بقلم : محمد حسيكي
يأتي التعليم من اللغة بالقراءة والكتابة، وهي مهد العلم الذي يرفع الإنسان من العلم درجات، ومنه تصنف اللغة وتكتسب مرتبة، من الدين الذي يحافظ إلى الإنسان على صيرورته وطهارته من العلم، وبالعلم الذي يكرم الإنسان ويجعله يعيش حياة كريمة .
وهكذا عرفت اللغة على أنها منهج تربوي علمي، خاصة بتقويم نطق المتكلم باللسان المتعلم من الإنسان، للرفع به من حياة الفطرة التي خلق عليها، إلى حياة العقل التي ينبغي أن يحيا عليها، وهي من لسان الإنسان المختلفة على تربته من النشأة، كالبيئة من تضاريس التربة .
واللغة تهذب في الإنسان السلوك الفطري بالعقل السليم، وتقوم الحياة البشرية، لضبط التصرف لدى الفرد والجماعة والمجتمع .
واللغة من اختلافها لسانيا بين الجهات من الإنسان هي ما يميزه نطقا بالحس والمعنى عن الحيوان، الذي يفصل فيه بين الأحياء من الأليف والمتوحش، وأيضا بين السليم والسموم .
واللغة من الوجهة التربوية، منظومة كلامية وحكمة عقلية ينطق بها لسان المتكلم من قرب، وبالإشارة عن بعد، أي أن اللغة نشأت من اللسان الشفاهي الطلق بالنطق المختصر، ثم اللغوي المقيد بالكتابة من القواعد المنطقية المتممة للكلمة من القراءة والكتابة .
اللغة عند العرب :
نسب اللغة عند العرب، علم التربية بالدراسة المدروسة، لشتات الكلام وجمعه من تآليف مؤلفة، وهي علم الانسان من اللسان، كما أنها أيضا علم التربية من المهد إلى اللحد، تربط اللسان وسلوك الإنسان بالعقل، ومن ثمة صارت اللغة عند العرب منها الأولية وهي خاصة بالدين، من الكتاب المقدس، وتختلف قراءة وكتابة، يتعبد بها دينا، ويحتكم منها شرعا .
وهناك لغة العموم، التي ائتلف منها العرب على اختلاف دياناتهم ووحدة ملتهم، من حياتهم الدينية إلى حياتهم مع المجموعة البشرية .
ولئن صارت لغة الدين متصلة بالعقيدة، كالمدار الشمسي بالجناح المنخفض من المدار الفضائي، فإن لغة العموم متصلة باللسان العام كالأصل الثابت بالفرع الوارق وإن علا.
ويرتبط نشر اللغة في النظام الإسلامي برفع الجهل عن الأمة من الدين، ومن العلم، الذي كان حبيس أماكن العبادة على الطواعية الدينية .
وهذا يعني أن اللغة جاءت من حفظها بالدين، وتطورت بقواعدها على نحو من العلم، كما تطورت كتابة من مدارس الخطوط اليدوية إلى الطباعة الحجرية ثم الآلية، والإلكترونية ، وتطورت القراءة من المباشرة من قرب إلى التلقي عن بعد .
اللغة بالمجتمع :
المجتمع المغربي من نشأته مجتمع إسلامي باللسان العربي، الذي يميزه عن الانسان الاوروبي، الذي تمازج معه بشريا وحضاريا، ثم لغويا .
واللغة مرتكز أهم في العلاقات البشرية، من الوجهة الدولية التي لها محل من الحياة الاجتماعية، والتي كسرت قيودا وبنت عهودا، رفعت الجهل عن الانسان من اللسان، ونقلته مما كان فيه من أدنى، إلى ما هو منه في درجة أسمى .
والإنسان المغربي عرف اللغة أولا من نزعته الايمانية بالقراءة القرآنية من الكتاب المقدس، يتعبد منه، ويهتدي منه بالأحكام الشرعية، تعلمها بالحفظ والمثابرة من القراءة والكتابة .
وعهد وصول المراكشيين المغاربة إلى الأندلس لنشر الدين والحضارة، اعتمدوا بالدرس لغتهم من العلم، ولغة اللسان للتواصل مع البنين من العموم .
وبعد خروج العرب من الأندلس لأسباب طائفية، حملوا إرثهم اللغوي، مما لا زيغ فيه عن العروبة والدين .
وبعد أن تطورت كتابة اللغة من مخطوطات يدوية، إلى طباعة حجرية، انتقل الخط العربي من الخط التكعيبي إلى المربع اللغوي الذي أخرج اللغة العربية من الإطار الديني، إلى الإطار القومي العام للتداول البشري .
ومن ثمة انتشر بالمغرب كما بالعالم العربي لغة الكتاب المقدس من القرآن الكريم، ولغة النشاط العلمي من أبجدية اللغة .
التعليم اللغوي بالمغرب :
قبل معاهدة الحماية، التي أهلت المغرب لأخذ مكانته الدولية بين الأمم، كان التعليم اللغوي من اللغة العربية، والحكم الشرعي هو السائد اجتماعيا .
