الإنسان بين التدخين والتحذير

 

بقلم : محمد حسيكي

 

الإنسان كائن اجتماعي، خرج من العصر الزراعي، إلى العصر الصناعي، استبدل فيه العمل من الجهد الحيواني، إلى العمل بالآلة المسيرة بالطاقة، وأصبح يعيش من الوفرة حياة كاملة، وتخلص من حياة ناقصة من دورة نقص المعيشية ، ومن زيادة الوفرة في الغذاء صار يحدث التبذير من فرط الاستهلاك في المادة الغذائية، التي قد تكون له انعكاسات سلبية على الصحة، وظهور أمراض مزمنة ناتجة عن الرفاه، أو عدم التوازن في الاستهلاك من مادة غذائية دون غيرها، ومن جهة نقص التغذية أمراض فقر التغذية، التي تظهر من افتقار الطبيعة، من مجاعة لظروف طبيعية كالجفاف الذي يضرب الفضاء ويميت الارض، أو فقر يدفع إلى الهجرة غير المنظمة بحثا عن الشغل أو كسب للمادة .

أمراض الرفاه :

تنتج أمراض الرفاه من كماليات العيش المصاحبة للمكملات الغذائية، كالخمر التي يجد فيها الإنسان سكرة عقل، ولذة شرب واسترخاء، والتدخين الذي يجد فيه نشوة تغيب منها ضبابية الرؤية من انفتاح السريرة، والتغذية الغير المنظمة من البيت التي يجد فيها الانسان تعوذ الطعام، مما يدفع إلى السأم والتوجه نحو الشارع، الذي يجد فيه على غير العادة، انفتاح الشهية وإقبال البطن على المعروضات الاستهلاكية .

ومن المواد التي يجري الإقبال عليها لدى الفئات العمرية من مقتبل الحياة، التدخين وهو مادة مخدرة شبه سامة ومنشطة للحاسة الذهنية ومدمرة في نفس الوقت لها، ومن ثمة يجري الاقبال والتحذير من استعمالها، بل هو ملوث للجهاز التنفسي وعامل خمول ومسكن للضمير البشري .

التدخين بالمغرب :

المغرب بلد إسلامي من نشأته الاجتماعية، لا يقول ولا يعمل بالأشياء التي تخالف أحكام الشرع، لذلك تجد فيه زوايا التصوف التي كانت ولا زالت، تقوم ساهرة من وقتها على تأطير سلوك الجماعة بمقاطعة المحرمات، وتحث على التعايش فيما بينها على الاستقرار من الحياة الجماعية، كما تدعو إلى تجنب المحظورات الشرعية التي تدفع إلى ارتكاب أفعال مخلة بالحياة العامة، لذلك كان بالمجتمع أبناء من زواج متعدد الزوجات، ولم يكن بالحياة العامة أبناء زنا من الشارع، كما لم يكن بالمجتمع سجون لتنقية الأرضية والأذهان من أسباب عوامل الفعل الاجرامي، كون المجتمع خال من أوكار الحالات الإجرامية بالتربية الاستباقية البديلة عن العقوبة السجنية، التي لا محل لها من المجتمع .

وعهد انفتاح المجتمع على الجوار الأوروبي المختلف بنيويا عن الوسط الاجتماعي من الوجهة العقائدية والاجتماعية، عرف الإنسان المغربي الجديد من العلاقات التي تحكمها العلاقات البشرية، دون حواجز العلاقات الدينية، منها أنواع من الأغذية المستوردة لحاجة إقامة الأجنبي بالمجتمع، وأصناف من سلع الاستئناس والترفيه النفسي، كالتدخين من وقت الفراغ الذي يمر به الانسان، كان في متنفس خاص، أو من وسط الشغل العام .

والمغاربة عرفوا التدخين على عهد الدولة السعدية، التي كانت تربطها علاقة ثنائية مع بلاد السودان، والتي منها ربط المغرب علاقات متميزة مع الدولة البريطانية، تمثلت في الانخراط بالجندية التي فتحت الباب نحو الهجرة للقارة الأمريكية، بدلا عن البرتغالية والاسبانية، تشبع منها المغاربة باستعمال التدخين من الاختلاط مع الغير وعهد دخول وانتشار زراعة التبغ بالبلد، عرف المغاربة زراعته واستعماله على يد الاسبان، الذين تجمعهم مع المغاربة علاقات تاريخية، لم يمحوها الطرد من الاندلس، ولا الحقبة الاستعمارية، حيث البلدين مع بعضهما من السراء والضراء .

التدخين من عهد الاستقلال :

بعد أن أصبح التدخين سلعة ومادة تجارية مستعملة وغير محظورة على العموم ، ظهر من الساحة الاجتماعية من منطقة الحماية الفرنسية، صراع على الساحة بين مستعملي التبغ المستورد، وبين المنتج من التبغ المحلي، الذي ينتجه المزارع المغربي والمعروف باسم الكيف، المادة التي قاوم بها المغربي البضاعة الأجنبية، وقاد منها مقاوموا الحركة الوطنية مقاطعة التبغ المستورد واستهلاكه من الحواضر، خاصة لدى مستعمليه بالأحياء الشعبية، حيث كانوا يعنفوهم ويتلفون سجائرهم، ويتهمونهم بموالاة المستعمر الأجنبي ، بينما في المناطق القروية تساير مادة الكيف الحياة العامة من القدرة الشرائية للقروي، الذي لا يجد بدا من استعماله ويعطي منه القدوة بنفسه .

وعهد التوازن الاجتماعي، والأخذ بالنهج الديمقراطي، تم التشريع لاستعمال مادة الكيف للأغراض الطبية، وأصبحت الزراعة مرخصة، وتحت الرقابة المنظمة، من الزراعة والتحويل المصنع إلى عقار طبي .

موقف الصحة والحماية الاجتماعية من التدخين :

بعد انتشار الأمراض التعفنية المضرة بالصحة من التدخين، كأمراض السل، وسرطان الرئة، وغيرهما من أمراض انسداد العروق الدموية، التي لها علاقة بالتدخين، صار الطبيب يحذر مرضاه من عواقب التدخين المضرة بالصحة، وإرشادهم بالامتناع وعدم الاستمرار في التدخين بالرغم من وفرة وتطور العلاج .

وأصبح الامتناع عن التدخين للمرضى سبيلا ناجعا للعلاج، وتنبيه العموم إلى الأخطار الصحية للتدخين بل ينبغي اتخاذ الحيطة والحذر مساهمة في الحفاظ على السلامة الصحية .

ومن ثمة اقتدت الإدارات بالمغرب، ومن وسائط النقل العمومي الكف عن التدخين من وسط الركاب حفاظا على صحة الآخرين كما الحال في القطارات والحافلات، ومحاربة الأماكن الخاصة بمقاهي الشارع، ومن الملاعب الرياضية وقاعات المسرح ودور السينما والتجمعات العامة .

وهكذا أدرك المجتمع الأخطار الصحية و التكاليف المادية، والخطورة المتزايدة من التدخين على صحة الأجيال التي تتطلع إلى المستقبل بدهنيات متفتحة على العلم والعالم الذي يحمي صحتها وعقولها، ويبعدها من ساحة التلوث الذي يهدد مستقبلها من الدرجة الأولى، وحياتها من الدرجة الأخيرة، ومن يخون صحته يحرق بالتدخين أنفاسه ويلقي بها إلى التهلكة .

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني