث به النص والحجة وقام عليه الدليل واقفا على جوهر الإشكال الناتج عن الجهل بالدين من خلال الجمع بين الطاعة والمعصية ،وهذا يتنافى والمنطق العقلي والشرعي والديني ومثَّل لذلكم بإحدى المخالفات الدينية الكبرى في الفعل الهجين ب ” رفع الحناجر بالدعاء حال تلبسهم بمعصية الخروج المخالفين فيها للشريعة لا تُسْتَنْزَل به الرحمات؛ إذ هو مثل من يتقرب إلى الله بالصلاة في الأرض المغصوبة، ومن يترخص بطاعة قَصْرِ الصلاة في سفر المعصية كقطع طريق…، فلا ريب أن إخراج الناس ليختلطوا اختلاطا يُقْطَع بانتقال العدوى في أمثاله من المريض إلى الصحيح انتقالا هو سبب قتلهم؛ معصية عظيمة بل جريمة كبيرة، وعليه فكيف يكون نفس الخروج والاختلاط باعتبارهما معصية مُبيحَين للدعاء الذي هو طاعة؟!”
وهو من الكاتب تنبيه شرعي على مقاصد الفعل الفاسد والمردود؛ بل والمرفوع حال التباس الأمر على الخاصة فما بالك بالعامة.[24]
وقد تفاعل من جانبه الدكتور سعيد شبار رئيس المجلس العلمي المحلي لبني ملال والذي يشغل الآن مهمة كاتب عام بالمجلس العلمي الأعلى عقب الهيكلة الجديدة للمجلس العلمي مركزيا وجهويا وإقليميا ،حينها بدوره ينشر الرجل مقالا بعنوان : “أنَّى يستجاب لدعاء تم بطريقة ممنوعة شرعا وقانونا” يسير في منحى الدكتور سعيد بيهي في التوجيه والتأصيل للفعل الذي تحفه مخالفات شرعيىة وقانونية معبرا عن شعور عاطفي بقوله : “آلمني كثيرا ما رأيت البارحة ليلا من خروج بعض المواطنين في تجمعات، بل مسيرات في دعاء وتكبير لله تعالى ليرفع عنا هذا البلاء. وأنا إذ أنطلق من حسن نية هؤلاء وصدقهم وحماسهم، أنبه كما فعل غيري، إلى أنهم ارتكبوا مخالفات، وجب تحذيرهم منها، أقل ما يقال فيها أنها تمنع الاستجابة لهذا الدعاء، وهي مخالفات للشرع والقانون معا”.
معقبا بأسئلة مؤصلة للفعل قبل ارتكابه إذ “كيف يستجيب لك الله تعالى وأنت تخالف أمره ونهيه؟؟ وأنت تتحدى ولو من غير قصد تحذيره لك؟؟ وأنت تخالف هدي وارشاد رسوله الكريم لك؟؟ وأنت تخرج عن إجماع الأمة بل والبشرية جمعاء؟؟
وقد قيل: العلماء يرون الفتنة إذا هي أقبلت والعامة تراها إذا هي أدبرت.
وهؤلاء العلماء وغيرهم بالوطن رأوا تلكم الفتنة، وهي قادمة فتصدوا لها بالعلم والحلم، فكان حليفهم النجاح واستهدى بتوجيههم خلق غفير.
هكذا؛ يكون الخطاب الديني المستند إلى المرجعية الوثائقية الصادرة عن المؤسسة الرسمية الدينية والعلمية ببلادنا المواكب للحدث في بداياته الأولى؛ قد التزم التوجيه والإرشاد بإرجاع الأمور إلى نصابها فاحتذى بالعمل الإعلامي هذا جمع كثير ممن اقتنعوا بخطورة الجرم في حق الوطن يوم الخروج عن الجماعة والجنوح لحظة وساعة ليسجل الخطاب الديني بهذه المحطة لحظة قوية كما عهدناه في تبيين كذب المفتري على الدين والشريعة؛ والعلماء حماتها فيما مهمة العامة الاستجابة والامتثال.
كان ذلك رصدا لبعض محطات حضور علماء الأمة ضمن السياق الوطني، هذا ولهم حضور دولي قوي كذلك بالقياس لقضايا كونية من ذلك: إصدار لمجلس العلمي الأعلى يوم الثلاثاء 27 أكتوير 2020؛ بلاغا حول المس بحرمات الرسل الكرام عليهم أفضل الصلاة والسلام.
عقبها سارت المجالس العلمية المحلية في اتجاه العناية بالسيرة النبوية من خلال بث أمسيات المدح النبوي أو دروس الوعظ والإرشاد عن مكانة السيرة النبوية ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى جانب أنشتطها العلمية المعتادة في إطار التبليغ الإلكتروني في غالب التدخلات العلمية للمؤسسات العلمية المحلية.
_ مبادرة العلماء المغاربة في تنظيم الندوة العلمية المشتركة المغربية-السعودية حول موضوع “الجهود العلمية المعاصرة لمدافعة الغلو وتحقيق الوسطية”[25].
_ مبادرة العلماء المغاربة لصياغة مشروع “خطة تسديد التبليغ” الرامي لردم الهوة بين الدين والتدين وسد الفجوة بين النداء الرباني المتكرر كما النداء النبوي والاستجابة وبين الأمر والعمل أي بين الدين كما أُلقي والتدين كما تُلُقي .