وفي ظل معاهدة الحماية، تحول التعليم، على يد الفرنسيين والاسبان، إلى نشر اللغة الاوربية، التي تقرب الإنسان المغربي من الحياة الأوربية، التي دخل منها في قطيعة، منذ الخروج العربي من الأندلس، .
وهكذا اكتسب المجتمع إلى جانب لغة الآباء والأجداد، لغة الاندماج في الحياة الدولية، من بوابة العلوم المعاصرة الركب العالمي
وبعد أن حصل المغرب على استقلاله، ظهرت مناهج من التعليم، منها الأصيل، ومنها المعرب، وكذا التعليم الحر، إلى جانب التعليم العمومي الذي يعتمد اللغة الفرنسية في مناطق الادارة المخزنية، وأيضا اللغة الاسبانية بالمنطقة الخليفية من الشمال، وملحقاتها بالجنوب .
منهجية التعليم العربي :
نلقي النظرة على التعليم العربي من منظور قراءة الآباء، وهي قراءة تعتمد على الحفظ والاستظهار من القرآن الكريم، مهد التعلم، وخاتمة العلم، قراءة تجري على اللوح الخشبي من عهد ما قبل ظهور الورق، وذلك لحالة الحصار التي يعيشها الأهالي من الادارة الجارية على البلد .
بل كان تعليما جماعاتي، يجري بالجوامع الجماعاتية، ومن مساجد الأوقاف الاسلامية، يعتمد في تمويله على الأهالي، وزوايا التصوف الاسلامي، الذين يعيشون حياة العصر الزراعي .
ومن وجهة التحصيل العلمي، تعتمد القراءة على الحفظ وهو نصف الفهم، ومن الاستظهار يتم استكمال الفهم، واشتهر من عهود قراءة الحفظ والتحصيل سلطان الطلبة، وهو مهرجان الحفاظ الإحتفالي بنهاية الموسم الدراسي، وإحياء الموسم الثقافي، الذي يتبارى فيه نجباء المدارس العلمية من القرى والحواضر المغربية، في اللغة والأدب وفقهاء العلوم الشرعية، في إعداد نصوص ثقافية، ومسرحيات أدبية، وفواصل موسيقية، ونوازل أحكام فكاهية، ونوادر معرفية يقضون بها موسما ثقافيا، في استضافة أمير المؤمنين السلطان المعظم، لموسم سلطان الطلبة المنظم، نظيرا لمجريات مواسم الأهالي التي تعمر الساحة من جل المناطق الاجتماعية .
ولئن خلد موسم سلطان الطلبة ذكر الثقافة العربية من الديار المغربية، فإنه كان نظيرا لتتويج أمير الشعراء، الذي كان نفحة من عكاظ للمعلقات .
وحين تولت الدولة الحديثة تدبير الشأن الاجتماعي، تحول التعليم العربي من مهد الجماعة، إلى حضن المجتمع من التهذيب التربوي عن طريق النظام المدرسي، وتحول التعليم من الحفاظ على التراث فترة الانقباض الاجتماعي، إلى تعليم مستقبلي يفتح الآفاق الاجتماعية والدولية للأجيال التربوية .
وما يميز التعليم الأولي من الحياة الأولية، التربية العلمية من الحياة الخلقية، التي تجعل الإنسان سليم الفكر والطوية، من السلوك والمعاملة، التي تبعد البشرية عن الشر، وتدعو إلى الخير من الانسانية .
التعليم المعاصر :
هو تعليم اجتماعي ذو منهج عملي من مستوى دولي، في مجال العلوم النظرية والتطبيقية، يعتمد ترويض العقل على المخاطبة بالمحاورة، بدل الحفظ والاستظهار من القراءة، وهو ما يعني التحول بالعقل البشري من علوم التحصيل، إلى علوم التواصل، أي الانتقال من علم المتكلم إلى علم المخاطب .
والتعليم المعاصر هو تعليم ورقي، تجري الكتابة فيه على الورق، بالحبر السائل ومن الحبر الجاف، كما تتم القراءة من الكتاب المطبوع، المعزز بالواضح من الصور، التي ينفتح عليها النظر، بجميل التعابير والألوان التي تحاكي الصور، ومن التعليم تحولت رؤية الإنسان يومه من الفضاء، إلى رؤيته عملا من الأرض .
ومن ذا التعليم بدأ إنسان المجتمع يرسم حياة المستقبل لنفسه مما يرفع شأنه من مجتمعه، والذي تحولت فيه الارض من طبيعتها، إلى صنعة عمله، وحياة الانسان من نشأته إلى مدارج تطوره .
ومن التعليم المعاصر تحول التعليم من اكتساب العلم لأجل العلم، إلى التعليم من أجل العمل، الذي يضمن الحياة الكريمة للإنسان، مصداقا للقرآن الكريم، ولقد كرمنا بني آدم .