ومع مشروع خطة تسديد التبليغ هذا، المشروع المولوي الرامي تحقيقَ عدالة التخاطب الديني للرعايا الأوفياء انطلاقا من مرجعية خطاب الثوابت الدينية والوطنية دخلنا في الحقيقة مستوى راقيا جدا من التخاطب وتجديد بيداغوجيا التبليغ الهادف لترشيد الخطاب الديني وهو استثمار كل تلك المضمومات التي راكمتها تجربة المسألة الدينية_ من قوانين تؤمن المسألة الدينية وتبلغ مضامينها بواسطة العلماء ومن أذن له العلماء للتدخل الحضوري كما الرقماني في البيئة الرقمية بقصد ترشيد التدين ذي خصائص مغربية لا نزع فيها ولا منزع _بالمملكة بهدف تحقيق مجتمع ينعم بحياة طيبة تحقيقا لوعد الله للصادقين متى توافر شرطاه وهما:
الإيمان والعمل الصالح بعدما وفرت الدولة بيئة الاشتغال للتلقي من أجل الترقي.
هذا وقد أصدر العلماء كذلك وثائق مرجعية تخص هذا المشروع من حيث التأطير لما ينتج عنه من حسن التأثير تحقيقا للاستجابة ومن تلك الوثائق والكتب:
الدين للحياة منشورات المجلس العلمي الأعلى
أمانة التبليغ تأصيلا وتنزيلا للدكتور مصطفى بن حمزة قدم له وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق
خطة التسديد
الهوامش:
[1] سورة الفتح الآية
[2] درس الحسني “دور علماء المغرب في حماية الهوية الوطنية ” للسيد أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، يوم الأحد 02 رمضان 1438 الموافق لـ 28 ماي 2017 عن موقع : منصة محمد السادس للحديث الشريف hadithm6.ma
[3] دليل الإمام والخطيب والواعظ ، موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية : www.habous.gov.ma
[4] مقال بعنوان “خصوصية إمارة المؤمنين والتميز المغربي تاريخا وعقدا وعطاء” للدكتور ادريس ابن الضاوية رئيس المجلس العلمي للعرائش https://siraj.ma
[5] صدر لنا إسهام ضمن عمل جماعي بعنوان : الثوابت الدينية وما جرى به العمل : دراسات نظرية ونماذج تطبيقية ، يتناول المفهوم_ التدين الجامع _ الذي أنتجناه ضمن عمل منشور بعنوان : الجهوية الدينية بالمغرب : امتداد وإمداد.
[6] مقال بعنوان : بيعة أهل المغرب لأئمتهم (1) موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
[7] مقال بعنوان : بيعة أهل المغرب لأئمتهم (1) موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية : www.habous.gov.ma
[8] مقال بعنوان : البيعة ضمن خطاطات القانون المقارن، على موقعwww.habous.gov.ma
[9] سورة النساء الآية 59
[10] أخرجه مسلم في صحيح ورقم الحديث ؛ 3138 بمنصة محمد السادس للحديث الشريف www.hadithm6.ma
[11] محاضرة علمية، الأستاذ أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية ؛ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس بالرباط تحت عنوان: “الدراسات الإسلامية إلى أين؟”www.habous.gov.ma
[12] دليل الإمام ، سبق ذكره
[13] مصطلح أنتجناه بعد تفكير وتخطيط فيما له علاقة مباشرة به وهو مفهوم الإمامة ؛ إمارة المؤمنين وهي الضامنة ” للتدين الجامع ” الذي يندرج تحته “التدين السني” الذي تسترعيه وترعاه مؤسسة الإمامة في بلاد المغرب على الدوام.
[14] www.fm6oa.org
[15] المرجع ذاته
[16] أخرجه مسلم في صحيحه ورقم الحديث بمنصة محمد السادس للحديث الشريف 3138
[17] خصوصية إمارة المؤمنين والتميز المغربي تاريخا وعقدا وعطاء، سبق ذكره
[18] www.habous.gov.ma
[19] المرجع ذاته
[20] عن موقعwww.fm6oa.org
[21] دور علماء المغرب في حماية الهوية الوطنية hadithm6.maسبق ذكره
[22]كنا قد نشرنا مقالا بعنوان : الجهود الإعلامية في تبليغ الخطاب الديني بالمغرب زمن الجائحة: تجارب ونماذج في جزأين ؛ محمد أكعبور
[23] مقال بعنوان ” فتنة الكلام في أمر الأمة الجامع بغير علم ” للدكتور ادريس ابن الضاوية رئيس المجلس العلمي للعرائش نشر يوم 10 مايو 2020 على : https://siraj.ma
[24] كرنولوجيا التأسيس للخطاب الديني بالمغرب في زمن كوفيد-19: تحولات وفق سياقات . سبق ذكره
[25] وذلك يومي الخميس والجمعة 27 و28 شوال 1444 ه الموافق ل18 و19 ماي 2023، بمدينة الدار البيضاء ، عن موقع : www.habous.gov.ma سبق ذكره





